أخبار

انقسام العلماء حول طريقة مقترَحة للحفاظ على الأُسُود

يرى البعض أن وضع السياج يوفر الحماية، بينما يرى البعض الآخر أنه يمثل تهديداً.

تريسي واتسون
  • Published online:

تراجعت أعداد الأُسُود بشكل حاد في العقود الأخيرة. ويرجع ذلك ـ إلى حد كبير ـ إلى القتل من قِبَل البشر.

تراجعت أعداد الأُسُود بشكل حاد في العقود الأخيرة. ويرجع ذلك ـ إلى حد كبير ـ إلى القتل من قِبَل البشر.

ROY TOFT/National Geographic/GETTY IMAGES


تُعَدّ الأوقات الحالية قاتمة بالنسبة إلى ملك الغابة. فهناك الآن ما يقرب من 35,000 من الأُسُود الأفريقية تجوب غابات السافانا1، بانخفاض كبير، مقارنة بأكثر من 100,000 أسد منذ نصف قرن مضى، وذلك بسبب فقدان المواطن الأصلية، وانخفاض أعداد الحيوانات التي تتغذى عليها، وقتْلها من قِبَل البشر. وقدّرت إحدى الدراسات أن نيجيريا يعيش فيها أقل من 50 أسدًا من نوع Panthera Leo، بينما ذكرت عدم وجود أثر للأُسُود في جمهورية الكونغو، وغانا، وكوت دي فوار2.

تختمر حاليًا جدلية من العيار الثقيل حول مقترح لدعم عدد الأسود قبل فوات الأوان. فقد دعا أحد الباحثين البارزين المتخصصين في هذا الشأن إلى الحد من الصراع بين البشر والأسود، عن طريق إقامة سياج حول المحميّات التي تضم الأسود البرية. انقسم العلماء حول الفكرة، حيث قال المعارضون إن السياج قد يضر أكثر مما ينفع. وكشفت المناقشة التي تلت ذلك أيضًا عن اختلافات جوهرية في الرأي حول كيفية الحفاظ على الأسود وغيرها من السلالات، وأثيرت مخاوف من أن أحد التحديات الرئيسة في الحفاظ على الأسد ـ وهو نقص التمويل ـ يتم تجاهله، بينما العلماء مشغولون بتبادل الآراء حول وضع سياج من عدمه.

عندما بدأ البحث الذي أطلق الضجة، كان كريج بيكر من جامعة مينيسوتا في سانت بول ـ الذي تتناول دراساته أسود متنزه سيرينجيتي الوطني بتنزانيا ـ يهدف فقط إلى تحديد تكلفة الحفاظ على الأسود، غير أن بياناته أسفرت عن شيء أكثر إثارة، ففي بحث نُشر في وقت سابق من العام الماضي في دورية «إيكولوجي ليترز» Ecology Letters3، قام هو و57 مؤلفًا مشاركًا بحساب كثافة وجود الأسود في 42 محمية طبيعية في أفريقيا، ووجدوا ـ كما يقول بيكر ـ أن المتغيرات الوحيدة المؤثرة على كثافة الأسود كانت «الدولار والسياج فقط، ولا يوجد شيء آخر». ويضيف قائلاً: «السياج له تأثير قوي وعميق جدًّا»، لأنه يمنع الأسود من افتراس الماشية والناس، مما يعني أن عددًا أقل من الأسود يُقتَل بدافع الانتقام. يود بيكر أن يقام سياج حتى حول بعض أكبر المناطق المحمية، مثل محمية سيلوس جيم في تنزانيا، التي تبلغ مساحتها 47,000 كم مربع.

أثارت الورقة البحثية مناقشات ساخنة، سواءً على الإنترنت، أم في الملتقيات، مما أدى بعد أربعة أشهر من نشرها إلى الرد المشترك عليها من قِبَل 55 باحثاً4، حيث ادّعى الباحثون أن تحليل بيكر خاطئ، لاستخدامه الكثافة العددية للأسود كمعيار وحيد. من هذا المنطلق، يقول الباحثون إن كثافة عددية تبلغ عدة عشرات من الأسود في محمية صغيرة تُعَدّ نجاحًا، بينما يُعتبر احتواء محمية ضخمة على 600 أسد فشلًا. وحينما اقتصر المؤلفون4 في دراستهم على التجمعات التي لا تتجاوز فيها الكثافة العددية للأسود قدرة الأرض على دعمها، ثم أخذوا في الحسبان تأثير ميزانية إدارة المحمية، لم يجدوا علاقة بين وجود السياج والكثافة العددية.

كبر الصورة


يقول المؤلف الأول لتلك الدراسة، سكوت كريل من جامعة ولاية مونتانا في بوزمان، إنه على أهمية وضع السياج حول المحميات الصغيرة المموّلة جيدًا، فإن معظم الأسود البرية في أفريقيا تعيش في محميات كبيرة بتمويل متواضع. ويضيف قائلاً: «إذا بنيتَ سياجًا، وأنفقت عليه الكثير من المال، فيمكنك الحفاظ على الكثير من الأسود بداخله. المشكلة هي أننا لا نعرف الكثير عن آلية عمل السياج في النظم البيئية الهائلة التي تعمل بميزانيات أصغر».

أجاب فريق بيكر على هذا الرد بنشر إعادة لتحليلهم5. وبدلاً من استبعاد تجمعات الأسود ذات الكثافة فوق المشبعة من المعادلة، خصص الباحثون لها كثافة 100%. ومرة أخرى، لاحظوا أن وجود السياج يمثل أقوى مؤشر على الكثافة العددية للأسود، حسب قول بيكر. ويعارض كريل ذلك بأن إعادة التحليل لا تُظهِر أي تأثير لوضع السياج على حجم الكثافة العددية، وبالتالي فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان وضعه سيكون له تأثير في حماية الأسد في نظم إيكولوجية طبيعية كبيرة، أم لا.

ينقسم الباحثون الآخرون حول أكثر الحُجّتين إقناعًا بالنسبة لهم. يقول مات هايوارد ـ من جامعة بانجور، المملكة المتحدة، الذي شارك في تأليف كتاب عن الحفاظ على الحيوانات عن طريق وضع سياج حولها ـ إن كلا الجانبين سجّل نقاطاً، وإن الخلاف يتجاوز الإحصاءات إلى «نقاش فلسفي عاطفي جدًّا». ويضيف قائلًا إن «بعض الناس يقولون: انظروا، نحن لا نريد أي سياج في المشهد. نحن نريد الحفاظ على الحياة البرية تتحرك أينما تريد».

ويقول كثيرون، وهم مُحِقُّون في ذلك: السياج المشيد بطريقة غير مدروسة قد يعوق بحث الحيوانات عن الغذاء في الأوقات الصعبة، كما قد يؤدي إلى وقوع خسائر في أنواع عديدة، كالفهود والكلاب البرية، التي تحتاج إلى مساحات كبيرة من الأراضي. تتساءل ناتالي بيتوريللي من معهد لندن لعلم الحيوان، والمؤلفة المشارِكة لكريل، قائلة: «هل إنقاذ الأسود فوق كل شيء آخر؟ لا يمكنك إدارة بيئة طبيعية من خلال النظر إلى سلالة واحدة فقط».

وكمائن لحوم الصيد المصنوعة من أسلاك تم نزعها من السياج تشكل خطرًا آخر. وبوسع تلك الكمائن الإمساك بالأسود والفيلة وغيرها من أنواع الحيوانات، بل وربما قتلها، وهي تمثل مشكلة خطيرة في أماكن معينة، مثل زامبيا. يقول بيكر إنه إذا بُني السياج بشكل صحيح ـ رغم تكلفته العالية ـ فإنه لن يدعم عمل الكمائن. ويقول إن هدف المعارضين المتمثل في الإبقاء على مناطق طبيعية مفتوحة ليس عمليًّا بالمرة، إذا ما أخذنا في الاعتبار الزيادة المتصاعدة لسكان أفريقيا من البشر.

لقد حاول بالفعل حشد تأييد المسؤولين الأفريقيين؛ لإقرار الحاجة إلى استخدام السياج، كما يأمل أيضًا أن تموّل الجهات المانحة المهتمة بمشاريع الحفاظ على البيئة، مثل البنك الدولي، إقامة سياج حول محمية كبيرة. وفي الوقت نفسه، فالعديد من أولئك الذين يعارضون الفكرة يفضلون أن يروا تلك الأموال تصب في أساليب قد أثبتت جدواها، مثل إنفاذ القانون.

هذا.. ويلتقي المعسكران المتعارضان أيضًا على مساحة كبيرة من الأرضية المشتركة. يقول المؤلفون المشاركون لكريل إن السياج يمكن أن يكون فعّالًا، بينما يوافق حلفاء بيكر على أنه غير مناسب لكثير من المناطق.

ويتشاجر العلماء حول هذه القضية.. «فالأسود تختفي بشكل أسرع من أي وقت مضى»، كما يقول فيليب هينشل، المتخصص في الحفاظ على الأسود بمجموعة «بانثيرا» للحفاظ على الحيوانات، الذي وقّع ورقة كريل العلمية (انظر: «أسباب للقلق»). ويضيف قائلًا: «يجب على المجتمع أن يتفق على شيء واحد، هو أن الحفاظ على الأسود بشكل فعّال يتطلب تمويلاً أكثر بكثير مما هو متاح حاليًا».

  1. Riggio, J. et al. Biodivers. Conserv. 22, 1735 (2013).

  2. Henschel, P. et al. CATnews 52, 3439 (2010).

  3. Packer, C. et al. Ecol. Lett. 16, 635641 (2013).

  4. Creel, S. et al. Ecol. Lett. 16, 1413e3 (2013).

  5. Packer, C. et al. Ecol. Lett. 16, 1414e4 (2013).