تعليقات

العدوى الطفيلية: آن الأوان لمواجهة «كريبتو»

يحمل طُفيل خفيَّة الأبواغ، والذي لم يُعرف عنه الكثير، تهديدًا خطرًا للأطفال. يدعو بوريس ستريبن علماء الأحياء الدقيقة وممولي الأبحاث أن يولوا هذا الطفيل المزيد من الاهتمام.

بوريس ستريبن
  • Published online:

<p>العدوى الطُّفيلية خفيّة الأبواغ، أو «كريبتو»، هي واحدة من أكثر أربعة مُسبّبات للإسهال الحاد لدى الأطفال الصغار. </p>

العدوى الطُّفيلية خفيّة الأبواغ، أو «كريبتو»، هي واحدة من أكثر أربعة مُسبّبات للإسهال الحاد لدى الأطفال الصغار.

ANDREW BIRAJ/REUTERS/CORBIS


كشفت دراسة1 إكلينيكيّة ووبائية ضخمة في مطلع هذا العام، أُجريت على 22500 طفل من أفريقيا وآسيا ـ بشكل غير متوقَّع ـ أنَّ الطُّفيل المكوَّن من خليّة واحدة، الذي يُعرف باسم «داء خَفِيَّات الأبْواغ» (cryptosporidium)، أو «كريبتو» اختصارًا، هو واحد من أربعة مُمْرِضات مسؤولة عن التّسبب في أكثر حالات الإسهال الحادّ لدى الأطفال والرُّضَّع. والإسهال ـ وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية WHO ـ مسؤول عن %10.5 من 8 ملايين حالة وفيات تقريبًا لدى الأطفال تحت سن الخامسة كل عام2. وللمقارنة: (تتسبَّب الملاريا بما يُشكّل %7 من هذا العدد من الوفيات، بينما يتسبَّب مرض نقص المناعة «الإيدز» في %2 فقط).

يتم الآن توفير العلاج واللِّقاحات ـ أو هي قيد التطوير السريع ـ لثلاثة من هذه المُمْرِضات الأربعة التي تمّ تحديدها: فيروس روتا (Rotavirus)، وبكتيريا الشيجيلّا (Shigella)، والإشرشية القوْلونيّة مُوَلِّدة السُّمّ المعويّ (Enterotoxigenic Escherichia coli)، (انظر: «قاتل الأطفال»)، إلّا أنّه لا يتوفر حتى الآن أي دواء أو لقاح تام الفعاليّة لكريبتو، وما زالت هناك حاجة إلى البِنْيَة الأساسية والأدوات الملائمة لاكتشاف وتقييم وتطوير علاج له.

هناك انطباع سائد بأنّ «كريبتو» مُعضلة عَصِيّة على الحلّ، رغم أنه طُفيل مثيرٌ للاهتمام، وذلك نظرًا إلى التحديات التقنيّة الموجودة للعمل على هذا الطُفيل في المُختبر. على سبيل المثال.. لا تدوم المزارع المخبرية لكريبتو إلّا أيامًا معدودة على الأكثر، كما تتعذّرُ دراسةُ بعض سُلالاته التي تُصيب الإنسان في كائنات حية نموذجية، كالفئران، بسهولة. وهو ما أدَّى إلى عزوف علماء الأحياء وممولي الأبحاث عن دراسة هذا الطفيل. فقد أظهر بحثٌ عبر محرك پبْ مِيد (PubMed) أنّه خلال الخمس سنوات الماضية، فاق عدد المقالات التي نُشِرت عن الملاريا عشرين ضعف تلك التي نُشرت عن كريبتو، إلّا أنّني أؤمن أنه باستخدام أدوات وأساليب البحث المناسبة، وبتخصيص الموارد المالية الكافية، سيكون هدف منع الوفيات التي يُسبِّبها هذا الطُفيل واقعيًّا. إضافة إلى ذلك.. فعند وضع كريبتو في مركز اهتمام أبحاث علم الأحياء الدقيقة، فإنّ ذلك قد يزوِّدنا بمفاهيم آلية أساسية عن الملوّثات المعوية عمومًا.


المُشكلة مستمرة

يُصاب الناس بكريبتو عبر تناول بُيوض مُتكيِّسة شبيهة بالأبواغ (Oocyst)، وعادةً يحدث ذلك عند شرب مياه ملوَّثة (انظر: «أهداف سهلة»). وتباعًا، تغزو الطُّفيليات التي تنشأ من هذه الأبواغ الخلايا البطانية التي تُبطِّن الأمعاء الدقيقة، دافعةً الخلايا إلى تكوين بِنًى داخلية لإيواء الطفيل. تُزوِّد هذه التراكيب الطفيليّات بالمواد المُغذِّية، وتضعها على السَطح الفاصل بين القناة الهضمية ومُحتوياتها. وعادةً ما تسبِّب العدوى حدوث إسهال حاد، يدوم من أسبوع إلى أسبوعين، لكن المرض قد يمتد طويلًا لدى الأشخاص المصابين بالإيدز، أو الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، وقد يُودِي في النهاية بحياة المصاب.

كبر الصورة

SOURCE: REF. 1

لكريبتو علاج دوائي واحد فقط مُصرّح به من قِبَل إدارة الغذاء والدّواء الأمريكية (FDA)، هو: نيتازوكسانيد (nitazoxanide)، المُسوَّق باسم ألِينْيَا (Alinia). وقد بيّنت دراسات إكلينيكية3 تم إجراؤها في مصر أنّ للأطفال الأصحاء والبالغين، الذين يعانون من الإسهال نتيجة كريبتو، فرصة مضاعفة للشفاء من الطفيل في غضون أسبوع، عندما يتم علاجهم بهذا الدواء، إلا أن الأشخاص الذين يشكل هذا المرض خطورة على حياتهم بحاجة إلى علاج أفضل. ففي دراسة4 أجريت في زامبيا، اختفت أعراض الإسهال لدى أقل من %25 من الأطفال الذين يعانون من سوء التّغذية بعد العلاج بنيتازوكسانيد. وفي الوقت نفسه، اتضح أنه لم يكن للعقار أي أثر على الأطفال أو البالغين الذين يعانون من تثبيط جهاز المناعة، مثلًا بسبب الإصابة بفيروس معيّن، كالإيدز.

اكتسب كريبتو ـ عبر النّقل الجيني الأفقي ـ جينات متنوّعة من البكتيريا بمشاركتها بيئتها المعوِيَّة، التي يُعرف عن بعضِها ارتباطه بأمراض بكتيريّة. كما قد يستخدم كريبتو نواتِج من عملية الأيض الخاصّة بالبكتيريا؛ لمساعدته على النموّ، وتمكينه من الإمْراض. وقد يتمكن الباحثون ـ عبر استهداف بعض النواتج الخاصة بهذه الجينات ـ من التوصّل إلى علاجات تساعد في تعطيل قنوات خاصّة بالطفيل، دون إحداث أي تأثير على الخلايا البشرية5.

إضافةً إلى ذلك.. يمتلك كريبتو جينومًا صغيرًا، ودورة حياتيّة بسيطة تتطلب جسمَ عائلٍ واحدٍ فقط، وعملية تكاثر مباشرة نسبيًّا. لذا.. لا بدّ أنّه بالإمكان تهجين سلالات الطفيل. فمثلًا، يمكننا عبر تهجين السُّلالات التي تختلف حسب العائل الذي تُصيبه ـ كالفئران السليمة، مقارنةً بالفئران المصابة بخلل في نظامها المناعي ـ إلقاء الضوء على الجينات والآليات المُسبِّبة للمرض.

وقد كَشَفَ تحليل التسلسل الجيني لنوعين من كريبتو يصيبان البشر6،7 عن نقاط الضعف التي تعتري عملية الأيض البسيطة للطُّفيل. فخلايا الثدييات لها طرق عديدة لإنتاج نواتج أيضيّة معينة؛ إلّا أنّ كريبتو يعتمد على طريقة واحدة فقط، تقتصر على استخدام مركّبات مُستعارة من جسم الإنسان العائل، أو من البكتيريا. لذا.. تبدو بعض الأدوية المُصمَّمة لاستهداف مثل هذه الطرق ـ مثل معارضة الإنزيمات التي تُزوّد الطفيل بالوحدات الأساسية اللازمة لبناء مادة الحمض النّووي والحمض النّووي الريبي ـ واعِدةً نوعًا ما.

كبر الصورة


قد يكون من الاحتمالات الأخرى المتاحة تحوير أهداف الأدوية المُستخدمة في علاج أمراض أخرى8. فمثلًا، بإمكان الستاتين (Statin)، المُستخدَم لخفض الكوليسترول، معارضة مقدرة كريبتو في الحصول على دهون مهمّة من خلايا جسم العائل. وقد يتم توجيه الجهود إلى إيجاد علاجات عبر استغلال برامج قائمة واسعة النطاق، مخصصة لإيجاد أدوية للملاريا، حيث إنّ كريبتو مرتبط بطُفيل (Plasmodium) المُسبِّب للملاريا.

التّحدي الرئيس الذي يَحُول دون إيجاد أدوية للعلاج من هذا الطُّفيل يكمن في نقص الأدوات اللازمة لاختبار وإجازة أهداف مُحتمَلة، أو أصناف واعدة لمركبات دوائية. وفي الوقت الرّاهن، لا تُعتبر الاختبارات الدّوائية قويّة بالقدر الكافي، كما أنّها غير قابلة للتوسيع، عن طريق تسخير التقنيات المتقدمة المستخدمة في فحص مئات الآلاف من الأدوية المرشَّحة.

الطفيليات المُهندَسَة جينيًّا لاستخلاص بروتينات مُنتِجة للضوء أو اللون، مثل بروتين الاستشعاع الأخضر (Green Fluorescent Protein) المُستخرَج من قنديل البحر، تُمكِّن الباحثين من الكشف عن روابط قوية للعدوى بطريقة سهلة التكرار وغير مكلّفة، والقيام بذلك للعديد من الأمراض المُعدية، كالملاريا، والسّل. وقد يكون بالإمكان نقل مثل هذه التّقنيات إلى دراسة كريبتو.


العدوى النّاجمة

لا شك أنّ الأفضل من إيجاد الأدوية الفعالة لعلاج كريبتو هو بالتأكيد منع حدوث المرض من الأساس. وبالرّغم من أنّ كريبتو يصيب الكثير من الأطفال والرُّضع، إلّا أنَّه من النّادر اكتشافه لدى الأطفال الذين تجاوزوا عامهم الثاني، الأمر الذي قد يوحي بأنّ الأطفال يطوِّرون مناعة طبيعية مضادّة. وهذه الفكرة مُدعَّمة بدراسات أجْرِيت على الحيوانات. ففي واحدة من هذه الدراسات، استطاعت اللقاحات التي تحتوي على الطُّفيل حماية العجول والمواشي9؛ وفي دراسة أخرى، أظهرت صغار الخنازير التي سبق أن أصيبت بأحد أنواع كريبتو مقاومةً تامّة للنوع نفسه الذي أصيبت به لاحقًا، كما ظهرت لديها أعراض طفيفة عقب الإصابة بالعدوى بأنواع أخرى للطُّفيل نفسه10.

تشير دراسات صغيرة أجريت على نحو عشرين متطوعًا بالغًا إلى أنّه بالرّغم من أنّ العدوى قد لا تقي من الإصابة بالمرض لاحقًا، إلّا أنّها قد تقلِّل من حدّته11. لذا.. فإنّ تطوير اللّقاحات التي تحتوي على الطُّفيليات، التي تبيّن أنّها غير قادرة على الإصابة بالمرض، عبر التّشعيع أو الهندسة الوراثية، تبدو أكثر الأساليب أملًا. وقد تَبيَّن أن مثل هذه اللّقاحات ساعدت في الوقاية من عدوى طُفيليّات أخرى، كالملاريا12، وداء اللِّيشمانيِّات (Leishmaniasis).

يمكن لنقل التقنيات من الأبحاث العتيدة إلى الأبحاث الناشئة أنْ يسهم في الابتكار كثيرًا. فمثلًا، كشف تطبيق المعارف والتقنيّات المرتبطة بالتّعديلات الوراثية لذبابة الفاكهة كيفية قيام البعوض باشتمام وتمييز البشر، مقدِّمًا أفكارًا لإيجاد طرقٍ لتطوير المُنفِّرات والطُّعوم. أمّا بالنّسبة إلى كريبتو، فقد يكون من المُجْدِي تطوير الأفكار والأدوات المرتبطة بطُفيل داء المقوَّسة (Toxoplasma)، وطُفيل المتصوّرة (Plasmodium)، بما في ذلك كيفية إبطال قدرتيهما على الإصابة بالمرض.

إنّ استخدام الحيوانات التي تُحاكي عملية العدوى والإصابة بالمرض لدى الإنسان بشكل أفضل من تلك المستخدمة حاليًا سيتيح للباحثين دراسة تأثير البكتيريا المعويّة المتعايشة على عدوى كريبتو. على سبيل المثال.. تُعتبر العجول وصغار الخنازير عائلات طبيعية لأنواع كريبتو التي تُصيب البشر.

يُعَدّ توفير الموارد المالية ضرورة أساسية.. إذ تنفق المؤسسة القومية الأمريكية للصحة (NIH) حوالي 4.3 مليون دولار أمريكي كل عام على 12 مشروعًا من مشروعات كريبتو، مقارنةً بنحو 300 مليون دولار أمريكي تُنفقها على أكثر من 600 مشروع خاص بدراسة الملاريا.

عادةً، تُلقي لجان المُراجعة للوكالات الحكومية نظرةً ضبابية على الدّراسات التي يتم إجراؤها على كائنات حيّة غير نموذجية، والتي يكون احتمال فشلها أعلى من تلك التي تُجرى في إطار أنظمة راسخة، أو تتطلّب استثمارًا أوّليًّا ضخمًا من الناحية التّقنية. هذا.. بينما تحاول المنظمات الإنسانية ـ كمؤسسة بيل ومليندا جيتس، المتمركزة في سياتل بواشنطن ـ التركيز على البرامج العلاجية، عوضًا عن برامج الأبحاث الأساسية، في حين لا ترى الصناعات سوقًا واعدًا لاستثماراتها في مرضٍ، جُلُّ تأثيره على حياة الفقراء.

على الرّغم من ذلك.. قدمت المؤسسة القومية للصحة، ومؤسسة جيتس حتى الآن استثمارات مهمّة في مشروعات مصمَّمة للتعرف على أسباب الإسهال في الطفولة المبكرة. وحاليًا، تقع على عاتق هذه المنظمات مسؤولية العمل بناءً على اكتشافاتهم. زِدْ على ذلك.. أن كريبتو يقتل الحيوانات الصغيرة أيضًا، ولذا.. فإمكانيّة الوقاية منه أو مكافحته في المواشي قد تحيي اهتمامات وموارد وخبرات القطاع الصناعي.

إنّني على ثقةٍ من أنّه بالإضافة إلى إنقاذ مئات الآلاف من الأنفس صغيرة العمر، والتخفيف من معاناة الرضّع والأطفال وذويهم، ستكون هناك منافع واسعة النّطاق لوَضْع كريبتو في مقدمة أبحاث علم الأحياء الدّقيقة، ومن المحتمل أن يصبح منظومة نموذجية ممتازة لفهم التفاعلات المُعقّـدة بين مُسبِّبات الأمراض، وتغذية العائل، والالتهاب، والنطاق الحيوي المعوي الدقيق.


  1. Kotloff, K. L. et al. Lancet 382, 209222 (2013).

  2. Liu, L. et al. Lancet 379, 21512161 (2012).

  3. Rossignol, J.-F. A., Ayoub, A. & Ayers, M. S. J. Infect. Dis. 184, 103106 (2001).

  4. Amadi, B. et al. Lancet 360, 13751380 (2002).

  5. Umejiego, N. N. et al. Chem. Biol. 15, 7077 (2008).

  6. Abrahamsen, M. S. et al. Science 304, 441445 (2004).

  7. Xu, P. et al. Nature 431, 11071112 (2004).

  8. Bessoff, K., Sateriale, A., Lee, K. K. & Huston, C. D. Antimicrob. Agents Chemother. 57, 18041814 (2013).

  9. Jenkins, M., Higgins, J., Kniel, K., Trout, J. & Fayer, R. J. Parasitol. 90, 11781180 (2004).

  10. Sheoran, A., Wiffin, A., Widmer, G., Singh, P. & Tzipori, S. J. Infect. Dis. 205, 10191023 (2012).

  11. Okhuysen, P. C., Chappell, C. L., Sterling, C. R., Jakubowski, W. & DuPont, H. L. Infect. Immun. 66, 441443 (1998).

  12. Seder, R. A. et al. Science 341, 13591365 (2013).