س و ج

س و ج:عالِم ركوب الأمواج

فكَّر المؤرخ بيتر وِستوِيك، وزميله بيتر نيوشول في كتابة التاريخ العلمي لركوب الأمواج، «العالَم في مَوْجَة» (دار كراون للنشر، 2013)، وهما يمتطيان الألواح في شاطئ كاليفورنيا. ومع وصول الموسم الشتوي لركوب الأمواج إلى ذروته، يتحدث وِستويك عن الحرب، وملابس الغوص، والتغير المناخي، والتنبؤ بالأمواج.

جاشا هوفمَن
  • Published online:



ما الذي يكشفه ركوب الأمواج عن علاقتنا بالطبيعة؟

عادةً ما يُنظَر إلى ركوب الأمواج على أنه مهرب رومانسي إلى المحيط الجامح المخيف، وسط حيوانات الفقمة وسمك الدولفين، حيث تجد نفسك بعيدًا عن قمة السلسلة الغذائية. وفي كتابنا، «العالَم في مَوْجَة»، نحاول أنا وزميلي المؤرخ بيتر نيوشول أن نوضِّح أن ركوب الأمواج له علاقة وثيقة بالصناعة، وبالتكنولوجيا، وبالتجارة. ففي الصباح، أتحقّق من الظروف الجوية على حاسبي المحمول، ثم أبدأ في ركوب الأمواج على لوحٍ بالغ الخفة، مرتديًا ملابس الغوص الخاصة بي، المصنوعة من مادة النيوبرين. تربطنا التكنولوجيا بالطبيعة في الوقت ذاته الذي تغيِّر فيه من علاقتنا معها.


كيف أثَّر العِلْم على تطور هذه الرياضة؟

ارتبط انتشار ركوب الأمواج على نطاق واسع في القرن الماضي بتطور تصميم الألواح المستخدَمة لهذا الغرض، إذ استخدم راكبوا الأمواج الأوائل في هاواي ألواحًا ضخمة من الخشب الأحمر. ولكي تجرّ قطعة خشبية تزن 50 كيلوجرامًا عبر الشاطئ، ثم تصارع بها جدرانًا من المياه البيضاء، كان يتوجب عليك أن تكون رياضيًّا متميزًا، إلا أنه في الوقت الحالي يمكنك أن تتحصل على لوح يزن 2.5 كيلوجرام، مصنوع من رغوة البولي يوريثين، ومن الألياف الزجاجية والراتنج. وقد كانت هناك تجارب مبكرة باستخدام خشب البالسا، الذي يكون عادةً خفيفًا إلى أنْ يمتص الماء؛ ثم يغرق. وفي عام 1928، ابتكر توم بليك لوحًا لركوب الأمواج، مصنوعًا من الخشب المجوف، استلهمه على الأرجح من جناح طائرة «فيجا» التي صنعتها شركة «لوكهيد»، إلا أن الثورة الحقيقية جاءت من استخدام المواد الصناعية التي تم اكتشافها أيام الحرب.

SHANNON STENT/GETTY


مَن الذي صمَّم لوح ركوب الأمواج الحديث؟

أثناء دراسته للهندسة الميكانيكية في معهد كاليفورنيا للتقنية «كالتك» في بدايات أربعينات القرن العشرين، صادف روبرت سيمونز رغوة البولي ستيرين، وراتنج البوليستر. وبمعرفته بانسياب المياه التي ارتبطت بأبحاث «كالتك» على الطوربيدات المقذوفة من الجو؛ صمَّم ألواحًا ذات فعالية. وفي فترة وجيزة، أصبح «هيكل السفينة الهايدروديناميكي» الذي صممه سيمونز هو المعيار القياسي. كذلك اخترع توم موري ـ الذي أجرى أبحاثًا على فوهات الصواريخ ـ اللوحَ الراقص، ذلك اللوح البسيط المصنوع من الرغوة، الذي جعل الملايين من الناس يمتطون الأمواج. كذلك أدت ردود الأفعال العنيفة في الماضي القريب إلى رجوع بعض راكبي الأمواج إلى استخدام الألواح الخشبية الصلدة، التي تتيح لقاء الأمواج بدون وسيط.


كيف تم اختراع ملابس الغوص؟

أثناء الحرب العالمية الثانية، ارتدى غوّاصو قوات الحلفاء ـ الذين أُوكِلَت لهم مهمة نزع فتائل الألغام البحرية ـ ملابس جافة، بغرض الحصول على الدفء، إلا أنّ الهواء المحبوس في داخل هذه الملابس تسبَّب في تجعُّدها وفي ضِيقها. كان هذا حتى مجيء عالِم الفيزياء الأمريكي هيو برادنر، الذي عمل في مشروع القنبلة الذرية، كجزء من مشروع «مانهاتن»، حين واتته بصيرة معاكِسة للحدس.. حيث لا يتطلب الإحساس بالدفء أن تكون ملابسك جافّةً. عَزَلَت الملابسُ التي صممها برادنر من النيوبرين ـ تلك المادةَ الصناعية التي طوّرتها شركة «دوبونت» في ثلاثينات القرن العشرين، كبديل للمطاط الطبيعي ـ الغاطسين بواسطة طبقة من المياه المحبوسة. ويعمل النيوبرين كذلك كمادّة ممتصّة للصدمات؛ لحماية الغاطسين من الانفجارات التي تحدث تحت الماء. باستخدامك لملابس الغوص الحديثة؛ يمكنك أن تركب الأمواج في شواطئ كاليفورنيا، أو حتى في شواطئ ألاسكا، وشواطئ القارة القطبية الجنوبية.

بيتر وِستوِيك

بيتر وِستوِيك

ILLUSTRATION BY NICK HIGGINS



متى بدأ العصر الحديث للتنبؤ بالأمواج؟

بدأ هذا الأمر مع الحرب العالمية الثانية، إذ تضمنت استراتيجية الحلفاء تحريك الجيوش من السفن إلى الشاطئ، إذ كان يمكن لانقلاب المراكب الرّاسِيَة في منطقة الأمواج المتكسرة أن يغيِّر من مسار المعارك. كذلك أدرك المخطِّطون العسكريون أنه ليس بمقدور أحدٍ أنْ يقوم بغزو برّمائي حينما تكون الأمواج عالية، ولذلك أصبح حجم الأمواج أمرًا ذا أهمية قصوى. وفي عام 1941، بدأ عالِم المحيطات وولتر منك في العمل على المسائل العلمية ذات الصلة بكيفية تعريف وقياس أمواج المحيطات. وتوصَّل الى أنه بقياس سرعة واتجاه الرياح وسط المحيط، يمكنك أن تتنبأ بضخامة الأمواج التي سوف تضرب الشواطئ الواقعة على بُعْد آلاف الأميال بعد عدة أيام. ساعدت نظريات وولتر الحلفاءَ أثناء هبوطهم على شواطئ نورماندي “D-day”.


ما هي الأدوات المستخدَمة حاليًا في التنبؤ بحدوث الأمواج؟

لم يتغير الافتراض الأساسي للتنبؤ بالأمواج بدرجة كبيرة، إلا أن العقود الأخيرة شهدت تطورات كبيرة في الكيفية التي نجمع بها البيانات، حيث تقيس العوّامات الإلكترونية الموجودة على امتداد ساحل المحيط الهادئ في الولايات المتحدة الرياحَ وارتفاع الأمواج. كذلك يمكن للأقمار الصناعية أن تقيس سرعة العواصف، وحجمها، واتجاهها في الامتدادات الشاسعة للمحيط الهادئ. بعد ذلك، تقوم الحواسيب الفائقة بمعالجة البيانات، ومن ثم تقوم بحساب ارتفاع الأمواج الناتجة من العاصفة، وترددها، واتجاهها. لذلك.. يمكنك أن تتنبأ بحالة الأمواج على شاطئٍ ما بعد عدة أيام.


هل من الممكن هندسة الأمواج؟

لقد حدث هذا الأمر بالفعل في شواطئ عديدة، وإنْ لم يتم بصورة مقصودة في كل الأحوال، لأن الموانئ والأعمدة والجدران البحرية تغيِّر من أنماط الأمواج. وكانت هناك محاولات لبناء شِعاب اصطناعية لركوب الأمواج في كاليفورنيا، وفي المملكة المتحدة، وفي نيوزيلندا، والهند، إلا أن معظم هذه المحاولات باءت بالفشل. كذلك حاول المهندسون أن يصنعوا أمواجًا خارج المحيط Flowrider الذي يصنع موجة ساكنة صغيرة بدفع الماء في الاتجاه المعاكس لصفيحة رغوية منحنية، على سبيل المثال.


هل سيؤثر الاحترار العالمي على ركوب الأمواج؟

يقف راكبو الأمواج في خط جبهة التغير المناخي، إذ سوف تجعل العواصفُ العنيفة من ركوب الأمواج أمرًا عسيرًا، وأقل ملاءمةً. كذلك سوف يغيِّر ارتفاع مستوى البحار من الأماكن التي يمكن للناس فيها أن يركبوا الأمواج. وأنا لستُ على ثقة من أنّ مجتمع راكبي الأمواج قد انتبه بصورة كاملة لهذه الحقائق بعد، إذ بات إقناع راكبي الأمواج بالعمل على الحفاظ على البيئة الخاصة بهم أمرًا صعبًا.