تحقيق إخباري

أخلاقيات البحث: ثلاث‭ ‬طرق للإبلاغ عن‭ ‬الاحتيال العـلمي

من‭ ‬النادر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإبلاغ عن‭ ‬اشتباه‭ ‬بوقوع‭ ‬احتيال‭ ‬علمي‭ ‬سهلًا،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬المسارات‭ ‬أكثر‭ ‬فعالية‭ ‬من‭ ‬غيرها‭.

  • إيد‭ ‬يونج‭
  • هايدي‭ ‬لدفورد‭
  • ريتشارد‭ ‬فان‭ ‬نوردن‭
  • Published online:

Illustration: PADDY MILLS


هل مَنْ يرتكبون الأخطاء كثيرون؟ وهل كذلك مَنْ يصرِّحون بما يعلمون؟ لقد ازدادت حالات سحب الأوراق البحثية من الدوريات عشرة أضعاف خلال العقد الماضي، مع انهيار دراسات عديدة في حالات بارزة لسوء السلوك البحثي، تتراوح بين الانتحال إلى التلاعب بالصور وتلفيق البيانات بشكل صريح. وعندما تصل المخاوف حول عدم سلامة العمل العلمي لشخص إلى نقطة حرجة، يقع على عاتق زميل أو مشرف أو شريك أصغر أو شخص عابر؛ ليقرر ما إذا كان خياره أن يصمت أو يُصَعِّد؛ فيطلق صافرة للإبلاغ عن الخطأ. يأتي الخيار الأخير مع مخاطر كبيرة، ونادرًا ما كان هذا المسار بسيطًا. البعض يقدم حجته ويمضي في سبيله؛ والبعض الآخر لا يتخلى أبدًا. وفيما يبدو توجهًا متناميًا، يطرح راصدون مجهولون مخاوفهم للنقاش من خلال البريد الإلكتروني والمنتديات الإلكترونية العامة. وهنا، تقدم دورية «نيتشر» ثلاث قصص مختلفة بشكل لافت لأفراد تصرّفوا بناء على شكوكهم. توفر كل حالة ـ نجحت أو لم تنجح ـ دروسًا للراغبين في الإبلاغ عن انتهاكات.



المحــلِّـل

Illustration: PADDY MILLS

يرى أوري سايمونسون نفسه مهتمًا بالبيانات أكثر من أن يكون نافخًا في صافرة الإبلاغ عن الفساد.. فعمله اليومي ـ كعالِم اجتماع بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا ـ يتضمن عمليات بحث في بيانات الأرشيف ـ من أسعار المنازل إلى سجلات المزادات والقبول بالكليات ـ كجزء من دراسته لصنع القرار والحكم على الأمور. يظن سايمونسون أن خلفيته هيأته لاصطياد الأنماط الزائفة في نتائج علماء النفس الآخرين. يقول: «مع إجراء التجربة، تُجري اختبار t-test ـ للفرضية الإحصائية ـ وتمضي قدمًا، لكن الذين يتعاملون مع بيانات الأرشيف اعتادوا النظر في البيانات بحذر شديد».

كان حدس البيانات هذا هو الذي قلقل الأمور عندما وقع سايمونسون على أوراق بحثية نشرها ديرك سميسترز بجامعة إيراسموس بروتردام، هولندا؛ ولورنس سانا بجامعة متشيجَن في آن آربر، صيف 2011. في كلتا الحالتين، بدت البيانات أروع من أن تكون حقيقية، فقد احتوت وفرة مفرطة من التأثيرات الكبيرة والنتائج الدالّة إحصائيًّا. في إحدى أوراق سانا، لاحظ سايمونسون أن تجربة واحدة ـ تم تقسيم المشاركين فيها إلى مجموعات مختلفة ـ أسفرت عن نتائج لها انحرافات معيارية متماثلة بشكل مدهش. وفي نتائج دراسات سميسترز، رأى سايمونسون تكرارًا منخفضًا مريبًا للأرقام المُقرَّبة وتماثلًا استثنائيًّا بين متوسطات كثيرة. يقول سايمونسون: «إذا كان هناك قلق قليل جدًّا في البيانات، وكانت هناك ثقة زائدة في البيانات بشكل دائم، فلا يمكن أن تكون حقيقية. فالبيانات الحقيقية يُفترض أن تكون بها أخطاء».

تَحَقق سايمونسون من شكوكه بمحاكاة التجارب آلاف المرات؛ لإظهار كيف أن النتائج المذكورة مستبعَدة في الحقيقة. ثم كرر تحليلاته لبيانات أبحاث أخرى للمؤلفين؛ فوجد الأنماط نفسها، وأجرى عمليات ضبط ومقارنة سلبية، فأظهر أنه لا أنماط مريبة في أعمال علماء النفس الآخرين الذين استخدموا المنظومات ذاتها. اتصل سايمونسون بكلا المؤلفين، وقضى عدة أشهر في استبعاد التفسيرات البديلة ـ بشكل ممنهج ـ للتناقضات التي وجدها. وفي نهاية المطاف، وحسب قول سايمونسون، بقي تفسير واحد فقط، هو أنهما تلاعبا ببياناتهما، لكنه لا يزال ممتنعًا عن اتهام أحد، ومحافظًا على صِلاته بكل من سميسترز، وسانا، والمؤلفين المشاركين معهما، طالبًا منهم البيانات الخام (الأوّلية)، محددًا مخاوفه، وسائلًا عما إذا كان طرف آخر ـ كطالب أو مساعد باحث ـ ربما تلاعب بالبيانات. يقول سايمونسون: «كنت منفتحًا للغاية. وفرضيتي في العمل أنه ليس في مصلحتك التلفيق، إذا كنت باحثًا».

«إذا كانت هناك ثقة زائدة في البيـانـات بشكل دائم، فلا يمكن أن تكـون حقيقية».

قرب نهاية 2011، علم سايمونسون أن جامعة إيراسموس ـ التي كان قد اتصل بها ـ بدأت تحقيقًا. ووجد أيضًا أنه بسبب تحقيقاته، بدأت جامعة نورث كارولاينا ـ حيث أجرى سانا عمله البحثي ـ تُحقق أيضًا. وبحلول صيف 2012، استقال سميسترز وسانا كلاهما من منصبيهما، ومنذ ذلك الحين سُحِب الكثير من أوراقهما البحثية. وفي تصريحات سابقة، قال سميسترز إنه لم يلفق بيانات أبدًا، وإن الممارسات البحثية التي استخدمها شائعة في مجاله؛ واختار ألا يقدم أي تعليق إضافي لدى تلقيه اتصالًا من دوريّة «نيتشر». لم يرد سانا ولا جامعته السابقة علانية على أي أسئلة حول استقالته، ولم يتسن الوصول إلى سانا لأخذ تعليقه. وعند سؤاله عن انكسار مجرى حياة باحثين بسبب تحقيقاته، صمت سايمونسون برهة، وقال: «لا أشعر بسوءٍ حيال ذلك. فإذا كنت أذهب كهؤلاء الناس إلى المؤتمرات نفسها، وأنشر في الدوريات نفسها؛ فليس لي أن أكتفي بالنظر إلى الاتجاه الآخر». يقول جو سيمونز ـ عالم النفس بجامعة بنسلفانيا ـ إنه معجب بنزاهة زميله وشعوره بالواجب، ويعقب بقوله: «لم يكن ممكنًا ألا يفعل شيئًا».

يأمل سايمونسون أن تدفع أعماله علماء النفس إلى تشجيع إصلاحات من شأنها استئصال الاحتيال البحثي. وأحد الخيارات أن يطلب من الباحثين تقديم البيانات الأوّلية، وبالتالي جعْلها مفتوحة لفحص وتحقُّق ‘شرطة’ البيانات اليقِظَة. كما يريد من الباحثين الإفصاح عن تفاصيل عملهم أكثر عند بداية التجربة، كالمتغيرات قيد التحليل أو أحجام العينات المخطط لها. هذا سيثبط الأشكال الأكثر خفاءً للتلاعب بالبيانات ـ كاستكمال التجربة حتى تحقق فقط نتائج دالة إحصائيًا ـ التي في رأيه تغرق الأدبيات المنشورة بإيجابيات كاذبة (انظر: Nature 485, 298–300; 2012).

وإطلاق سايمونسون صافرة كشف الاحتيال اجتذب قدرًا من الاهتمام. فقد تلقى أكثر من عشرة عروض للنظر في حالات اشتباه ببيانات مراوغة، عادة من أشخاص خارج مجال العلوم لديهم مخاوف شخصية حول الانتخابات الأمريكية، مثلًا، لكنه نادرًا ما يستجيب.. فلا مصلحة لديه في الانجرار إلى نزاعات وعداوات غير ضرورية بناء على أي اقتراح بأنه قاد مطاردة للساحرات، وهو تعبير يرتبط لديه بالاستخدام العشوائي للاختبارات التشخيصية الرديئة، وليس مراجعته الحذرة.

يقول سيمونز: «يظن بعض الناس أنه يفعلها للشهرة، لكنه يجد الشهرة مزعجة». من جانبه، يقول سايمونسون إنه يرجو لهويته المستجدة كنافخ صافرة كشف الاحتيال أن تأخذ شكلًا مختلفًا، باعتباره «شخصًا ينظر بعناية في البيانات. وسأكون سعيدًا جدًا بتلك السمعة».


الدُّونْكِيشُوتِيّة

Illustration: PADDY MILLS

ظنت هيلين هيل أنها على وشك التقاعد في 1999، عندما قررت يومًا أن تلقي نظرة خاطفة على أطباق استنبات لزملاء في المختبر. كانت هيل عالمة ببيولوجية الإشعاع بجامعة نيوجيرسي للطب وطب الأسنان في نيوارك، وتتعاون مع زميل أصغر في مشروع لدراسة «تأثير العابرين»، وهي ظاهرة تؤثر فيها الخلايا المعرضة لعامل ـ كالإشعاع في هذه الحالة ـ في سلوك جيران غير معرضين للعامل نفسه. درّبت هيل الباحث أنوبام بيشاييه في مرحلة ما بعد الدكتوراة على تقنية العمل، وتريد أن ترى كيف أبلى. تقول هيل إن الأطباق كانت فارغة، لكن بيشاييه قدم لها لاحقًا أعداد خلايا من تلك الأطباق.

ستقضي هيل الـ14 سنة التالية في محاولة لكشف ما تراه حالة إساءة تصرف علمي. قامت لجان الجامعة و«المكتب الحكومي الأمريكي لنزاهة الأبحاث» ORI واثنان من المحاكم بتقييم ورفض مخاوفها. كلفتها رحلتها عشرات الآلاف من الدولارات كرسوم قانونية، وساعات لا حصر لها في قراءة وفحص أكثر من 30 ألف وثيقة، وربما تكلفها وظيفتها، لكن هيل (84 سنة الآن) لا نية عندها للتراجع، وتقول: «الواجب على المرء أن يفعل الشيء الصواب، إذا استطاع».

بعد أول رصد، قررت هيل وباحث آخر بمرحلة بعد الدكتوراة أن يتعقبا سرًّا تجارب بيشاييه، والتقاط صور فوتوجرافية لمستنبتاته في جهاز التحضين بالمختبر. وعندما قدم بيشاييه بيانات من تجربةٍ يعتقد أنها ملوثة بالعفن، اتهمته هيل وزميلها بتلفيق النتائج؛ وأبلغا مخاوفهما إلى لجنة نزاهة الأبحاث بالجامعة. وسرعان ما انتقض غزل حجتهما.. وعند الاستجواب، أقر زميلها بأنه نقل أنابيب مستنبتات بيشاييه قبل التقاط صور لها، وهو ما رأته اللجنة عبثًا محتملًا بالأدلة. وشرحت هيل أنها استخدمت مجهرًا غير مألوف لها عندما فحصت مستنبتات بيشاييه. قررت اللجنة أنّ ليس لدى هيل دليل كاف لإثبات دعواها.

«الواجب على المرء أن يفعل الـشــيء الصواب إذا استطاع»

لم تكن هيل لتدع الأمر يستكين. بدوره، نشر بيشاييه نتائجه في ورقة تُدرج اسم هيل كمؤلف مشارك (A. Bishayee et al. Radiat. Res. 155, 335–344; 2001). واستخدم أستاذه المشرف، روجر هاول، بيانات بيشاييه لدعم طلبه لمنحة بحثية من معاهد الصحة الأمريكية القومية (NIH) في 1999. رفعت هيل الأمر إلى المحققين الفيدراليين بمكتب نزاهة الأبحاث، الذين أجروا تحليلًا إحصائيًّا صغيرًا لبيانات بيشاييه. ترى هيل أن الأنماط الواردة في البيانات بها تلفيق. ووجدت محققة مكتب نزاهة الأبحاث، كاي فيلدز، للدعوى وجاهة، لكن أحد رؤساء فيلدز نقض موقفها، لأنه رأى أن بيانات الضبط والمقارنة (التي قدمتها هيل) كانت موضع شك إحصائيًّا. وخلص مكتب نزاهة الأبحاث إلى عدم كفاية الأدلة لإثبات سوء السلوك.

واصلت هيل تقديم العرائض إلى جامعتها ومكتب نزاهة الأبحاث لمراجعة البيانات. وفي هذه الأثناء، شعرت فيلدز أنها ملزمة بإبلاغ هيل عن خيار آخر: رفْع دعوى قضائية بعنوان «qui tam»، يتيحها قانون المطالبات الزائفة الفيدرالي لأي مواطن؛ لمساعدة الحكومة في استعادة أموال دافعي الضرائب المخصصة، بناء على مزاعم زائفة. كانت دعوى هيل مؤهلة للقبول بالمحاكم، بسبب منحة معاهد الصحة الأمريكية القومية.

يقول ديفيد لويس، مدير مشروع سوء السلوك البحثي بـ«المركز القومي للإبلاغ عن المخالفات» غير الربحي، بواشنطن العاصمة، إن دعوى qui tam قد تكون استراتيجية محفوفة بالمخاطر. فقد رفع في الماضي دعويين مماثلتين، لا علاقة لهما بدعوى هيل (انظر: Nature 453, 262–263; 2008). ورغم نجاحهما.. لا يوصي لويس عمومًا بها كاستراتيجية. وقد امتدت دعوى هيل لسنوات، وكلفتها 200 ألف دولار كمصروفات قانونية. تقول هيل: «لا أظن أن أبنائي سعداء جدًّا بخسارتي هذا القدر من المال، لكنني شعرت فقط أن علي التزامًا بالمُضِيّ في الأمر».

حكم قاضي محكمة نيوجيرسي، دنيس كڤانو، لصالح بيشاييه وهاول في أكتوبر 2010، وأشار إلى معركة هيل باعتبارها «سعيًا ‹دونكيشوتي› الأبعاد، ينبغي في النهاية أن يتوقف». خسرت هيل استئنافها النهائي في أكتوبر 2011، لكنها تقول إن استثمارها آتى أكُله.. فمرحلة الاستكشاف في التقاضي أتاحت لها الوصول إلى دفاتر مختبر تخص هاول، وتغطي عشر سنوات.

ومع وجود تلك البيانات في متناول اليد، كونت هيل فريقًا مع الإحصائي جول بت من جامعة جورجيان كورت ببلدة ليكوود، نيوجيرسي. عكفا معًا على دراسة البيانات التي سجلها بيشاييه بيده من جهاز عد الخلايا. كذلك جمع الثنائي مجموعات بيانات الضبط والمقارنة من آخرين استخدموا الجهاز نفسه. نظر بت في تكرار الأرقام التي تظهر في الخانة الأقل دلالة بكل عدد خلايا تم تسجيله. هذه الأرقام ينبغي أن تخضع إحصائيًّا لتوزيع عشوائي، لكن بيانات بيشاييه تبدو أنها تفضل أرقامًا معينة. حسَبَ بت احتمالات تكرار تلك الأرقام بمحض المصادفة بأقل من 1 في 100 مليار. ومن وجهة نظر هيل، المغزى الضمني واضح: بيشاييه لفّق الأرقام.

وجنبًا إلى جنب بت، تحاول هيل ـ بدون نجاح حتى الآن ـ نشر هذه التحليلات الإحصائية، والتعريف بدعواها أكثر، وهي أعمال حذّر روبرت جونسن ـ عميد كليتها (هي حاليًا جزء من جامعة رتجرز) في رسالة شديدة اللهجة في يوليو الماضي ـ أنها قد تؤدي إلى «إجراء تأديبي إضافي، يشمل الفصل، وقد يصل إليه فعلًا». وفي تصريح مكتوب لدورية «نيتشر»، أعرب هاول عن إحباطه من الوقت المنصرف في معاودة وتكرار النظر في المسألة، رغم عدم العثور على مخالفات. وبدوره، لم يرد بيشاييه على طلب دورية «نيتشر» تعليقًا منه. تقول فيلدز: «أنا معجبة بالدكتور هيل لشجاعة اقتناعاتها، لكن يصعب القول إنها كانت حكيمة في متابعة القضية لفترة طويلة، وبهذه التكلفة». ومن جانبها، تظل هيل ثابتة العزم. وتقول: «أريد أن أنتهي.. فقد أصبح الأمر هاجسًا تقريبًا».



المـجهــول

Illustration: PADDY MILLS

المبلغون المجهولون ليسوا شيئًا جديدًا، لكن منذ عام 2010، هناك شخصية تستخدم الاسم المستعار ‘كلير فرانسيس’ تجاوزت كثيرًا ما كان سابقًا، فهي، أو هو (أو هُم؛ حيث يعتقد كثيرون أنها مجموعة من الناس) أرسلوا بمئات الرسائل الإلكترونية لمحرري دوريات علوم الحياة، مرشدين عن حالات اشتباه بحدوث انتحال، أو حالات تبدو فيها الأرقام ملفقة أو مكررة. نتج عن شكاواها المقتضبة والمبهمة أحيانًا بضع حالات تصحيح، أو سحب أوراق منشورة بدوريات، لكن المحررين شعروا أنها تُمطرهم بوابل من إشعاراتها الغزيرة، وكثير منها لا يؤدي إلى شيء، كما يقولون.

على أي حال، أذكت فرانسيس نقاشًا حول كيفية تعامل المحررين مع البلاغات مجهولة المصدر، وهي بلاغات مرشحة للنمو بفضل انتشار مواقع الإنترنت التي تتيح لأي شخص أن يبث مظالمه حول أوراق البحث على الملأ.

تسمِّي سابين كلاينرت ـ المحررة التنفيذية بدوريّة «ذا لانسيت» The Lancet، والنائبة السابقة لرئيس «لجنة أخلاقيات النشر» COPE ببريطانيا ـ صعود وتيرة التعليقات مجهولة المصدر مؤخرًا «ظاهرة كلير فرانسيس». و‘ظاهرة’ هى وصف ملائم. وتقدِّر فرانسيس أنها بعثت رسائل إلكترونية لـ«حوالي 100 محرر». قال أولئك الناشرون ـ الذين وافقوا على التحدث إلى دورية «نيتشر» ـ إن محرريهم يتلقون عمومًا رسائل متعددة منها. تقول دايان سولنبرجر، المحررة التنفيذية لدورية «وقائع أكاديمية العلوم الوطنية» PNAS، إن حوالي %80 من ادعاءات سوء السلوك التي يتلقونها تأتي من فرانسيس. وتقول شركة النشر العلمي «وايلي» إنه في 2011 كان اسم فرانسيس موجودًا بأكثر من نصف طلبات التحقيق لدى الشركة. وعمومًا، فتجهيل المصدر أو إغفال التوقيع يزعج الناس، حسب قول أورليش براندت، رئيس تحرير دورية Biochimica et Biophysica Acta . يقول براندت: «ينبغي أن يتساءل المرء عن دوافع الوشاة.. فالمزاعم ضعيفة الأساس حول سوء السلوك العلمي يمكن أن تُلحِق ضررًا، وقد تشكل بذاتها شكلًا من سوء السلوك العلمي». وبحلول عام 2011، كان المحررون يزدادون إحباطا من فرانسيس، لأن ـ وبصرف النظر عن تجهيل هويتها ـ غالبية ادعاءاتها لا تصمد للمراجعة. يقول إريك مورفي، رئيس تحرير دورية «ليبيدز» Lipids: «لا مشكلة لديَّ في صرف الوقت للنظر في ادعاء ما، لكن لا أحب الذين يهدرون وقتي». وتقول سولنبرجر إن كثيرًا من شكاوى فرانسيس ملتوية وتصعب متابعتها، وتضيف : «تساعدنا معرفة تفاصيل محددة حول المخاوف من الناحية العلمية، وليس مجرد عبارات مثل: ‘إن النطاقات في الممرات التي بين 10–60 دقيقة، هندسية ومتراكبة’ أو ‘الخلفية ملساء فضية’»، في إشارة إلى رسائل فرانسيس الإلكترونية. وبعض محرري الدوريات حذروا فرانسيس أنهم أقل ميلًا لمتابعة طلباتها، مقارنة بالشكاوى الأخرى. في سبتمبر 2011، أرسل روي كوفمن، المستشار القانوني لشركة وايلي آنذاك، إلى فرانسيس رسالة إلكترونية تقول إن الشركة «لا تستطيع أن تضمن إجراء تحقيق في كل الادعاءات مجهولة المصدر الواردة إليها». أذاعت فرانسيس هذه الرسالة للجمهور؛ مما أذكى نقاشًا حول كيفية التعامل الواجب مع هذه الادعاءات.

«ليست لي نبرة، بل أحاول وصف ما أستطيع أن أراه».

بعد مرور سنتين، تغيرت مواقف المحررين شيئًا ما. ففي فبراير 2013، أصدرت «لجنة أخلاقيات النشر» إرشادات حول «الرد على المبلغين مجهولي الهوية». لم تُذكر فرانسيس بالاسم، لكنها كانت القوة المحركة الرئيسة وراء هذا العمل، حسب قول فرجينيا باربر، الرئيس الحالي للجنة أخلاقيات النشر. «كان المحررون يشعرون بالذنب والارتباك، ولا يدرون كيف ينبغي مقاربة المشكلة». وذكّرتهم «لجنة أخلاقيات النشر» أنه بصرف النظر عن مواقفهم، فإن «كافة الادعاءات... ذات الأدلة التفصيلية المحددة لدعم الادعاء ينبغي التحقيق فيها»، لكن آنا ترودجيت، مديرة الافتتاحيات بدورية «بلود» Blood، تقول إنه ما زالت الدورية تعالج رسائل فرانسيس انتقائيًّا فقط. تقول ترودجيت: «لا تُعامَل كافة الرسائل مجهولة المصدر بطريقة واحدة». وبدورها، عدّلت شركة «وايلي» ممارستها، بحيث تحقِّق في كافة الشكاوى، حسب قول هيلين بريه، الناطقة باسم الشركة. لا يتصرف المحررون أساسًا كرد فعل على اتخاذ فرانسيس اسمًا مستعارًا، بل يثير حفيظتهم أيضًا طريقة عملها. يقول توم ريلر، الناطق باسم الناشر إلسڤيير: «بالنسبة للبعض، ليست المشكلة أن كلير فرانسيس اسم مستعار؛ بل المشكلة أن الاسم المستعار كلير فرانسيس». بعض المحررين يستحضر ما يقولون إنه نبرة فرانسيس العدوانية وسعيها وراء القضايا الخاسرة. تقول ڤيرونيك كيرمر، المحرر التنفيذي لمجموعة «نيتشر» للنشر: «عندما نحدد أن الادعاء بلا أساس، ليس من النادر ألا تقبل كلير فرانسيس النتيجة».

ومن وجهة نظر باربر، فـ«تكتيكات» فرانسيس ليست نموذجًا جيدًا يحتذى لدى المرشدين الآخرين مجهولي الهوية. ولتعويض فقدان الثقة الحتمي الناجم عن كون المرشد مجهول الهوية، تكتسب المعلومات السرية صدقها إذا كانت دقيقة وتفصيلية ومهذبة. تحقق فرانسيس أحيانًا هذه المعايير، لكنها غالبًا لا تفعل. وبالنسبة إلى فرانسيس، يُغفِل مثل هذا النقد جوهر المسألة. ولَدَى سؤالها عن نبرتها، كتبت: «ليست لي نبرة، بل أحاول وصف ما أستطيع أن أراه». وأضافت أن المحررين يركزون غالبًا بشكل ضيق على دورياتهم عندما ترسل ما تقول إنها أنماط مترابطة؛ للتلاعب بالصور عبر دوريات عديدة. وكتبت: «لن ينظروا إلى الصورة كلها، بل يظلون في قالب». وبخصوص خيوط معلومات التحقيق الزائفة المزعومة، قالت فرانسيس: «سيكون معدل نجاح التحقيقات أعلى لو انتبهوا لما في الصفحة بدلًا من عالمهم الخيالي».

وهناك شيء واحد قد يتفق عليه المحررون وفرانسيس، وهو ترجيح زيادة الإبلاغ مجهول المصدر، نظرًا إلى زيادة وصول الجمهور بأنحاء العالم إلى أوراق الأبحاث، ووفرة أدوات وبرمجيات الفضاء الإلكتروني لكشف الانتحال والتلاعب بالصور. وأحد المواقع الإلكترونية ـ يدعى PubPeer، أو أقران النشر ـ أصبح بالفعل ملتقيًا للتعليقات مجهولة المصدر، ومنها موضوعات على منوال يماثل نمط فرانسيس. وحسب قول كلاينرت.. هذا النمو مؤشر على أن المبلغين عن المخالفات لا يجدون الحماية الكافية في البيئة الأكاديمية. «هنا ينبغي أن نفعل الكثير.. وينبغي للمرء أن يشعر بالراحة، لاستطاعته إثارة القضايا، دون أن يخشى الانتقام أو الإضرار بمستقبله المهني».