أنباء وآراء

فيزياء المواد الناعمة: السوائل الممغنطة الحديدية

إن الفكرة في خلق سوائل تحتوي على جسيمات مغناطيسية تُظهر خواص الحديد المغناطيسية لم تتحقق حتى يومنا هذا. والآن، تتم صناعة قطع مغناطيسية على شكل أطباق داخل بلورة سائلة تتمتّع بهذه الخواص.

  • Published online:

عند درجة حر ارة الغرفة، تبدو ذرات الحديد وكأنها قضبان مغناطيسية متطابقة بأحجام دون النانومتر. والبناء البلوري للحديد الصلب هو من النوع الذي يماثل وضع قطعة من المعدن ـ كمسمار مثلًا ـ في مجال مغناطيسي، فإن الذرات المغناطيسية التي ستميل إلى الاصطفاف على طول المجال المغناطيسي سوف تحافظ على اتجاهها المستحثّ، حتى بعد إزالة المجال المغناطيسي. وسيتحول المسمار نفسه إلى قضيب مغناطيسي كبير (الشكل 1أ). وبالتالي، فإن المواد التي تحمل تنظيمًا مغناطيسيًّا في غياب المجال المغناطيسي الخارجي اسمها مستوحى من اسم الحديد، وهو المغناطيسية الحديدية، أو مجرد المغناطيسية كاختصار1. في العدد الصادر يوم 12 ديسمبر من الطبعة الدولية من مجلة Nature، أورد مِرتلي وزملاؤه2 مشاهداتهم للخواص المغناطيسية الحديدية في تزاوج جديد بين جسيم وسائل.

الشكل 1 | المغناطيس القضيبي والسوائل الممغنطة. أ، في مادة الحديد المغناطيسي، يحافظ العزم المغناطيسي لذرات الحديد ـ التي تظهر هنا في هيئة قضبان مغناطيسية صغيرة ـ على التوجه الشمالي-الجنوبي المتبادل بين القضبان في غياب المجال المغناطيسي، لكي يكون مغناطيسًا مستمرًا كبيرًا. ونرمز للعزم المغناطيسي هنا بأسهم. ب، السوائل الممغنطة ـ وهي معلقات تحتوي على جسيمات مغناطيسية دون المايكرومتر ـ تستجيب بقوة للمجال المغناطيسي الخارجي B، مما يدفع السائل إلى تشكيل شوكات واضحة (الشكل ج) كوسيلة لملء الفراغ الداخلي بالمجال. ج، صورة للسائل المغناطيسي على طبق زجاجي عاكس، تحت تأثير مجال مغناطيسي خارجي قوي.

كبر الصورة


تعتبر السوائل الممغنطة واحدة من أجمل تطبيقات المواد المغناطيسية الحديدية . وهي بمثابة معلَّقات من جسيمات مغناطيسية دون المايكرومتر في مذيبات عضوية مثل الكيروسين، مع صابون فعّال سطحي (Surfactant)؛ للإبقاء على الجسيمات متفرقة3. تستجيب تلك الجسيمات المغناطيسية في السائل الممغنط للمجال المغناطيسي عبر التوجه علي طول المجال المغناطيسي (الشكل 1ب)، وبالتالي، فإن المجال المغناطيسي يستطيع أن يبذل قوة فائقة على السائل، فيغيِّر تمامًا شكل السائل الذي يتحرك؛ ليملأ الفراغات داخله بأقصى ما يمكن بالمجال (الشكل 1ج). هذه التأثيرات غريبة ومفيدة في نفس الوقت، ولها تطبيقات عديدة، بدءًا من مشغلات الأقراص المدمجة، حتى الموانع الفراغية الدائرية (Rotary vacuum seals) وتقنيات إخماد الصوت.

ومع ذلك.. فإن الخاصية المهمة للسوائل الممغنطة ـ على الرغم من استجابتها المثيرة للمجالات ـ هي انعدام الخاصية المغناطيسية الحديدية عند الأحجام الكبيرة. فعلى الرغم من أن جزيئاتها الدقيقة ذات خواص مغناطيسية، إلا أنه عند زوال المجال المغناطيسي الخارجي يتبدد المجال المغناطيسي المستحثّ الموزَّع على أنحاء السائل التي تحتوي على أجسام عدة. ومادة كهذه ـ بلا آثار للمغنطة في غياب المجال ـ تسمى مادة مغناطيسية متوازية (Paramagnetic). وحين يتم تسخين الحديد فوق درجة 1050 كلفنًا، وهي النقطة التي يحدث فيها تشتيت حراري لاتجاهات العزم المغناطيسي الذري، يصير الحديد أيضًا مغناطيسًا متوازيًا1.

تكون السوائل الممغنطة ذات خاصية مغناطيسية متوازية بسبب التشتت الحراري لاتجاه الجسيمات عند درجة حرارة الغرفة، ولوجود ميل لدى الجسيمات المغناطيسية في المعلَّق لتنظيم نفسها في أزواج أو جماعات، بحيث تلغي صافي المجال المغناطيسي الذي تنتجه. وأيّ شخص تعامل مع القضبان المغناطيسية يعرف الطريقة التي تقوم بها القضبان بالإطباق على بعضها (الشكل 2أ) مع وجود أقطابها المغناطيسية في اتجاهات متعاكسة، ليلغي كل منهما العزم المغناطيسي للآخر، إلا أن مثال الحديد يُظهر أن الخاصية المغناطيسة الحديدية مثيرة ومفيدة، ويثير التساؤل حول إمكانية صناعة سوائل ممغنطة، واختلاف خصائصها عما يُعرف حاليًا بالسوائل الممغنطة المتوازية.

الشكل 2 | النظام المغناطيسي الحديدي داخل سائل ممغنط. أ، يفقد السائل الممغنط خواصه المغناطيسية في حالة غياب المجال المغناطيسي، بسبب التشتت الحراري، وكذلك بسبب اصطفاف الجسيمات المغناطيسية داخل السائل في أزواج يلغي كلٌّ منها تأثير المجال الذي يحدثه الآخر. ب، استخدم مرتلي وزملاؤه2 مغناطيسًا ذا شكل طبق، بحيث يتراكم العزم المغناطيسي للأطباق حينما تتزاوج. ج، يستعمل السائل المغناطيسي الحديدي الذي اكتشفه المؤلفون بلورًا سائلًا خيطيًّا (باللون الأزرق) ذا توجيه جزيئي محلي (الخطوط الزرقاء)؛ لكي يحافظ على وضع الأطباق المغناطيسية أفقيًّا، كما في الصورة. ومع هذا التقييد، يتوجه العزم المغناطيسي للأطباق (السهام السوداء) بشكل متبادل، بحيث يكون اتجاه كل واحدٍ متوازيًا مع الآخر، كما يحدث حينما نكدس أطباقًا مغناطيسية (شكل ب)، وكما نرى من استمرارية خطوط المجال المغناطيسي (باللون البرتقالي).

كبر الصورة


أخذ مِرتلي وزملاؤه خطوة كبيرة في اتجاه الإجابة عن هذا السؤال، حيث جمعوا بين تقنيات فيزياء المواد الناعمة وفيزياء الجسيمات المغناطيسية؛ ليغيّروا جذريًّا في كل مكونات السوائل المغناطيسية الرئيسة (الجسيمات والمذيب والصابون)، فكوّنوا نظامًا يثبِّط عمليات إلغاء المجال المغناطيسي التي تنخرط فيها الجسيمات المغناطيسية الدقيقة، وذلك للحصول على نظام مغناطيسي حديدي ثابت في معلّق سائل (الشكل 2ج).

ولمزيد من التقدير لقيمة إنجازهم، فلنلعب أكثر بالمغناطيس. وتلك المرة سيكون اللعب بمغناطيس ذي شكل طبق، حيث يتعامد العزم المغناطيسي مع مستوى سطح الطبق (الشكل 2ب). ظهر لنا أن عملية إلغاء المجال تصير أكثر صعوبة في المغناطيسيات ذات الشكل الطبقي، مقارنة بالمغناطيس القضيبي، إذ إن الأطباق المغناطيسية تشرع في التكدس، مثل العملات المعدنية، بحيث تتراكم مجالاتها المغناطيسية، إلا أن هذا التراكم تنجم عنه ترتيبات هندسية ضعيفة بجوار بعضها، عكسية التوازي، ويُحتمل أن يؤدي إلى ترتيب مغناطيسي حديدي في المعلَّق. ولهذا.. استخدم مِرتلي وزملاؤه أطباقًا مايكرومترية من سداسي حديديت الباريوم (Barium Hexaferrite) ـ وهي مادة مغناطيسية يمكن إنماؤها في أطباق بلورية بالغة الرقة، ذات نسبة باعية مرتفعة4 (يبلغ سمكها 5 نانومترات، ومتوسط مساحتها 70×70 نانومترًا) ـ الذي يتعامد فيه العزم المغناطيسي مع مستوى السطح.

وفي سبيل إنشاء معلَّق يحتوي على هذه الأطباق المغناطيسية، اختار مِرتلي وزملاؤه بلور سائلًا خيطيًّا ليعمل عمل المذيب (البلور السائل؛ الشكل 2ج)، وهو سائل غير مغناطيسي، يحتوي على قضبان ذات أطوال نانومترية تكتسب تلقائيًّا نظامًا توجيهيًّا بعيد المدى، وهي نزعة لدى الجزيئات ليكون توجهها متجانسًا بقدر المستطاع في ظل وجود قيود تفرضها الحدود الفيزيائية لوعاء السائل5. ولغرض التجربة الراهنة، فإن البلور السائل هو مجرد مادة مضيفة، لكنه ذو مرونة توجيهية داخلية.

أما بخصوص الفعّال السطحي، الذي استخدمه مِرتلي وزملاؤه ليقوم بدمج اتجاهات الجسيمات مع البلور السائل، فقد قاموا بطلاء أسطح أطباق سداسي حديديت الباريوم المغناطيسية، بحيث يتعامد اتجاه الجزيئات داخل البلور السائل عند السطح مع سطح الأطباق. ويؤدي هذا إلى اصطفاف الأطباق عموديًّا بالنسبة إلى متوسط اتجاه الجزيئات داخل البلور السائل، مما يحفظ استواءهم ويكسبهم شحنة كهربية، وهو ما يؤدي إلى تنافرهم، وهو خليط من الخواص يساعد الأطباق على ملء الفراغ؛ لتصبح على هيئة ضباب مكون من رقائق مسطحة متوازية (الشكل 2ج). ومن حيث المبدأ، بعض هذه الرقائق قد يكون لديها عزم مغناطيسي متجه إلى أعلى، وآخر متجه إلى أسفل، ولكن، كما هو الحال في لعبة الأطباق، فإن التوجه المتجانس بين الأطباق سيسود، وسنجد اكتساحًا تلقائيًّا للمساحات ذات التوجه المغناطيسي المتجانس، مما سيُنتِج نطاقات مغناطيسية حديدية داخل السائل المغناطيسي.

وبالإضافة إلى تكوين سائل ممغنط حديدي، قام مرتلي وزملاؤه بإنشاء نظام بلور سائل بخاصية مغناطيسية حديدية ذات امتداد طولي يسمح بضم عدة جسيمات، وهو أول نظام لبلور سائل يتميز بوجود نظام توجيهي يتغير بشكل قطبي حينما يتعرض لمجال مغناطيسي خارجي. وهذا الاكتشاف يفتح الباب لإنتاج أنواع مختلفة من التأثيرات المغناطيسية التي تمكننا من التحكم في توجيه الجزيئات داخل البلور السائل، وكذلك التحكم في تأثير البلور السائل على تدفق الموجات الضوئية، وذلك عن طريق مجال مغناطيسي خارجي. يشير هذا أيضًا إلى إمكانية تكوين نظير كهربي لنظام كهذا مكوَّن من معلَّقات لجسيمات مستقطبة كهربيًّا مصمَّمة بالطريقة نفسها. ومع هذا.. فإن مستوى الفهم والتطبيق الذي وصلنا إليه للتحكم في توجيه الجزيئات داخل نظام البلور السائل عن طريق المجال الخارجي ـ حيث مكّننا فيها المجال الكهربي من تطوير شاشات البلور السائل وثورة الحاسوب المتنقل ـ يبدو متجهًا بنا نحو ثورة مغناطيسية تقوم على أساس الاقتران المغناطيسي الحديدي بين الاستجابة البصرية والمجال المغناطيسي.

  1. Department of Physics, University of Colorado, Boulder Colorado 80309-0390, USA

    • نويل أ. كلارك
  1. Cullity, B. D. & Graham, C. D. Introduction to Magnetic Materials (Wiley, 2009).
  2. Mertelj, A., Lisjak, D., Drofenik, M. & Čopič, M. Nature 504, 237–241 (2013).
  3. Odenbach, S. Ferrofluids: Magnetically Controllable Fluids and Their Applications (Springer, 2002).
  4. Ovtar, S., Lisjak, D. & Drofenik, M. J. Colloid Interface Sci. 337, 456–463 (2009).
  5. Oswald, P. & Pieranski, P. Nematic and Cholesteric Liquid Crystals: Concepts and Physical Properties Illustrated by Experiments (CRC Press, 2005).