أنباء وآراء

ميكانيكا النبات الحيوية: الطحـالب المتينـة

تُحدِث موجات الارتطام ضغطًا متكررًا على الطحالب البحرية، مما قد يؤدي إلى موت الطحالب منهكةً، لكن أبحاثًا على نوع معين من الطحالب تشير إلى أن التراكيب المفصلية للطحلب ـ التي تفتقد إلى الروابط العرضية ـ توفر مقاومة للإنهاك الذي قد تتعرض له.

إيمِيلي كارينجتون
  • Published online:

تتعرض الشواطئ الصخرية للضرب بواسطة الأمواج، كل موجة جديدة تسحق معها عددًا من الحيوانات والنباتات المتعلقة بها، ويحدث هذا مرة كل عشر ثوانٍ، أي ثمانية آلاف مرة في اليوم، أو ثلاثة ملايين مرة في العام تقريبًا. لا تستطيع معظم الكائنات ببساطة أن تنجو في مثل تلك الظروف؛ عدا تلك القِلَّة المختارة من الكائنات التي تستطيع تحمُّل هذا النشاط، وتتكاثر. في دوريّة "الأحياء التجريبية" Journal of Experimental Biology، أورد دِني وزملاؤه1 كشفهم عن ملمحٍ أساسي في واحدة من أنجح الكائنات القادرة على المنافسة والبقاء في مناطق الأمواج: الطحالب المرجانية القوية المفصلية المقاومة للإنهاك.

قام الباحثون بالتركيز على طحلب معروف لشواطئ كاليفورنيا كثيرة الأمواج، وهو الطحلب الجميل ذو المفاصل (Calliarthron Cheilosporioides)، وهو نبات متفرّع جميل يماثل حجمه كف يدِك. يشبه كل واحد من تفرعات ذلك الطحلب الأحمر عقدًا من الحبات وردية اللون، مع مِفصل باهت منزوع الكالسيوم (يُسمى رُكَـيْبَـة)، يربط كل حبة متكلسّة (تُسمى البَين رُكَيبي) بالحبة التي تليها. عرف الباحثون أن تلك المفاصل العديدة توفر المرونة لما كان له أن يصبح تركيبًا جامدًا من دونها، وتسمح للنبات بالتمايل جيئة وذهابًا؛ مما يقلل من أثر أمواج الارتطام الكبيرة، لكن الباحثين أيضًا علموا من دراسات سابقة2 أن معظم تلك الطحالب المرنة تتكون من أنسجة تميل إلى الإنهاك الناجم عن الأضرار التركيبية الموضعية المتراكمة والمستفحلة، التي يسببها الضغط المتكرر، نتيجة لقوة الأمواج. تحدث تلك الأضرار في صورة تشققات دقيقة تقوم بتركيز الإجهاد، ثم تستطيل وتنتشر بشكل كارثي عبر جسم الطحلب. وهي عملية، وَصَفَها بدقة المهندس آلان أرنولد جريفيث في عام 19213. ونتيجة لذلك.. فطحالب كثيرة تضعف مع كل موجة عابرة وتموت، نتيجة للإجهاد المترتب على ذلك بصورة أسرع بكثير من المتوقع على أساس قوتها الشكلية.

 والطحلب الجميل موضع البحث قد يصل عمره إلى ست سنوات، وهو عمر طويل نسبيًّا لنبات يعيش في منطقة أمواج. فهل يمكن أن يكون هذا الطحلب مقاومًا للإجهاد؟ يكمن الدليل الأول في التركيب الدقيق للمفصل الرُّكيبي. لاحظ دِني وزملاؤه أن الخلايا المستطيلة للمفصل مصفوفة في صفٍ واحد موازٍ لمحور نمو النبات، وكل خلية من خلايا المفصل تنتهى عند طرف الحبة المتكلسة (شكل 1-أ). افترض الباحثون أنه بسبب غياب الاتصال العرضي بين تلك المفاصل وبعضها، فليس هناك تركيب يسمح بتركُّز الإجهاد وانتشار التشققات من خلية إلى أخرى.


الشكل 1 | لا يوجد إجهاد. أ. تتضمن أنسجة الطحلب الجميل ذي المفاصل مفاصل رُكيْبية مرنة تربط ما بين مناطق البَين رُكيبية المتكلسة. تتكون كل رُكيبة من صفٍ واحد من الخلايا المستطيلة التى تجري بموازاة محور نمو الطحلب. يُظهِر بحث دِني وزملائه1 أن ذلك التصميم الخلوي يساعد الطحلب على تحمل ضرب الأمواج المتكرر، حيث يعني غياب أي روابط عرضية بين خلايا الرُكيبة أنه حين تتحطم خلية، لن تنتشر طاقة الضربة إلى الخلية المجاورة. أضف إلى ذلك.. أن الضغط لن يتركز عند قمة التشقق، وبالتالى سيأخذ مسار التشقق طريقًا متعرجًا، بدلًا من الانتشار المباشر داخل أنسجة النبات. ب. تشبه أنسجة الأنواع الأخرى من الطحالب مادة متجانسة من الخلايا شبه الكروية المتصلة ببعضها البعض. وبمجرد أن يحدث تشقق ما في جسد الطحالب، فإن طاقة الضغط تتدفق بصورة أسهل إلى قمة التشقق، وبالتالى تسمح بتركز الإجهاد في تلك المنطقة، ومن ثم انتشار التشققات بشكل موجَّه عموديّ على محور الضربة.

كبر الصورة


 يمكن تشبيه ذلك بدُمْيَة الماريونيت الراقصة، إذ يرتبط جسم الدمية وأطرافها عن طريق خيوط إلى شريط العود بالأعلى. وكلما تلاعب محرك الدمى بذلك العود؛ تنتقل قوة ما عبر الخيوط تجعل الدمية تتراقص. وإذا انقطع خيطٌ واحد؛ فإن ذراع أو ساق الدمية المربوط لها يتوقف عن الحركة، لكن بقية الجسم ستظل تحت سيطرة محرّك الدمى، فانقطاع خيط واحد له تأثير محدود على أداء باقي الخيوط. الفكرة هنا هي أن تلك الخيوط ليست مرتبطة مباشرة ببعضها البعض؛ وبالتالي تتصرف باستقلالية.

يفترض دِني وزملاؤه أن مادة المفصل الرُكيبي للطحلب الجميل ليست متجانسة، لكنها تتكون في الواقع من حزمة من الخلايا المتوازية التي تعمل كخيوط مستقلة. سعى الباحثون إلى دعم تلك الفرضية بشكل غير مباشر عن طريق مقارنة صلابة المفصل في حالة الشد مع صلابته في حالة إجهاد القص (يُرمز لهما برمزيّ "هـ"، و"ز" بالترتيب، ويقاسا بوحدة الباسكال). ووفقًا لنظريات علم المواد، فإن نسبة هـ/ز تساوي 3 للمواد المتجانسة؛ وغياب الروابط العرضية بين الخلايا يقلل من صلابة المفصل في حالة إجهاد القص، مما يجعل تلك النسبة تتجاوز 3 بكثير. وتُظْهِر البيانات التجريبية التي حصل عليها دِني وزملاؤه أن نسبة هـ/ز للطحلب الجميل أعلى من 10، مما يؤكد أن كل مفصل يعمل كحزمة من الخيوط القوية القابلة للتمدد، والمتوازية غير المترابطة ببعضها. يشير هذا بالتالي إلى أن تركيب الطحلب يقاوم الإجهاد وانتشار التشققات.

قام الباحثون بعد ذلك بقياس مستوى الإجهاد لدى الطحلب الجميل بشكل مباشر، عن طريق وضع الطحلب في جهاز مصمَّم خصيصًا ليحاكي الضغط المتكرر الناتج عن الأمواج. وحين كان الضغط معادلًا لحوالي %60 من قوة الطحلب المفترَضة، قام الطحلب بتحمل أكثر من عشرة ملايين دورة، أي ما يعادل ثلاث سنوات من ارتطام الأمواج به كل عشر ثوانٍ. ولأن غالبية الأمواج التي يتعرض لها هذا الطحلب لها ـ في الواقع ـ قوة أقل، فإن العمر المتوقع له يكون أطول بكثير من ست سنوات، وهو ما لوحظ أثناء التجربة. وباختصار، استنتج الباحثون أن وفاة الطحلب الجميل نتيجة للإجهاد هو احتمال ضعيف، عدا الحالات النادرة التي قد تتعدى فيها أمواج شديدة القوة المفترَضة لمفاصل الطحلب، فتسبِّب موته.

تتألف غالبية الطحالب الكبيرة ـ التي تتنافس مع الطحلب الجميل على المساحة والضوء ـ من أنسجة معرّضة بشكل أكبر لانتشار التشققات (شكل 1-ب). وبمرور الوقت، فإن الضغط المتكرر بواسطة الأمواج يقلل من نمو أنسجة جديدة. والمحصلة النهائية لذلك هي تعداد من الطحالب الأصغر حجمًا ـ وأقل قدرة على التنافس ـ من تلك المتوقع نموها بناءً على القوة الظاهرية لأنسجة الطحلب2. وعلى النقيض، فإن تصميم الأنسجة المقاوم لانتشار التشققات في مفاصل الطحلب الجميل يمنحه ميزة تنافسية، حيث يقلل من قدرة الأمواج على "تقليم" الطحلب.

إنّ خاصية وجود صف واحد من الخلايا الرُكيبية في مفاصل الطحلب الجميل هي ما تجعله مقاومًا للإجهاد. يشير المؤلفون إلى أن مفاصل أنواع أخرى من الطحالب المرجانية مصممة بشكل مختلف، حيث توجد صفوف عديدة من الخلايا التي لا تعمل دائمًا باستقلالية في حالة إجهاد القص، وبالتالي قد تكون أقل مقاومةً للإجهاد. ورغم أن قصة التطور تلك تحتاج إلى أبحاث أكثر، إلا أننا نعرف الآن كيف يمكن للطحلب الجميل، ذي التركيب المفصلي المقاوم لانتشار التشققات، أن يتمايل جيئة وذهابًا، دون كللٍ مع ارتطام الأمواج.

  1. Denny, M., Mach, K., Tepler, S. & Martone, P. J. Exp. Biol. 216, 37723780 (2013).

  2. Mach, K. J., Tepler, S. K., Staaf, A. V., Bohnhoff, J. C. & Denny, M. W. J. Exp. Biol. 214, 15711585 (2011).

  3. Griffith, A. A. Phil. Trans. R. Soc. Lond. A 221, 163198 (1921).