أخبار

المصادم الهادروني الكبير يخطِّط لإتاحة بياناته مستقبَلًا

يتبادل الباحثون النتائج.. من أجل استبقائها متاحةً.

إليزابيث جيبني
  • Published online:

البيانات من المصادم الهادروني الكبيـر، مثل تحلل هيجز بوزون، قد تتاح للجمهور.

البيانات من المصادم الهادروني الكبيـر، مثل تحلل هيجز بوزون، قد تتاح للجمهور.

Thomas McCauley/Lucas Taylor/CMS Collection/CERN


عندما يُصْدِر مصادم الهادرونات الكبير أزيزًا طويلًا، تأتي البيانات في طوفان، إذ تجمع العدادات التجريبية الأربعة في المنشأة حوالي 25 بيتا بايت من المعلومات كل عام، التي يقع مقرها في مختبر فيزياء الجسيمات بأوروبا «سيرن» بالقرب من جنيف، في سويسرا.

إنّ تخزين البيانات ليس مشكلة.. فالأقراص الصلبة رخيصة، وتزداد رخصًا، إنما التحدي هو حفظ المعرفة التي عادة ما يقل تخزينها، كالبرمجيات، والخوارزميات، والمخططات المرجعية لكل تجربة بعينها. وهذه غالبًا ما تندثر أو تختفي مع مرور الوقت، كما يقول كريستينيل دياكونو، من مركز مرسيليا لفيزياء الجسيمات في فرنسا، وأستاذ حفظ البيانات في «المجموعة الدولية لدراسة التحليل طويل الأمد في الفيزياء عالية الطاقة» DPHEP. يشعر دياكونو بالقلق حيال استمرار تخزين البيانات على وضعها الراهن، فإذا حاول علماء الفيزياء فك شفرتها في غضون 10 سنوات، قد لا يمكنهم إعادة بناء اكتشاف (جسيم) هيجز بوزون. و«عندما يأتي برنامج مصادم الهادرونات الكبير إلى نهايته، فمن المحتمل أن تكون هذه البيانات هي الأخيرة على هذه الجبهة لعدة سنوات» كما يقول دياكونو. ويضيف: «لا طاقة لنا بفقدها».

ومن ثم، فإن «المجموعة الدولية لدراسة التحليل طويل الأمد في الفيزياء عالية الطاقة» تحاول دفع جهود حفظ البيانات من مجرد تخزينها في الأنظمة إلى المشاركة المفتوحة. ويذهب التفكير إلى أن الأرجح في شأن البيانات والمعرفة اللازمة لتفسيرها، النجاة من الاندثار لأمد بعيد، إذا حاول أناس كثيرون من خارج التجربة فهمها باستمرار.

وكاتي لاسيللا - بيريني، وهي فيزيائية تعمل في مشروع «اللولب المدمج للميون» CMS ـ إحدى أربع تجارب في مصادم الهادرونات الكبير ـ لديها فكرة راديكالية لمثل هذا النوع من المشاركة، وهي توزيع البيانات على تلاميذ المدارس. وفي العام المقبل، فإن خطة أولية تقودها هي، سوف تفرج بمقتضاها عن بيانات «اللولب المدمج للميون» لعام 2010، التي سوف يعيد صياغتها وتخزينها مركز تكنولوجيا معلومات العلوم في إسبو، بفنلندا. ثم يقوم المركز بمشاركة البيانات مع التلاميذ، الذين سوف يعيدون إحياء مخططات الجسيمات المتحللة، باستخدام أدوات تحليل تم تكييفها للجمهور. يخطط «اللولب المدمج للميون» لإتاحة المزيد من البيانات للعامة بعد بضع سنوات من الجمع، وتأمل لاسيللا بيريني أن تعتمد مراكز البيانات الأخرى مثل هذه المخططات، وتقول: «نحن نضمن أن تظل البيانات التي لم نعد نبحث فيها متاحةً».

ليس القصد هو الحفاظ على البيانات للأجيال القادمة فحسب، فالبيانات القديمة قد تكون ذات بال عند اختبار نظريات جديدة، ولتزويدنا بمراجع حاسمة للتجارب الجديدة كما يقول دياكونو. وعلى سبيل المثال.. فقبل اكتشاف هيجز بوزون في عام 2012، فإن سلف المصادم الهادروني الكبير في مختبر سيرن، وهو مصادم الإلكترون- البوزيترون الكبير عاد إلى دائرة الضوء، عندما استجلى الفيزيائيون بياناته الخاصة بتسعينات القرن الماضي، بحثًا عن نوع غريب من هيجز، لم يكن قد تم التنظير له في الوقت الذي تم جمع البيانات فيه. وبهذه الطريقة، فإن أهداف حفظ البيانات حية ومفتوحة هي «مصلحة ذاتية مستنيرة»، كما يقول مايكل هيلدريث، الفيزيائي في جامعة نوتردام في ولاية إنديانا، وقائد جهود مشروع «حفظ البيانات والبرمجيات للعلوم المفتوحة» DASPOS، التي تمولها الولايات المتحدة الأمريكية، وأهدافها تشبه تلك التي تخص «المجموعة الدولية لدراسة التحليل طويل الأمد في الفيزياء عالية الطاقة».

إن مشروع «حفظ البيانات والبرمجيات للعلوم المفتوحة» هو بمثابة بناء قالب للحفاظ على البيانات التي يجب تخزينها، وتحديد كيفية القيام بذلك. وخلال العام المقبل، في ‹تحدي الرعاية›، سوف يكلف المشروع الفيزيائيين بمهمة إعادة صياغة نتائج تجارب أخرى، وذلك باستخدام المعلومات التي تم جمعها بهذا القالب فقط. واختبار واحد ـ على سبيل المثال ـ يكاد يكون من المؤكد أن تُستخدم فيه بيانات المصادم الهادروني الكبير، وهو تحدٍّ لفيزيائيّ «اللولب المدمج للميون» لإعادة صياغة نتائج تجربة «أطلس» ATLAS المنافسة. ويمكن أن يأتي اختبار آخر من مجال مختلف، كالفيزياء الفلكية. و إذا نجح، فإن النموذج يمكنه تشكيل بنية عامة ومبسطة للحفاظ على البيانات، على حد قول هيلدريث.

«عندما يأتي برنامج المصادم الهادروني الكبير إلى نهايته، فمن المحتمل أن تكون هذه البيانات هي الأخيرة على هذه الجبهة لعدة سنوات. ولا طاقة لنا بفقدها».

والتعامل مع الخوارزميات المتغيرة دوما، وأنظمة التشغيل، وعتاد أجهزة تحليل البيانات هو جزء من التحدي. يقود منسق الحوسبة ديفيد ساوث في مركز «سنكروترون الإلكترون الألماني» DESY في هامبورج مشروعًا، يحاول حاليًا بالفعل حماية البيانات بالطريقة ذاتها. لقد ابتدع فريقه نظامًا سوف يمشط البيانات والبرامج الخاصة بتجارب معجل الهادرون - الإلكترون الدائري في مركز «سنكروترون الإلكترون الألماني»، واختبار مدى توافقها عند تغيير الأجهزة أو أنظمة التشغيل .

هذه الخطة لترحيل البيانات مرارًا وتكرارًا إلى منصات جديدة، تقف على النقيض من المقاربة المنتهجة في تجربة «بابار» BaBar بمختبر «مسرع ستانفورد الخطي الوطني» SLAC في مينلو بارك، كاليفورنيا. وهناك، جمّدت إصدارات البيانات وأنظمة التشغيل اللازمة لتحليلها في مراكز تخزين، حيث من المفترض أن تكون في المتناول حتى عام 2018 على الأقل. يقول ساوث إن نهج مركز «سنكروترون الإلكترون الألماني» أكثر موثوقية. وعلى الرغم من أن نظام مركز «سنكروترون الإلكترون الألماني» يحتاج إلى مراقبة – إذ يجب علاج أي عدم توافق بالتدخل البشري – فإن الهدف هو التعامل مع المشكلات وقتما تنشأ، بدلًا من معالجتها بعد سنوات، وحينها ربما تكون قد تفاقمت.

إن علماء مركز «سنكروترون الإلكترون الألماني» يجب أن يكونوا على دراية بذلك. ففي تسعينات القرن الماضي، أراد الفيزيائيون أن يلقوا نظرة أخرى على بيانات مصادم مركز «سنكروترون الإلكترون الألماني»، التي تمت معالجتها في المدة من 1979-1986، من أجل تحقيق إضافي عن التفاعل القوي الذي يربط الكواركات معًا. لقد احتالوا وقتها لإجرائه بدقة مزيدة، لكن دياكونو يقول إن الأمر استغرق عامين لإعادة بناء البيانات، التي لم يَجْرِ استبقاؤها وصيانتها.

إن حَفَظَة البيانات متعجلون إلى لفت الأنظار إلى النفقات المرتبطة بجهود إعادة البناء. كما إن إعادة البناء تكلف أموالًا، لكنها تستحق، كما يقول جيمي شير مدير مشروع «المجموعة الدولية لدراسة التحليل طويل الأمد في الفيزياء عالية الطاقة». لقد وضع فاتورة لتنفيذ حفظ جيد لبيانات المصادم الهادروني الكبير، تصل إلى نحو %1 من تكاليف التشغيل. إنها مجرد بضعة ملايين من الدولارات سنويًّا. ويتابع بقوله: «أعتقد أن هذا مبرر».