تأبين

جورج هِربيج (1920-2013)

الفلكي الذي أسَّس دراسات النجوم الفَتِيّة.

بو رايبورث
  • Published online:

أرست بحوث جورج هِربيج ـ التي امتدت لأكثر من 70 عامًا ـ الأساس الذي يقوم عليه فهمنا الحالي لولادة النجوم، ولخواص النجوم الفَتِيّة. لقد اتَّصف هِربيج بمقدرة عظيمة على تحديد الأجسام الفلكية، وتحديد موضوعات البحث التي يمكن أن تصبح عناصر مفتاحيّة في دراسة تطور النجوم المبكرة.

KAREN TERAMURA/UNIV. HAWAII INST. FOR ASTRONOMY

كان هِربيج ـ الذي تُوفِّي في 12 أكتوبر الماضي ـ في بدء نشأته طفلًا وحيدًا، وُلِد في ظروف متواضعة في ويلينج بغرب فرجينيا. استقر والده الخياط هناك، بعد هجرته من ألمانيا. وبعد حين من وفاة الوالد المبكرة، ارتحل هِربيج إلى لوس أنجيليس، كاليفورنيا، حيث بَنَى تليسكوبه الأول وهو دون العشرين من عمره. وشجَّع مرصد ماونت ويلسون Mount Wilson Observatory المجاور ـ الذي احتضن ما كان حينئذ أكبر تليسكوب في العالم بمرآته ذات الـ2.5 متر ـ اهتمامه المتنامي بعلم الفلك.

ومن خلال انضمامه إلى جمعية لوس أنجيليس الفلكية وهو في سن المراهقة، التقى بكثيرٍ من فلكيِّي ذلك العصر العظام، وسنحت له الفرصة لحضور مشاهدات مرصد ماونت ويلسون. وقد تحدَّث فيما بعد عن الرهبة التي شعر بها حينما نظر (من خلال شق راسم الطيف في تليسكوب الـ2.5 متر) إلى النجم العملاق «ميرا» Mira، وهو بقعة حمراء ساطعة تبدو في حالة غليان نتيجة لمرور ضوئها عبر جو الأرض المضطرب. وفي العشرين من عمره، سن ريعان الشباب، نَشَرَ أولى نتائجه العلمية المقتضبة عن أقطار النجوم.

ومن خلال أرصاد امتدت من أواخر ثلاثينات حتى أوائل أربعينات القرن العشرين، اكتشف ألفرِد جوي ـ مُرشِد هِربيج ـ فئةً متميِّزة من النجوم المتغيِّرة التي سُمِّيَت باسم نموذج نجم أوَّلي، هو «تي تاوري» T Tauri. غالبا ما تقترن هذه الأجسام بغيوم بين نَجميّة سوداء، وقد اعتُقِد في البداية أنه يمكن عزو سطوعها المتغيِّر المميَّز إلى مرورها عبر الغاز والغبار في الوسط البين نجميّ.

أصبحت نجوم «تي تاوري» موضوع أطروحة دكتوراة هِربيج في عام 1948: «دراسة النجوم المتغيِّرة في السُّدُم» A Study of Variable Stars in Nebulosity. وعزَّز عمله بها الإجماع المتنامي على أن هذه النجوم فَتِيَّة جدًّا، وأنّ سطوعها ليس ناجمًا عن احتراق نووي، بل عن تحرير طاقة ناجم عن انقباضها بمفعول الجاذبية. ولاحقًا للدراسات المنهجية لنجوم تي تاوري التي دامت عقودًا، جمَّع هِربيج في عام 1962 كل ما كان معروفًا حينئذ عن تلك الفئة في مقالته الشهيرة «خصائص ومشكلات نجوم تي تاوري، والأجسام ذات الصلة بها» The Properties and Problems of T Tauri Stars and Related Objects التي غدت أساس الدراسات الحديثة لتلك النجوم الفَتِيَّة (G. H. Herbig Adv. Astr. Astrophys. 1, 47–103; 1962).

في جزء من استقصاء هِربيج لنجوم تي تاوري، دَرَسَ منطقة من الغيوم السوداء في كوكبة سديم الجبار، حيث لاحظ أجسامًا سَدِيميّة صغيرة ذات أطياف غريبة. تُعرف هذه الفئة اليوم بأجسام هِربيج-هارو، وذلك نسبةً إلى هِربيج، وإلى الفلكي جويلِّرمو هارو، اللذين اكتشفاها، كلٌّ على حدة. وعلى مدى عدة عقود من الدراسة، أثبت هِربيج وزملاؤه أن أجسام هِربيج-هارو تبتعد بسرعات فوق صوتية عن نجوم حديثة الولادة، وبذلك تكون أدلة على أحداث تكوُّن نجوم جديدة.

تتَّصف نجوم تي تاوري بأنها نجوم صغيرة الكتلة، تصبح في نهاية المطاف مشابهة للشمس، أو أصغر منها. وأدرك هِربيج أنه يجب أن يكون ثمة نظراء لهذه النجوم الفتية أيضًا، بكتل تساوي عدة أضعاف كتلة الشمس. وبعد دراسات مستفيضة، نَشَرَ في عام 1960 مقالة استدلاليّة مفصَّلة، تصف اكتشاف وخصائص نجوم ذات كتلة أكبر، تُعرف اليوم بنجوم هِربيج Ae، وBe. وقد بَيَّنت أرصادٌ بتليسكوبات موضوعة على الأرض وفي الفضاء أنّ أقراصًا من الحطام يمكن أن تحيط بهذه النجوم، وأن تلك الأقراص تؤوي في بعض الحالات كواكب وأجسامًا نيزكية حديثة النشوء. ونظرًا إلى أن نجوم هِربيج هي مواقع لأصول كوكبية، فقد غدت في السنوات الأخيرة موضوعًا لدراسات معمَّقة.

لقد كان هِربيج مفتونًا بالنجوم الغريبة، مُدْرِكًا أنه نظرًا إلى أن النجوم تعيش مدة أطول كثيرًا من عمر الإنسان، فإن مراحل التطوُّر المهمة ـ إذا كانت قصيرة بقدر كاف ـ لا يمكن أن تُرى إلا نادرًا جدًّا. ففي عام 1936، ازداد سطوع نجم متغيِّر خافت، هو إف يو أوريونيس FU Orionis، مئة ضعف خلال ستة أشهر، ولم يَخْبُ بريقه منذ ذلك الوقت تقريبًا. درس هِربيج ذلك النجم وحالات مشابهة، وأدرك أن هذه الأحداث تمثِّل حلقات مهمة من أطوار الحياة الأولى لبعض النجوم. وغير وَجِلٍ من اتخاذ موقف مناوئ للاعتقاد السائد، أعلن هِربيج أن أحداث إف يو أوريونيس تمثِّل نجومًا فَتِيّة تدور بسرعة بالقرب من نقطة التفكُّك. ويعتقد معظم الفلكيين أن هذه الأحداث هي نتيجة لتسخين القرص الذي يحيط بالنجم، جاعلًا إيّاه ذاتي السطوع، إلا أن ثمة إشارات الآن إلى أنّ نموذجًا هجينًا يضم كلًّا من تلك الجوانب قد يفسِّر ما يحدث بالفعل.

عند السن الذي يتقاعد فيه معظم الناس، باشر هِربيج مع طلابه سلسلة من الدراسات الرصديّة لحشود من النجوم الفَتِيّة جدًّا، وهي مجموعات من العديد من مئات أو ألوف النجوم المولودة معًا. وقد أيَّد هِربيج فكرة أن نشوء النجوم على شكل مجموعات يستمر على مدى عدة ملايين من السنين، مع تَكَوُّن أصغرها كتلةً أولًا، إلى أنْ تدمِّر ولادةُ نجومٍ كبيرة الكتلة شديدة النشاط فجأةً غيومَ الغاز والغبار التي تُولد منها تلك النجوم، مؤدِّيَةً إلى توقُّفٍ سريع لتكوُّن المزيد منها.

لقد كان جورج المتواضع الرقيق الوديع ذا هيبة مُطَمْئِنة. وقد كان رجلًا مستقلًّا بلا منصِب، يرصد السماء منفردًا عادة، ويقوم بمعالجة وتحليل البيانات وحده عمومًا. وفي أثناء ممارسته المديدة لمهنته، شهِد تحوُّلات كبرى في القياسات وتقنياتها، من الألواح الفوتوغرافية المتحكَّم فيها بالعين المجرَّدة، إلى «كاميرات مقرونة بالشحن الكهربي» CCD المثبَّتة على تليسكوبات تتحكَّم الحواسب فيها.

إننا نمزح أحيانًا، قائلين إننا أمضينا حياتنا هدرًا. فقد كان بإمكاننا الجلوس في مقهى، في الوقت الذي يجري فيه تطوير كل تلك الأـجهزة والبرامج الجديدة الرائعة، وبعد ذلك.. ننجز في بضع سنوات ما استغرقنا في عمله عمرًا بكامله. إننا بالطبع عندما ننظر إلى الوراء نتصوَّر أنّه كان هناك طريق مختصَر، كان من الممكن أنْ نسلكه عبر المسار الشاق المؤدِّي إلى المعرفة والاكتشاف.