رؤية كونية

الإثـارة في استـكشاف الفضــاء من الثوابـت العالميـة

في فيلم «الجاذبية»، تُمَثِّل ساندرا بولوك رجل الشارع، وتُذَكِّر كولِن ماسيلوَين أنه ما زال ممكنًا للعِلْم والاكتشاف أن يكونا مُلْهِمَيْن

كولِن ماسيلوَين
  • Published online:

في عام 1969، كانت لحظةُ ظهور رجل ذي اسم ينتمي إلى الحدود الاسكتلندية على شاشة تلفاز متذبذبة، وهو يخطو خطوة صغيرة من أجل البشرية كلها لحظةً فارِقة بالنسبة إلى صبي صغير، كَبُرَ وترعرع بالقرب من مدينة جلاسكو.

ومنذ انتهاء برنامج «أبوللو»، التابع لوكالة «ناسا» في عام 1972، شهد النقاش حول السفر إلى الفضاء، في الولايات المتحدة وأوروبا، حُجَجًا مُحيِّرة حول ما إذا كانت رحلات الفضاء «عِلْمًا» متطورًا حقًا، أم لا.

وبالنسبة إلى هذا الطفل ـ في عام 1969 ـ كان السفرُ في الفضاء، والاكتشاف، والعِلْم شيئًا واحدًا. ومن الغريب أن يحتاج الأمر إلى عمل فيلم رائع، مثل فيلم «الجاذبية»، ليُذَكِّرَني بأنّ هذه الثلاثة ما زالت شيئًا واحدًا، وأن الولايات المتحدة وأوروبا قامتا ـ إلى حد ما، تحت إصرار مجتمعاتهما العلمية ـ بالتخلي عن طموحاتهما في رحلات الفضاء، وأفسحتا المجال للصين والهند. أنا لا أرثي هذا التسليم.. بل أشير فقط إلى أنه لن يؤدي إلا إلى دَحْر زعامة الولايات المتحدة في العلوم والتقنية العالمية، بالرغم من الحجج التي تقول عكس ذلك.

تحمِل أحداث فيلم «الجاذبية» تلميحًا بسيطًا لانفلات ريادة رحلات الفضاء من قبضة الولايات المتحدة (تحذير: هذا المقال قد يكشف بعض أحداث الفيلم).

في أداء رائع، يلهِم بمستقبل واعِد، تلعب ساندرا بولوك دور الإنسان العادي المليء بالعزيمة والشك، لتجسِّد كل شكوكنا ومخاوفنا. وفي بداية الفيلم، يتم ضرب محطة الفضاء الدولية بواسطة حطام؛ لنرى مظلات ملونة بالعلم الأمريكي ممزقةً ورَثّة أثناء انهيار المحطة. بعد ذلك، يأتي الخلاص عن طريق حُجَيْرة إعادة إدخال صينية، تعود إلى الأرض بمظلات منتفخة مُزَيَّنَة بكسوة ملونة بالأحمر والأبيض والأزرق، في حياديّة شديدة الغرابة. من الواضح أن فريق الفيلم استشعر أن وجود مشهد يحوي علم جمهورية الصين الشعبية ذا اللون الأحمر الداكن سيكون بالنسبة إلى جمهور أمريكي شيئًا من الصعب تَحَمُّله، لكنّ الأمور كلها ستكون واضحة حيثما يُعرَض الفيلم. (بعد تصوير الفيلم ومحاكاته بالكمبيوتر بشق الأنفس على مدى عدة أشهر بواسطة المخرج ألفونصو كوارون، يبدو فيلم «الجاذبية» وكأنه تم تصويره في الموقع الحقيقي للأحداث).

كانت رؤية محطة الفضاء القديمة في فيلم مؤثرة للغاية.. فأنا أعرفها جيدًا. في عام 1984، وفي مُستَهَل مشروع محطة الفضاء، نادت مقالة افتتاحية في هذه الدوريّة بإلغاء المشروع (انظر: Nature 307, 1–2; 1984). وبعدها بخمسة أعوام، قمتُ بالزحف عبر نموذج خشبي للمحطة بالحجم نفسه في هانتسفيل بولاية ألاباما. وقد كنت في كابيتول هيل بواشنطن، عندما رُفِضَ اقتراح بإيقاف المشروع ـ بفارق صوت واحد فقط ـ في مجلس النواب الأمريكي في عام 1993.

البعثة العلمية التي تأسِر خيال الجميع شيءٌ نادر وثمين

في ذلك الوقت، كان للجنة العلوم بمجلس النواب شعار مُعَلَّق على الحائط، يقول: «عند انعدام الرؤية؛ تهلك الشعوب». ومحطة الفضاء لم تكن رؤيتها واضحة بما يكفي.. بل كانت شكلًا من أشكال التراجع. فقد قامت الولايات المتحدة وشركاؤها ببناء محطة فضاء في طريق عودتهم من الفضاء. وسوف تفعل الصين ذلك في طريقها للصعود. المنطق السياسي حتميٌّ إذن. إنّ إنشاء برنامج فضائي بطاقم بشري سيوحِّد شعب أي بلد ويحفِّزه. وإذا امتلكتَ المال العام ـ كما هو الحال في الصين ـ فلن تكون هناك أولوية أكثر وضوحًا.

هذا الجهد سوف يعود بالمكاسب، دون شك.. فرحلات الفضاء ليست مثل معرفة التسلسل الجيني، أو صناعة الشرائح الإلكترونية، التي من الممكن لأي شخص صناعتها إذا اشترى الآلات المطلوبة لذلك. وعِلْم الصواريخ ـ وهو ما هو.. ـ عِلْمٌ صعب، ويتطلب الكثير من المال، والتكنولوجيا، والمعلومات، والجهد... إلخ، ومن الممكن أن يستعصِي حتى على أكثر الشعوب المتطورة تقنيًّا، مثلما يتبيّن عجز اليابان المستمر عن إتقانه.

يُقال إنّ برنامج «أبوللو» لم يسفر عن الكثير، إلا أن هذا القول يُعتبَر إساءة تقدير.. فقد كنتُ في هانتسفيل في عام 1989 لزيارة «إنترجراف» ـ وهي شركة كمبيوتر تابعة لوكالة «ناسا» ـ التي قامت بتطوير شرائح «ريسك» RISC (وتعني الحوسبة منخفضة التعليمات). هذه الشرائح ولَّدَت المعالِجات الدقيقة «سبارك» SPARC، ومحطات عمل «يونكس» الرخيصة، والرسوم الحاسوبية الحديثة. وفي نهاية المطاف، تم تحريك الصور البارعة التي أنتجها الحاسوب، والتي يُثـنَى على فيلم «الجاذبية» بسببها، جزئيًّا من خلال برنامج «أبوللو» نفسه.

كان هذا جهدًا جماعيًّا، ومع ذلك.. فالخطاب السائد في الولايات المتحدة يفترض أن الابتكار يأتي من الأفراد، ومن بينهم اللصوص المرتدُون لسراويل تشينو، المُحتَفَى بهم في أفلام ضعيفة، مثل فيلم «الشبكة الاجتماعية» الذي أُنتج عام 2010، والذي يروي نشأة "فيسبوك". إنّ علماء ومهندسي برنامج «أبوللو» لم يحظوا باهتمام شعبي، ولم يحصلوا على مكافآت.. ودورهم الحاسم في دفع الابتكار قُدُمًا ـ خصوصًا في مجالَي الحوسبة، والتصنيع ـ لم يُقدَّر بشكل كافٍ.

بالرغم من نجاح وكالة «ناسا» في عملها، فقد شابتها ـ منذ إنشائها ـ عيوب خطيرة.. فطاقمها من رواد الفضاء كله من الذكور، وتقريبًا جميعهم من ذوي البشرة البيضاء، مثلما لاحظ ذلك الموسيقار جيل سكوت هيرون بأَسًى في رائعته عام 1970 "الرجل الأبيض على القمر". وقد أرسلت «ناسا» أوّل رائد فضاء أمريكي ـ من أصل أفريقي ـ لها، جاين بلافورد، وأوّل رائدة فضاء، سالي رايد، في عام 1983 فقط، في حين أرسلت روسيا امرأةً إلى الفضاء في عام 1963؛ وتبعتها الصين في العام الماضي بعد تسعة أعوام من إرسال أوّل رجل لها إلى الفضاء.

هناك عديد من البعثات العلمية يمكنها إلهام مَنْ يؤمن بها حقًّا. ففي إحدى المرات، كنت مع فريق «نيتشر» في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، وقابلت عاشقَين عاطلَين يعزفان موسيقى الروك، وأخبرانا بكل جدية عن ملصقات الجينوم البشري على سقف غرفة نومهما. لدينا جُسيم «هيجز» الذي يستهوِي البحث عنه عشاق العلوم في جميع أنحاء العالم، لكنّ البعثة العلمية التي تأسِر خيال الجميع شيءٌ نادر وثمين.

في منتصف نوفمبر 2013، سمعت طفلًا يبلغ من العمر ثلاث سنوات في حافلة أدنبرة يقول لأمه: «أريد أن أذهب إلى القمر»؛ فردَّت عليه كاذبةً: «يمكنك أن تصبح رائد فضاء!» إنّ الشخص القادم الذي سيذهب إلى القمر لن يكون ذا اسم اسكتلندي، مثل نيل أرمسترونج، وربما لن يكون حتى رجلًا، ولكنه سيولّد الإثارة نفسها التي احتوى عليها فيلم «الجاذبية»، والتي ستجلب لساندرا بولوك وألفونسو كوارون جائزتَيْ «أوسكار» لعام 2014.