افتتاحيات

حديقة الحيـوانات الجديدة

رُغم الخلاف الدائر، ينبغي الترحيب بالتغييرات التي أُجريت على التسميات العالمية للحيوانات.

  • Published online:

استغرق التغيير الذي حل العام الماضي، والذي سمح لعلماء الحيوان بتسمية الأنواع الجديدة في الدوريات الأكاديمية المتاحة فقط عبر الإنترنت، وقتًا طويلًا. ومن ثم، لم يكن من قبيل المفاجأة أن يستمر الخلاف، وأن تعلو نبرته. إنّ الناشرين ـ ومن بينهم ناشرو هذه الدوريّة ـ يدركون تمامًا حجم التعقيدات التي تواجه عمليات التسمية وإطلاق المصطلحات، تمامًا كَوَعْيِهم بالاحتمالات والمشكلات والعقبات التي تؤثر على عمليات التسمية في حقبة زمنيّة تشهد تغيرات متلاحقة وسريعة. فالتحول الراهن من وسائل الإعلام المطبوعة إلى الإلكترونية (بالرغم من أن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم عليها) يؤثر تأثيرًا كبيرًا على انتشار المعلومات، تمامًا مثلما حدث مع ابتكار الصحافة المطبوعة، ومن ثم يمكن تفهُّم مشاعر القلق التي ربما تنتاب هؤلاء الذين اعتادوا على وسائل النشر التقليدية.

وقد كان هذا القلق حافزًا لبعض المتخصصين في مجال تصنيف الحيوانات؛ للتعبير عن مخاوفهم في الوسائل المطبوعة. ففي أحد الأوراق البحثية المنشورة بـ "زوتاكسا" (A. Dubois et al. Zootaxa 375, 1–94; 2013) عبّر مجموعة من العلماء المتذمرين عن موقفهم المناهِض للتغيير الأخير الذي أجرته اللجنة الدولية لتسمية الحيوانات (ICZN) في المدونة العالمية لتسمية الحيوانات. وفيما يبدو.. تتعلق حُجة هذه المجموعة بالفنِّيَّات التي ربما تقوم من خلالها بعض نماذج النشر بجَعْل بعض التسميات «غير متاحة» على الإنترنت، أي لا تتمتع بصلاحية التصنيف. وإذا كان الأمر كذلك، فعلى اللجنة الدولية لتسمية الحيوانات أن تأخذ هذه المخاوف مأخذ الجد، وأنْ تضع تصورًا لتعديل العُرف؛ للتأكد من وضوح بنودها، وخُلُوِّها من أيّ تناقضات. وإذا كنا بصدد إصدار طبعة جديدة من هذا المدونة العالمية لتسمية الحيوانات في عام 2018، فإن الوقت ما زال كافيًا للتفكير بجدية في هذا الشأن.

ورغم ذلك.. فإننا ما زلنا بحاجة إلى ما وراء الاهتمام النزيه بالأمانة العلمية، الذي نطبقه فعليًّا الآن. فالقارئ التقليدي للورقة البحثية المنشورة في زوتاكسا (وليس معنى ذلك أن هناك قراء من نوعية معينة لورقة بحثية مكوَّنة من 94 صفحة عن التفاصيل الدقيقة لأعراف التسمية بالطبع) ربما يَخْلُص بصورة منطقية إلى أنّ لدى المؤلفين ما يجعلهم يجأرون بالشكوى. والأسباب الخمسة لذلك التذمر هي: الدرجة العالية للاقتباس التلقائي بدورية «زوتاكسا»، والتسليم بأن بعض المؤلفين اتخذوا موقفًا رافضًا للتعديلات التي أجرتها اللجنة الدولية لتسمية الحيوانات؛ وأن لديهم شعورًا قويًّا بأنّ آراءهم حيال التعديلات لم تلق الاهتمام اللازم؛ والهجوم الشخصي على الناشرين الأثرياء، باعتبارهم مناوئين لدوائر التاريخ الطبيعي المحصورة؛ واستخدام لغة انفعالية ومتطرفة أحيانًا، بما لا يتفق مع اللهجة الجافة والتقنينية المعتادة في النقاشات المتعلقة بهذه الموضوعات. (لقد تَلَقَّى الناشر الإلكتروني «بايومِد سنترال» في لندن عدة هجمات، استطاع الصمود أمامها؛ انظر: go.nature.com/vglfig).

من بين توصيات عديدة تم الإدلاء بها، وردت توصية بضرورة وجود خبراء في عمليات التسمية ضمن مجالس مراجعات الدوريات، أو - بعبارة أخرى - كادر من الأفراد المؤهلين؛ لتفسير الأمور الغامضة الخاصة بالمدونة. فالقارئ العادي يحق له أن يتساءل عن هوية القُرّاء الآخرين الذين يراهم المؤلفون مرشحين لائقين لقراءة مقالاتهم.

إن تسمية الأنواع عملية مهمة بلا شك؛ وقد عُقدت مناقشات مطولة حول قضية الديمومة، والطبيعة الثابتة وشبه المؤكدة للنشر الرقمي قبل تغيير المدونة. وقد كانت دوريّة «نيتشر» ـ وما زالت ـ مؤيدة لهذا التغيير.. فالإيجابيات ـ ببساطة شديدة ـ تفوق السلبيات؛ وكما ذكرنا في إحدى الافتتاحيات عند الإعلان عن هذا التغيير في سبتمبر 2012: «إنها لخطوة رشيدة، بل أكثر الخطوات التي يجب الاحتفاء بها في هذا المجال. إن التصنيف المناسب والأرشفة الدقيقة أمرٌ حاسمٌ في العلوم، وقد كان الخبراء في علم الحيوان مُحِقِّين في التفكير بعناية في الجوانب السلبية المحتمَلة لهذا التغيير، مثلما كانوا مُحِقِّين في الاستماع إلى الأصوات العالية الداعِيَة إلى تَبَنِّي الجديد». (Nature 489, 78; 2012).

مع الأسف، استطاع النزاع أن يحجب الأخبار السارة عن عالم تسمية الحيوانات هذا الأسبوع؛ فقد وافقت الجامعة الوطنية بسنغافورة على تمويل الأمانة العامة للجنة الدولية لتسمية الحيوانات لثلاث سنوات القادمة. وبالإضافة إلى إدارة المدونة، يقوم أعضاء اللجنة الستة والعشرون المتطوعون بالفصل في النزاعات القائمة بين العلماء بشأن تسمية حوالي 15,000 نوع، يتم توصيفهم وتسميتهم كل عام.

مع تقديم الطلبات في مواعيدها المحددة، يمكن لأعضاء اللجنة الدولية لتسمية الحيوانات النهوض بأعبائهم، دون أي عمليات انتقامية من قِبَل الجدل الدائر حول التسمية على الإنترنت أو في المطبوعات.. ذلك الجدل الذي شهد الطباعة الهزلية لنُسَخ ورقية من الدوريات المتاحة عبر الإنترنت فقط، التي تم تسليمها آنذاك للمكتبات للقيام بصياغتها بطريقة مطابقة تمامًا للعُرف. يبدو أن مؤلفي «زوتاكسا» غير قادرين على اتخاذ خطوة واحدة إلى الأمام، أو غير راغبين في ذلك؛ حيث يعانون من «وسواس دلالي» بشأن شروط المدونة التي تقضي بضرورة الإتاحة الدائمة لمواصفات الأنواع على الإنترنت. وعندما أوضح الناشرون الإلكترونيُّون الذين تواصلوا معهم عدم قيامهم بتقديم نسخ ورقية ـ بشكل روتيني ـ للملفات الموجودة على المواقع الإلكترونية للدوريات؛ اعتقد المؤلفون ـ بصورة تعسفيّة نوعًا ما ـ أن المعلومات إذن غير متاحة لهم.

إذا كانت الهدية المقرَّرة في أعياد الميلاد بالمملكة المتحدة هذا العام هي تمثال مصغَّر لأحد الأصدقاء أو الأقارب، يتم إنتاجه فورًا بطابعة ثلاثية الأبعاد، فإن التقنية المطلوبة لإتاحة ملف «بي دي إف» pdf على الإنترنت تكون ـ بلا شك ـ أكثر بساطة وسهولة. والمشكلة هي أن «المتذمِّرين» يعلمون ذلك جيدًا.