تعليقات

التقنية: تبـادُل البيـانات بيـن علمـاء المـواد

بعد عامين من إطلاق المبادرة الأمريكية لجينوم المواد، يوضّح خمسة خبراء أنّ علماء المواد ما زالوا في حاجة إلى العمل بشكل أكثر ابتكارًا.

  • Published online:

AMANDA BARNARD


سالي تينكل: التعلم من المبادرات الأخرى

محلِّلة سياسات في معهد سياسات العلوم والتكنولوجيا في واشنطن دي سي

تهدف المبادرة الأمريكية لجينوم المواد ـ التي أطلقها الرئيس باراك أوباما في يونيو 2011 ـ إلى تقليص وقت وتكلفة تطوير المواد المتقدمة؛ لاستخدامها في تطبيقات معينة، كالطاقة، والنقل، والأمن. فعلى مدار عامين، استُثمِرت ملايين الدولارات في مشروعات مختلفة، نفّذتها مؤسسات أكاديمية وشركات صناعية وهيئات فيدرالية.

يعتمد نجاح مبادرة جينوم المواد بصورة كبيرة على مشاركة وتبادل البيانات، وتطوير الأدوات الحاسوبية. وتمتاز المواد المتقدمة بخصائص فيزيائية وكيميائية معقّدة، يمكن استغلالها في تطبيقات مختلفة. ويمكن أن تتغير هذه الخصائص خلال الدمج والتصنيع والاستخدام. وتَتَبُّع هذه الخصائص وحَصْرها مهمة ضخمة، لذا.. تشتمل مبادرة جينوم المواد على جهود لتوحيد المصطلحات وصِيَغ أرشفة البيانات، ومعايير وضع التقارير.

لحسن الحظ، يمكن تعلُّم الكثير من صور التعاون القائمة في مجال تقنية النانو. فالمبادرة الوطنية لتقنية النانو (NNI)، التي تم إطلاقها منذ عشر سنوات للمواد التي تقع في نطاق 1-100 نانومتر، تُعتَبَر شريكًا في مبادرة جينوم المواد التي تشمل كل المواد التي تتراوح من النانومتر إلى المايكرومتر.

من الممكن أن تنضم مبادرة جينوم المواد إلى مبادرة البِنْيَة التحتيّة لمعارف تقنية النانو التي أطلقتها المبادرة الوطنية لتقنية النانو في مايو 2012؛ لوضع إطار موحّد للبيانات والمعلومات الرقمية، وتعزيز صور التعاون بين العلماء وخبراء المحاكاة. وقد حدَّدت هذه المبادرة بالفعل مجموعة من مستويات توفُّر البيانات، التي تمت صياغتها وفقًا لمستويات توفُّر التكنولوجيا الموضوعة من قِبَل وكالة «ناسا»، لتكون أساسًا لتقييم جودة ونضج بيانات المواد.

«بإمكان مبادرة جينوم المواد أن تصبح محورًا لتبادل المعلومات».

يمكن أن تنضم مبادرة جينوم المواد كذلك إلى المشارَكة الحالية بين المبادرة الوطنية لتقنية النانو، والمفوضية الأوروبية لدعم حوار الأطلسي حول أساليب وفنيّات تبادل البيانات، ويشمل ذلك: النظم المعلوماتية، والأدبيّات القائمة على توافُق الآراء، وتمثيل البيانات وأرشفتها.

من الممكن أن يسهم تبادل البيانات ـ كنشاط قائم بحُكْم طبيعته على التعاون الاختياري ـ في تعزيز تقدم وتطور علوم المواد بسرعة أكبر. وبإمكان مبادرة جينوم المواد إثراء الجهود الحالية؛ لتصبح محورًا لتبادل المعلومات حول المواد باختلاف أحجامها.



ديفيد ل. ماكدويل: تحفيز المشاركة

المدير التنفيذي لمعهد المواد بمعهد جورجيا للتكنولوجيا في أطلنطا

يجب ألا تَرْكَن مبادرة جينوم المواد إلى إقبال العلماء الذاتي عليها بعد إنشائها. فالحوافز مطلوبة للعلماء والمهندسين؛ لتشجيعهم على التعاون، وتبادل بياناتهم ومهاراتهم، إذ لا بد أن تكون هناك مزايا تلائِم الجميع.

يجب أن تحفز بيئة تبادل البيانات على التعاون، بقدر ما تيّسره، إذ تتفاوت مصالح واهتمامات الأطراف المعنية التي تتجاوز مجرد استرجاع البيانات الحالية، فهم يرغبون في اكتشاف المواد، والتنبؤ بالمنتجات التي سيتم تطويرها. ويمكن تشجيع أطراف عدة على الإسهام بالبيانات، من خلال موقع قوي وسهل الاستخدام على الإنترنت، مدعوم ببِنْيَة تحتية معلوماتية غير مركزية، ذات نمو ذاتي.

من الممكن أن تنجح استراتيجيات مواقع الشبكات الاجتماعية في ربط الباحثين والعلماء ذوي الخبرات المتنوعة ببعضهم البعض؛ من أجل تحقيق الأهداف والمصالح المشتركة، إذ ينبغي تشجيع الأساليب والوسائل التي تفيد كل الأطراف، فرفع مجموعات البيانات التجريبية مقابل استخدام أدوات المحاكاة مثلًا سيشجِّع على المزيد من المحاكاة. وينبغي أن تكون هناك اتفاقيات واضحة، تنظم الملكية الفكرية وأخلاقيات استخدام البيانات.

يمثِّل توسيع نطاق استخدام المعلومات نقطة جذب رئيسة للمستثمرين في البِنْيَة التحتية لمبادرة جينوم المعلومات. وعلى سبيل المثال.. تنبغي أرشفة مجموعة البيانات الثمينة التي تم الحصول عليها من المختبرات الوطنية للمعجِّلات وحيود النيوترونات، واستغلال هذه البيانات إلى أقصى حد ممكن في البحث والاقتباس، وكذلك بيانات محاكاة الحواسيب العملاقة.

يفضَّل وضع قواعد للاستخدام المفتوح، على غرار مركز «نانوهَب» nanoHUB لأدوات المحاكاة النانومترية، الذي تموله المؤسسة الوطنية للعلوم، بالإضافة إلى شفرة نظام «لامـپس» LAMMPS لديناميات الجزيئات، وبرنامج «دريم 3-D» لمزج البِنَى الدقيقة ثلاثية الأبعاد.



أماندا بارنارد: تقبُّل الشك

رئيسة مختبر علوم النانو الافتراضي، منظمة الكُومِنْوِلث للأبحاث العلمية والصناعية في باركفيل بأستراليا

تتيح مبادرة جينوم المواد أنماطًا وصورًا للتعاون، تثير بعض التحديات التقنية والشخصية، منها ضرورة تقبُّل علماء المواد لمشاعر الشك، إذ يجب أن يتخلُّوا عن رغبتهم في التحكم والسيطرة، ويثقوا في زملائهم، ويقاوموا الرغبة في إعادة كل شيء «فقط بدافع التيقن والتأكد».

إنّ حَشْد الموارد أمر مطلوب لاستنباط معرفة جديدة من البيانات الحالية. فبعض الاكتشافات والإنجازات لا يمكن الوصول إليها بأي طريق آخر. فقد تكشِف وسيلةٌ ما الأحجامَ الدقيقة، أو تتوصل إلى دقة لا يمكن الوصول إليها باستخدام وسائل أخرى. فالمجهر الإلكتروني مثلًا يمكنه دراسة خصائص أسطح المواد على المستوى الذري، ولكنْ لا يمكن معرفة نسبة انعكاس الضوء من الأسطح، إلّا باستخدام المجهر البصري.

من الصعب مَزْج نتائج المصادر المختلفة. فقد تنشأ الأخطاء من الفوارق في الأساليب التجريبية أو الحوسبيّة. ويعلَم كثيرون من خبراء التجارب مدى الإحباط الذي يسبِّبه تكرار النتائج التي تتغيّر حسب ظروف المختبر. وحتى طرق الحوسبة القائمة على النظرية يمكنها أن تصل إلى نتائج مختلفة.

مَزْج البيانات من مصادر مختلفة يؤدي كذلك إلى شكوك أكبر من مجرد جمع بسيط لأخطاء القياس، أو الأخطاء الإحصائية الناتجة عن مجموعة بيانات خالصة. وللاستفادة من مشاركة البيانات؛ يجب تعلُّم قبول هذا الشك، والتعايش معه.

النوع الآخر من الشك الذي يجب أن يتقبله العلماء في مبادرة جينوم المواد هو المتعلِّق بالعنصر البشري، أي آراء الأشخاص الذين أنشأوا البيانات الأصلية وكفاءتهم. لقد تم تدريب العلماء على التشكك، بقدر ما تدرَّبوا على الموضوعية. ولِنَقْل أبحاث المواد خطوة سريعة إلى الأمام، نحتاج إلى افتراض أن كل مشارِك متمكِّنٌ بشكل كبير، ولْنَدَعْ جودة البيانات تتحدث عن نفسها.

إنّ قيمة مبادرة جينوم المواد لن تظهر، إلا إذا أخذنا منها بالسهولة والثقة اللتين نعطيها بهما.



فرانسوا جيجي: تكرار تجارب المحاكاة

أستاذ علوم الحاسب بجامعة كاليفورنيا في ديفيز


أول ثمار يمكن أن نجنيها من مبادرة جينوم المواد قد تأتي من المشاركة في تجارب محاكاة بِنَى المواد. فالمحاكاة الرقمية ليست مضمونة أو قابلة للتكرار مثلما توحي لنا أُسُسها النظرية والحوسبية، فهي غالبًا ما تعطي نتائج متغايرة، بسبب تعقيد التقديرات التقريبية، وعدد المعايير المستخدمة.

لذا.. فالتغلب على هذه الصعوبات أمر أساسي لتصميم مواد جديدة. على سبيل المثال.. المزيد من التوقعات القوية الناتجة عن محاكاة تشكُّل العيوب في شبكة المادة، سيحسِّن قدرتنا على تعزيز صلابة المادة، أو خصائصها الإلكترونية.

لن تكون البيانات ذات مصداقية، إلا إذا أمكن التحقق منها وتكرارها من قِبَل مجموعات بحثية مختلفة ومستقلة، وحبذا لو كان ذلك باستخدام أدوات مغايِرَة. إنّ مشاركة البيانات المجانية ستجعل هذا الحلم ممكنًا.

«صيغ البيانات الموحدة وقواعد البيانات المركزية ليست ضرورية دائمًا».

عند نشر بيانات المحاكاة، يجب أن يضع الباحثون نقطتين نصب أعينهم. أولًا، ينبغي أن تكون برامج المحاكاة متاحة للجميع، وليست نتائجها فقط. فمطوِّرو البرمجيات ينبغي ألّا يعوِّقوا نشر النتائج الأولية، أو بيانات الأداء ـ كما يفعل بعضهم حاليًا ـ خوفًا من أن تُظهِر المقارنات منتجاتهم بصورة سلبية. وعلى المجتمع العلمي أن يحارب هذا الاتجاه. وثانيًا، صيغ البيانات الموحدة وقواعد البيانات المركزية ليست ضرورية دائمًا، فمن الممكن أن يطبِّق علماء المواد الأُطُر الحالية لمشاركة البيانات. فعدد كبير من البرامج المتاحة مثلًا يدعم بالفعل معايير تحالف شبكة الويب العالمية لنشر وتبادل المعلومات على الإنترنت، مثل لغة XML.

بقَدْر متواضع من الاستثمار، يستطيع الباحثون نشر بياناتهم على خوادمهم الشخصية، بحيث يمكن لآخرين الوصول إليها بسهولة. وإذا شجَّعنا تطوير أدوات الويب الخاصة بمجال معين؛ سننجح في إزالة العقبات أمام التحقق والاعتماد المتبادل لصحة البيانات.



بيتر ب. لِيتِلْوُود: استكشاف التنوع غير المحدود

مدير معاوِن لمختبر العلوم الفيزيائية والهندسة بمختبر أرجون الوطني في إلينوي


أسهمت أدوات تقنية النانو ـ من المعجِّلات، حتى المجهر الإلكتروني ـ في ثورة المعلومات. والآن، وعَبْر مبادرة جينوم المواد، نحن بحاجة إلى ابتكار تصنيع الجزيئات، من خلال توسيع رؤيتنا؛ لكي تشمل التنوع غير النهائي في المواد. بيد أن هناك عقبات جوهرية.. فرغم الاسم الطَّموح للمبادرة، فالذرّات ليست كالجينات، لأن الجينوم الحيوي عبارة عن شفرة ملحقة بآلية للتنفيذ مباشرةً. أما في علوم المواد، فإن ميكانيكا الكمّ قد تُحبِط محاولات تفعيل الرموز إلى وظائفها.

يعكس هذا المأزق النظري تنوُّع المواد، فالاختلافات الطفيفة في التكوين قد تؤدي إلى وظائف جديدة تمامًا. فصناعة أشباه الموصِّلات تعتمد على مزج السليكون بنسب ضئيلة من الذرات الأخرى.

إنّ الكيمياء يمكن أن تكون شديدة المنهجية. ومنذ صياغة دِمتري مندِليف للجدول الدوري للعناصر؛ كشفنا عن أنماط من وظائف وبِنَى المواد، التي يتم فرزها حاليًا بمساعدة الحواسيب القوية والتجارب عالية الإنتاج. إننا لا نبني جينومًا واحدًا، وإنما نبني عددًا كبيرًا من الأدوات، حسب أنواع المواد وخصائصها ووظائفها. وسوف تعمل مبادرة جينوم المواد على توسيع ذلك النطاق.

النهج المتشدِّد في صناعة الإلكترونيات الحديثة لا يمكن توسيعه لصناعة مواد ذات هياكل خفيفة الوزن، أو بطاريات، أو خلايا شمسية. ولذلك، يجب قياس الإنتاج بالميجا طن، والكيلومتر المربع. وعلى مبادرة جينوم المواد أن تساعدنا في الدَّمْج، وليس التصميم فقط. إنّ هدفنا هو هندسة المادة القابلة للبرمجة، التي تبني نفسها بنفسها.