أخبار

الصيـن تحـارب جيشًا من الأنـواع الغـازِيَة

منظومة من إجراءات الضبط تبطئ من تقدُّم الأنواع الغريبة.

جين كيو
  • Published online:

قامت الخنفساء الحمراء بإبادة أكثر من 10 ملايين شجرة صنوبر في آخر 15 سنة.

قامت الخنفساء الحمراء بإبادة أكثر من 10 ملايين شجرة صنوبر في آخر 15 سنة.

Runzhi Zhang


عندما فتحت الصين أبوابها للتجارة الدولية في السبعينات من القرن الماضي، لم يكن كل ما وصل إليها من الخارج موضع ترحيب. فبشكل موازٍ لتدفق السلع الغربية والتقنيات الجديدة، تعرضت الصين إلى تسرب كائنات حية غريبة. يكشف تقييم شامل وحديث وجود 550 نوعًا غير محلِّي ما بين الفيروسات إلى السَّمَك والثدييات، تحولت إلى أنواع غازية في الدولة (انظر: «غزاة الأماكن»). تكلف هذه الأنواع الصين حوالي 15 بليون دولار من الخسائر سنويًّا، من خلال الإضرار بالمحاصيل والغابات بشكل خاص.

قال لي بو، مدير مكتب إدارة الأنواع الغازية في وزارة الزراعة في بكين، خلال مشاركته في المؤتمر الدولي الثاني حول الأنواع البيولوجية الغازية في مدينة كينجداو في شهر أكتوبر 2013: «مع ازدياد حجم التجارة الدولية، ازداد أيضًا عدد الأنواع الغريبة».

ومنذ عام 2000، قامت الصين بتشديد أنظمتها التشريعية حول استيراد المواد النباتية، وطبّقت إجراءات حجر متشددة. كما أنفقت أكثر من مليار دولار؛ لتأسيس قواعد بيانات حول الأنواع الغازية ومراقبة انتشارها، والبحث في الطرق التي تستخدمها الأنواع الغازية للانتشار، كذلك التأثيرات الإيكولوجية، وتطوير تقنيات السيطرة عليها. أدى ذلك إلى «ثورة في البحث العلمي»، كما يقول وان فانجهاو وهو باحث إيكولوجي في معهد حماية النباتات في الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية في بكين.

يقوم وان حاليًا بالانتهاء من تنفيذ مشروع بقيمة 10 ملايين دولار، استمر على مدار عشر سنوات، ومُمَوَّل من قِبَل وزارة العلوم والتكنولوجيا، وذلك لدراسة الأنواع الغازية في الزراعة والغابات. وفي اجتماع كينجداو، حيث تم عرض بعض النتائج، أظهر العلماء كيف يمكن للفهم الأفضل لما يصنّف كأنواع غازِيَة أن يسهم في تطوير ضوابط فعّالة ضدها.

وإحدى الحالات الجديرة بالذكر هي للذبابة البيضاء Bemisis tabaci، وهي حشرة تتغذى على الأنسجة الوعائية للنبات، المسماة «اللحاء». تسبِّب هذه الحشرة ضررًا مباشرًا عن طريق التغذية، وغير مباشر عن طريق نقل الفيروسات النباتية. وقد أدّت إلى تدمير إنتاج محاصيل الخَضْرَاوات والقطن في كل المقاطعات الصينية، باستثناء التبت. في جائحة كبيرة حدثت عام 2009 «تم إصابة ربع مزارع الخضروات على المستوى الوطني بمساحة 200 ألف هكتار وهذا ما أدى إلى تراجع الإنتاج بنسبة 50% إلى 80%»، كما يقول ليو شوشنج، عالِم الحشرات في جامعة زيجيانج في هانجزو.

كبر الصورة

Chinese acad. Agric. sci.

تمكّن الباحثون الآن من إيقاف تقدُّم الذبابة البيضاء، عن طريق استراتيجيات، مثل: زراعة أنواع من المحاصيل مقاومة لهذه الآفة، والفصل ما بين الشتلات لتقليص انتشار الآفة، واستخدام مستويات منخفضة من المبيدات الحشرية، وتطبيق وسائل المكافحة الحيوية عن طريق الأعداء الطبيعيين لهذه الآفة، وهو ما تسبب «في عدم حدوث جائحة كبرى منذ عام 2009»، كما يقول وان.

أحد الأنواع الغازية الأخرى الذي تم ضبط انتشاره هو الخنفساء الحمراء Dendroctonus valens. تقوم هذه الحشرة في أمريكا الشمالية بمهاجمة الأشجار الميتة، أو المريضة. وبعد إدخالها إلى الصين في الثمانينات، قامت بإبادة أكثر من 10 ملايين شجرة صنوبر في المقاطعات الشمالية منذ عام 1999.

وجدت دراسة قام بها صن جيانجهوا، وهو عالم حشرات في معهد علم الحيوانات في الأكاديمية الصينية للعلوم في بكين، أن التفاعل ما بين الخنافس ونوع الفطريات الذي يعيش بطريقة تكافلية معها Leptographium procerum يعتبر عنصرًا أساسيًّا في «تغيُّر الشخصية» الذي حدث لهذه الخنافس لدى وصولها إلى الصين (J. Sun et al. Annu. Rev. Entomol. 58, 293-311;2013). يقول صن إن «الفطر قد حدثت له طفرة جعلته يتحول إلى نوع وراثي جديد». وهذا النوع الجديد يؤدي بالأشجار إلى إطلاق كميات كبيرة من المركب الكيميائي 3 - كارين، وهو مادة جاذبة بشدة للخنافس، ولا يتم إنتاجها استجابةً لنوع الفطريات المرافق للخنافس في أمريكا الشمالية.

أدى هذا الاكتشاف إلى سلسلة من المشاريع الناجحة لخداع هذه الخنافس باستخدام مادة 3 - كارين. يُعتبر هذا التوجه جزءًا من برنامج متكامل لإدارة الآفات، بدأ في عام 2007، حسبما يقول صن، ويتضمن أيضًا استخدام مواد كيميائية أخرى لجذب الآفات، وكذلك استخدام المبيدات الحشرية، وجهود لاستبدال الغابات المكونة من نوع نباتي واحد بغابات مكونة من عدة أنواع.

ونتيجة لذلك.. بات انتشار الخنفساء الحمراء خاضعًا للسيطرة، كما يقول صن. حاليًا تتعرض أقل من شجرة واحدة من بين ألف شجرة للإصابة بهذه الآفة، مقارنة بنسبة 3 من أصل 10 في مقاطعة شانجزي في عام 2001 خلال واحدة من أسوأ حالات انتشار المرض.

تزيد اكتشافات صن من إمكانية «إعادة غزو» الولايات المتحدة من قبل الخنفساء الحمراء، ونوع الفطر الصيني الذي يعيش معها تكافليًّا، كما يقول دانيال سيمبرلوف، وهو عالم بيئي في جامعة تينيسي في كنوكسفيل، مضيفًا «إن التأثيرات التي يمكن أن تحدث على مستوى السياسات كبيرة جدًّا».

إنّ ما يحدث في الصين يعتبر مهمًّا لبقية العالم، كما تقول هيلين روي، المختصَّة بعلم الحشرات الإيكولوجي في مركز الإيكولوجي والهيدرولوجي في والينجفورد في المملكة المتحدة. وتضيف: «الغزو البيولوجي هو طريق «ثنائي الاتجاه»، حيث إن أصل معظم أنواع الآفات التي تصيب الغابات في أمريكا الشمالية هو من الصين، كما أن بعض هذه الأنواع المصدرة أدى إلى إحداث دمار شديد في أوروبا. وعند التعامل مع الأنواع الغازية، يعتبر التعاون الدولي مهمًّا للغاية، كما تقول روي، التي قامت بدراسة غزو الدعسوقة (خنفساء صغيرة) الملونة Harmonia axyridis في أوروبا وتقوم حاليًا بالتعاون مع باحثين صينيين بمحاولة فهم سلوك الحشرة وأعدائها الطبيعيين؛ على أمل التوصل إلى تطوير إجراءات سيطرة فعالة.

إنّ الأمور الإدارية في الصين تؤدي أحيانًا إلى تعطيل عمل العلماء، كما يقول وان. فعلى سبيل المثال.. تدخل الكثير من الأنواع الغازِيَة الصين عن طريق الالتصاق بالمخلفات التي يتم استيرادها من الدول المتقدمة (حيث يعتبر التخلص من المخلفات صناعة مهمة في الصين). ولا تُعرَف بالضبط أيّ وزارة هي المسؤولة عن فحص ومراقبة الشحنات. وإضافة إلى ذلك.. فإن مواجهة الأنواع الغازية تتطلب تدخلًا من عدة وزارات، حيث يقول صن: «هناك حاجة إلى تنسيق أفضل، وتبادل المزيد من المعلومات بين هذه الوزارات».

على أية حال، فإن مشكلة الأنواع الغازية لن تنتهي حيث يقول وان «مع احترار المناخ وزيادة التجارة الدولية والتحضر السريع، فإن مشكلة الغزو البيولوجي سوف تصبح أسوأ، وعلينا أن نستمر في مراقبة حثيثة للأنواع التي قد تتسبب في خلق المشكلات».