أخبار

أزمـة نقـص الـدّواء في إيـران

العقوبات الدولية تتسبَّب في نقص الأدوية واللقاحات.

دِكلان باتلَر
  • Published online:

<br><p>إمرأة تتلقى العلاج الكيميائي في طهران، حيث يوجد نقص في بعض الأدوية لعلاج السرطان.</p>


إمرأة تتلقى العلاج الكيميائي في طهران، حيث يوجد نقص في بعض الأدوية لعلاج السرطان.

Kaveh Kazemi/Getty Images


يُحذّر باحثون في المجالات الطبيّة ومسؤولون في الصحة العامّة من أنَّ تشديد العقوبات الاقتصادية الدّولية الجائرة على إيران يتسبب في نقص خطير في أدوية ولقاحات معيّنة وتجهيزات طبيّة مهمّة أخرى في البلاد.

هذه المُستلزمات ـ إضافةً إلى مُستلزمات إنسانيّة أخرى، كالغذاء ـ مُعفاة تقنيًّا من العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة، الولايات المتّحدة الأمريكيّة والاتّحاد الأوروبي، والتي أدّت إلى خنق الاقتصاد الإيراني، إلّا أنّ تأثير هذه العُقوبات ـ على التبادلات الماليّة مثلًا ـ يُسبِّب نقصًا ذا تأثيرٍ حادّ على المستشفيات، ومراكز الأبحاث الطبيّة، وعلى الشعب الإيراني، حسبما يقول علي جورجي، عالِم أعصاب من جامعة مونستر في ألمانيا، ومدير مركز شِفا لبحث الأعصاب في طهران.

هذا.. وقد انخفض حجم الصادرات الدّوائيّة لإيران من الولايات المتحدة الأمريكية وحدها إلى النّصف في غضون العام الماضي، لينخفض حجم التعامل المالي من 31.1 مليون دولار في عام 2011 إلى 14.8 مليون دولار. وتُصرّح شركة الأدوية «نوفارتيس» من بازل في سويسرا بأنّ تدفق المُنتجات الطبيّة المُنقذة للحياة إلى إيران قد «تأثّرَ بشكل حادّ، إن لم يكن قد توقّف بالكامل».

أمّا الأدوية التي تأثّرت بشكل خاص، فهي أدوية ولقاحات مُستخدمة في علاج وحماية الأطفال، وكذلك مُضادات حيويّة وتّجهيزات خاصّة بالمُعدّات التّشخيصيّة، ما قد يُشكّل خطرًا على حياة الكثيرين، وفق ما قاله جورجي. وقد توصّلَت في الشهر الماضي ست قوى عالميّة ـ بالإضافة إلى إيران ـ إلى صفقة بارزة، تقوم وِفقها إيران بتجميد نشاط برنامجها النّووي، مقابل تخفيف بعض العقوبات، إلّا أنّ الشكوك تساور جورجي وخبراء آخرين بشأنّ أيّ تأثيرات فوريّة مُحتملة لهذا على تخفيف النّقص الحالي في الدّواء. ويرى جورجي أنّ هناك حاجة مُلحّة لوجود تقييم خارجيّ مُستقلّ للنقص في التجهيزات الطبيّة في إيران.

ويعمل جورجي من أجل نشر الوعي حيال هذه المُشكلة منذ بدايتها مطلع العام، وقد قام بتنظيم رسالة في شهر يونيو ـ وقّع عليها 70 عالِمًا وطبيبًا حول العالم ـ مُقدّمة للسكرتير العام للأمم المُتحدة، بان كي مون؛ طالبين منه التّطرّق للوضع. واعترف بان ـ في إجابته على الرسالة ـ بدور التأثير الضارّ لنقص الدّواء على الصحّة، ذاكرًا أنه «مِنَ الصعب ـ إن لم يكن من المُحال ـ على المُستوردين تسديد ثمن التجهيزات والمُعِدّات الطبيّة». وأضاف بأنّه كان يحاول «التأكّد من أنّ لأنظمة العُقوبات إجراءات واضحة وعادلة لمنح إعفاءات إنسانيّة».

إنّ إيران لديها صناعات محليّة قويّة لإنتاج الأدوية واللقاحات، إذ تُنتج 90% من الأدوية التي تستهلكها، إلّا أنّها في معظمها أدوية غير محدودة الملكية (جَنِيْسة) generic. لذا.. على الدولة استيراد أدوية حديثة وأكثر تطوّرًا كأدوية علاج السرطان. واستيراد مثل هذه الأدوية الاختصاصية هو الأكثر تضرُّرًا بسبب تأثير العقوبات، وفق ما يراه ريتشارد جارفيلد من جامعة كولومبيا في نيويورك، الذي يدرس التأثيرات النّاجمة عن النّزاعات والعقوبات الاقتصاديّة على الصحّة العامّة. ويرى كذلك أنّ الصناعات الإيرانية تعتمد ـ إلى حدِّ كبير ـ على استيراد المواد الخام، في ظل هذه العقوبات، ومن الصعب عليها توفير المكوّنات اللازمة لصناعة الأدوية الأكثر تعقيدًا التي نالت النصيب الأكبر من هذه التأثيرات.

ووفق قول جورجي، هناك نقص حاد لكثير من الأدوية، بما فيها المُضادات الحيويّة، و«الكلوفارابين» لعلاج الأطفال المصابين باللوكيميا، و«ديفيراسيروكس» لعلاج الثلاسيميا، وهو اضطراب في الدّم شائع لدى الإيرانيين. ويقول إنّه شَهِد وفاة عدد من الأطفال والبالغين بسبب هذا النّقص في الأدوية خلال زيارةٍ له إلى إيران في نوفمبر الماضي. وكذلك يرى جورجي أنّ نقص اللّقاحات الروتينية للأطفال ـ التي تحمي من البكتيريا العصوية Haemophilus Influenzae، والتي تُسبّب التهابًا رئويًّا حادًّا والتهاب السحايا لدى الأطفال ـ ضربة أخرى. كما تأثّرت قطع الغيار والمُستلزمات الطبية للأجهزة المتطوّرة تقنيًّا، كأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي.

ويُعتبر التعقيد القانوني للعقوبات ـ متاهة من الحظر على معاملات معيّنة، أو التّعامل مع أفراد أو منظمات معيّنة ـ مُشكلة رئيسة. يقول جارفيلد إنّ هناك غموضًا حول ما هو محظور وما هو مسموح، وهو ما حدا بكثير من الشركات الأمريكية والأوروبية وغيرها، التي قد سبق أن باعت تجهيزات طبيّة لإيران، بأن تُصبح مُترددة في الإقدام على مثل هذه التّعاملات. وقد لحق بعدد من الشركات، بما فيها مؤسسة ماليّة سويسرية، كريديت سويس وشركة وبنك ستاندارد تشارترد من لندن، غرامات تُقدّر بمئات ملايين الدولارات، بسبب وقوعها في شرك العقوبات الأمريكية ضد إيران؛ وهو ما زاد من الرَّدع في التّعامل مع إيران. ويضيف جارفيلد قائلًا إنّ هناك شركات عديدة مُضطربة، قد يُنظر إليها كشركات متعاونة تجاريًّا مع دولة منبوذة في نظر العالم.

«هناك شركات عديدة مُضطربة، قد يُنظر إليها كشركات متعاوِنة تجاريًّا مع دولة منبوذة في نظر العالَم»

ويقول سيّد هشامُ الدّين مَدَني، رئيس قسم المُشتريات في جمعية الهلال الأحمر الإيراني في طهران، إنه حتى إنْ وَجَدَتْ المستشفيات والمراكز الطبية البحثية مُزوِّدًا لهذه التجهيزات الطبية، عادةً ما تَحُولُ العقوبات القاسية على البنوك الإيرانية والأجنبية التي تتعامل مع إيران دون إيجاد وسيلة لتحويل الأموال؛ لتسديد ثمن هذه التجهيزات الطبية.

ولمزيدٍ من التّعقيد، فإنّ العقوبات التي تؤثّر على صادرات النّفط الإيرانية قد قطعت على الدّولة المصدر الرئيس للحصول على العملات الصّعبة، وفق ما يراه مدني، مما أدى إلى انخفاض قيمة الريال الإيراني إلى النّصف أمام الدولار في غضون الأربعة عشر شهرًا الماضية؛ مؤديّةً إلى ارتفاع حاد في أسعار الأدوية.

هذا.. وقد يتحسّن الوضع، إذ أصدر «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» OFAC التابع لوزارة الخزانة الأمريكية تعليمات جديدة في يوليو، كاستجابة لهواجِس المُورّدين والبنوك حيال الصعوبات في إصدار إعفاءات للتجهيزات الطبيّة. وتهدف هذه التّوجيهات إلى إعادة التأكيد على «السّماح بشكل واسع» بقيام أيٍّ من البنوك والشركات الأمريكية وغير الأمريكية بتزويد التّجهيزات الطبية، وتوريد الأدوية والأجهزة الطبيّة إذا كانت تمتنع عن التّعامل مع أيٍّ من المنظمات الإيرانية التي تقع عليها العقوبات.

كما توسِّع التّوجيهات قائمة التجهيزات الطبية التي بالإمكان تصديرها، دون طلب مصادقة من «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية». ويقول جارفيلد إنّ هذا التّحرُّك هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنّه يعتقد أنّه دون وضع مقاييس فاعِلة، ليس من المحتمل حدوث تأثيرات ملحوظة تحت وطأة المُثبطات التي تواجهها الشركات في التّعامل مع إيران.

وقد بثت الاتفاقية الانتقاليّة، التي عُقدت في شهر نوفمبر الماضي بين إيران ومجموعة دول تُعرف بمجموعةP5+1 ـ الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المُتحدة، فرنسا، روسيا والصين، بالإضافة إلى ألمانيا بضيافة الاتحاد الأوروبي ـ بعض الأمل. ووفقًا للاتفاقية، فسوف يتم تعطيل البرنامج النّووي الإيراني لمدة ستة أشهر، وبالتالي إيقاف أي تطوّر في إنتاج السلاح النّووي الإيراني، مقابل تخفيف العقوبات قليلًا.

كما تشمل الاتفاقية تزويدًا فاعِلًا لتأسيس قناة ماليّة لتسهيل التعاملات التجاريّة الإنسانية مع إيران. وقد تتطلّب هذه المسألة تحديد البنوك الإيرانية والأجنبية التي ستُمنح لها شرعيّة التّعامل لهذا الهدف، وبشكل أساسي.. توفير قناة ماليّة للمُورّدين والمستشفيات والمراكز الطبيّة الإيرانية؛ لإجراء التعاملات المالية. يُرحّب جارفيلد بفكرة هذه القناة، ويرى أنّه كان لا بد من إنشائها منذ وقت طويل، إلّا أنه يُحذِّر من أنّ إخراج مثل هذه القناة الماليّة إلى حيّز التّنفيذ مسألة أخرى.