أخبار

متاحف تبحث عن أجهزة عِلْم الجينوم العتيقة

تتكاتف جهود جامعي الأجهزة؛ لإنقاذ معدات تم «تَكْهِينها».

هايدي ليدفورد
  • Published online:

شكَّلت المصفوفات الدقيقة المضاءة جزءًا من المعروضات في متحف طبي في كوبنهاجن في عام 2011.

شكَّلت المصفوفات الدقيقة المضاءة جزءًا من المعروضات في متحف طبي في كوبنهاجن في عام 2011.

Medical Museion, University of Copenhagen


يقبع في مصنع مظاريف سابق جهازٌ لونه رمادي وأزرق، أشبه بصندوق في حجم الفرن، يمثل عاشر مقتنيات متحف العلوم بولاية ماساتشوستس في هذا العام. إنه مُلقِّم عينات المستعمرات، وهو ذراع روبوتية تلتقط عيِّنات بكتيريا من أطباق «بِتْرِي»، وتقوم بتقطيرها في صينية بها 96 عينًا، حيث يتم استخراج الحمض النووي، وتكراره، وتعيين تسلسله. وفي مطلع هذا القرن، كان الجهاز يدعم بحوث علم الجينوم في «معهد وايتهيد للأبحاث الطبية الحيوية» في كمبريدج بولاية ماساتشوستس. أما الآن، وبعد «تكهينه»، يوجد الجهاز في مخزن يتبع «متحف معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، بين ماكينة خياطة من عِقد العشرينات وحاسوب تناظري من الخمسينات.

ربما يجد باحثو علم الجينوم صعوبة في تصديق أن زائري المتحف سوف يكترثون لرؤية قطعة مألوفة من معدات المختبرات، مثل مُلقِّم عيِّنات المستعمرات. وهذا هو لب المشكلة في نظر أمناء متاحف العلوم والتكنولوجيا.

«لا يوجد لدى معظم العلماء أدنى فكرة عن دواعي الحفاظ على هذه المعدات»، كما يخبرنا توماس سودركفيست، مدير المتحف الطبي في العاصمة الدنماركية، كوبنهاجن. ويضيف سودركفيست: «إنهم يتخلصون منها ببساطة».

وفي العامين الماضيين، تضافرت جهود اتحاد مكوَّن من حوالي اثني عشر متحفًا للعلوم على ضرورة الحفاظ على أجهزة عتيقة من عهد ثورة علم الجينوم، وذلك في محاولة معروفة باسم «مبادرة المتاحف المعنية بعلم الجينوم». كان منبع المبادرة هو خشية ألّا تواكب عملية جمع الأجهزة العلمية معدل الابتكار في زمن تقليص موازنات المتاحف. وقد تبدَّى هذا القصور في مختلف التخصصات، وفق ما ذكره سايمون شابلن، رئيس مكتبة «ويِلكَم كولِّكشن» لتاريخ الطب الحيوي في لندن، التي انضمت أيضًا إلى المبادرة. ويقول شابلن إنه من المنطقي أن يركز أحد المساعي على علم الجينوم، لِمَا للحقل من أهمية في مجال الطب، واجتذابه لاهتمام الجمهور، ومعدل نموه السريع منذ أواخر التسعينات. وينبِّه شابلن قائلًا: «إنّ هناك خطرًا حقيقيًّا ـ إذا لم نبادر بالتصرف ـ أنْ يضيع تراث علم الجينوم».

كاد هذا أن يكون مصير واحد من جيران مُلقِّم عيِّنات المستعمرات، وهو جهاز يحمل الجزء العلوي منه سيرًا ناقلًا. كانت وظيفته فيما مضى تحريك صينية مُلقِّم عيِّنات المستعمرات ـ ذات الست وتسعين عينًا ـ بين محطات (تم تسمية كل منها على غرار محطات خط مترو الأنفاق الذي يمر عبر كمبريدج) لإعداد العينات لمرحلة تعيين التسلسل. وقد عثر جون ديورانت، مدير «متحف معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» في كمبريدج، على الجهاز مصادفةً منذ سنة تقريبًا، عندما كان يُنقِّب في محتويات منشأة تخزين تابعة لمعهد «برود» Broad القريب.

كان من المقرَّر التخلص من الجهاز، على الرغم من استخدامه خلال ذروة السعي المحموم لتعيين تسلسل الجينوم البشري الأول. يقول ديورانت «لقد نظرنا إلى الجهاز، وقلنا على الفور: سوف نأخذه».

«بيبي بلو»، نموذج أوّلي من جهاز تكرار الحمض النووي.

«بيبي بلو»، نموذج أوّلي من جهاز تكرار الحمض النووي.

Science Museum, London


يُشبِّه ديورانت عمله بدور جامع الفن المعاصر، إذ عليه أن يتنبأ بالأشياء التي ستكون لها قيمة بعد مرور عقود من الآن. ويقوم مستشارون علميُّون بمساعدة أمناء المتاحف في هذا التقييم. ويقول روبرت بَدْ، كبير أمناء قسم العلوم والطب في متحف العلوم، الذي شُيِّد منذ قرن من الزمان في لندن – مقر «بيبي بلو»؛ وهو نموذج أولي من جهاز يقوم بإجراء تفاعل البوليميراز المتسلسل من أجل تكرار أجزاء من الحمض النووي – إنّ «مبادرة المتاحف المعنيّة بعلم الجينوم» تهدف إلى مساعدة أمنائها على تحديد الأولويات وتوحيد الجهود، من خلال إنشاء قائمة بالقِطع المقترح اقتناؤها. ورغم ذلك.. يرفض بَدْ تسمية كل الأجهزة التي قد يضعها على رأس قائمته بالأشياء التي يرغب في شرائها، قائلاً: «في اللحظة التي أفصح فيها عن شيء ما، تزداد قيمته». ولِحُسْن الحظ، وعلى نقيض الفن المعاصر، نادرًا ما يتم شراء معدات المختبرات بعد تكهينها بأسعار مرتفعة. وبدلاً من ذلك.. تكمن التكلفة في التخزين، لا سِيّما بالنسبة للأجهزة الكبيرة. وإذا ما أرادت المتاحف أن تظل الآلات جاهزة للتشغيل، فقد يكون أجر الفنيين الاستشاريين المناسبين وسعر قطع الغيار مكلفًا، حسب قول هيذر إريكسون، رئيس «مؤسسة العلوم الحياتية» في سان فرانسيسكو، بولاية كاليفورنيا؛ وهي منظمة غير ربحية، تهدف إلى الحفاظ على المعلومات التاريخية بشأن التكنولوجيا الحيوية. (يكون مُلقِّم عينات المستعمرات لافتًا للنظر عندما تعمل ذراعه الروبوتية، ولكنه لا يعدو عن كونه مجرد صندوق عندما يتعطل).

يمثل إضفاء جاذبية بصرية على الأجهزة العتيقة تحديًا آخر، من وجهة نظر سودركفيست. وعلى مدار السنوات الخمسين الماضية، وهي الفترة التي أصبحت خلالها الأجهزة الإلكترونية مُصَغَّرة وصارت تقنيات التصنيع موحدة، أفسحت الآلات الجميلة القديمة والمصممة حسب الطلب المجال لصناديق رمادية تخلو من الإبداع. «نحن نعمل مع المزيد والمزيد من الأدوات المجردة» كما يقول سودركفيست. «فهل يبدو جهاز تعيين تسلسل الحمض النووي مختلفًا عن غسالة صحونك؟»

يرى سودركفيست أن دوره في المبادرة يتجلى في إكساب «غسالات الصحون» هذه بعض الإبهار البصري. وفي عام 2011، ساعد سودركفيست في إعداد معرض لمصفوفات الحمض النووي الدقيقة (وهي شرائح مغلفة بعشرين ألف قطعة فذّة من الحمض النووي) المستخدمة في تجربة لمرض السكري. وقام متحفه بحفر ثقوب في قرابة 600 مصفوفة، وعلّقها من السقف، مع إضاءتها باستخدام الألياف البصرية. وتتسم بعض الأدوات بجاذبية أكثر وضوحًا، وهي محل رغبة شديدة لأمناء المتاحف. وتلمح في عيني ديورانت نظرة حالمة عندما يناقش شاشة العرض التي كانت معلقة في صالة الاستقبال في «معهد ويِلكَم تراست سانجر» في كمبريدج، بالمملكة المتحدة، في منتصف التسعينات خلال فترة مشروع الجينوم البشري، وهي شاشة عرض رقمية تُظهِر أحرف الحمض النووي التي تم تعيين تسلسلها في اليوم السابق. حينها، كان المعدل الذي تظهر به القواعد «A» و«T» و«C» و«G» لا يُركِّز على التطورات في مجال تكنولوجيا تعيين التسلسل فحسب، ولكن أيضًا على رسالة المعهد في أن يجعل التسلسل متاحًا للجمهور.

لا يزال معهد سانجر يحتفظ بلوحة العرض، ويعرضها أحيانًا على المجموعات المدرسية الزائرة، لكنها لم تعد ترحب بالزائرين في صالة الاستقبال؛ لأن النظام لا يمكن أن يتماشى مع سرعات تعيين التسلسل الحديثة. يقول بَدْ إن متحفه يرغب في الحصول عليها. وعلى جدول أعمال بَدْ يوجد أيضًا جهاز لتعيين التسلسل من الشركة البريطانية «أكسفورد نانوبور تكنولوجيز». ولا تُعَدّ هذه الأجهزة ـ التي باستطاعة بعضها تعيين تسلسل الجينوم البشري في غضون 15 دقيقة ـعتيقة بعد؛ فهي لم تصدر تجاريًّا حتى الآن، وتصطف المختبرات في مختلف أنحاء العالم من أجل الحصول على الدفعة الأولى (انظر: Nature http://doi.org/p8j; 2012). ويعتقد بَدْ «أن اقتناء أحدها سيكون من أصعب العمليات»، لكنه يكمل قائلًا: «بيد أنّ المعهد قائم منذ مئة سنة تقريبًا، وسننتظر..».