تحقيق إخباري

الملاريا: سباق ضدّ الـمقــــاومــة

قد تتمكن عدة دول أفريقية من توجيه ضربة قوية ضد الملاريا بالتضحية بفعالية بعض الأدوية القديمة. فهل سيتمكنون من تحقيق هذا؟

آمي ماكْسِمِن
  • Published online:

إنه سبتمبر في جنوب شرق مالي، ولوكا كوليبالي يقف في ظل بناء أسمنتي قصير، موجهًا تعليمات لعشرات الرجال والنساء الجالسين على مقعد خشبي متعرج. يعمل كوليبالي ـ المشرف الطبي المحلي ـ على توزيع عبوات مغلفة بالنايلون، مُلِئ كلٌّ منها بأكياس معبأة بأقراص، وأكواب بلاستيكية، وهاون ومدقة من الخزف، تتوقف النسوة أمامهما بإعجاب. ومع حلول الظهيرة، كان الرجال والنساء يجمعون أغراضهم عائدين إلى قراهم، إما سيرًا على الأقدام، أو على الدراجات والدراجات النارية.

في اليوم التالي، سيقومون هم وحوالي 1,400 من العاملين الصحيين في جميع أنحاء المنطقة بإنشاء محلات في الأماكن العامة: تحت ظلال أشجار المانجو، أو في مدارس الفصل الواحد، أو في أكشاك السوق، وفي المراكز الصحية التابعة للمنطقة. سيمزجون الأقراص ويسحقونها باستخدام الهاون والمدقة، ويذيبونها في كوب الماء، ويناولون السائل المرّ الأصفر اللون كالهندباء إلى حوالي 164,000 طفل .

يندرج هذا الجهد في إطار حملة واسعة للوقاية من الملاريا عن طريق إعطاء الأطفال الأفريقيين الأدوية المستخدمة عادة في علاج المرض. وقد تلقى ما يقرب من 1.2 مليون طفل سليم من أجزاء من مالي وتوجو وتشاد والنيجر ونيجيريا والسنغال هذه الأدوية خلال موسم الأمطار ـ الذي يمتد بين شهري يوليو ونوفمبر ـ الذي تهاجم الملاريا فيه السكان عادة.

تلجأ حكومات البلدان إلى هذا الإجراء ـ الذي يعرف باسم «الوقاية الكيمائية من الملاريا الموسمية» SMC ـ بدعم ماليّ من الولايات المتحدة والأمم المتحدة ومنظمة المساعدات الطبية «أطباء بلا حدود». وفي هذا العام، يخطط العديد لتوسيع الحملات، وتأمل بلدان أخرى في إطلاق حملات خاصة بها، بتشجيع من التوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية.

إن الاستعمال الوقائي للأدوية المضادة للملاريا ليس أمرًا جديدًا.. فالسياح يتجرعونها بشكل روتيني عند السفر، لكن المسؤولين في مجال الصحة العامة لطالما أوعزوا إلى الناس الذين يعيشون في المناطق التي تتوطّن فيها الملاريا بالامتناع عن تناول الأدوية وقائيًّا. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الخوف من أن تطوّر الطفيليات المسببة للملاريا مقاومة عند تناول الكثير من الناس لهذا الدواء على مدى طويل.

لم يختف هذا الخطر حتى الآن. وفي واقع الأمر يتوقع العلماء أن تؤدي الوقاية الكيميائية من الملاريا الموسمية إلى تشجيع انتشار مقاومة الأدوية. لا أحد يعرف متى بالضبط، ولكنها قد تحدث خلال أقلّ من خمس سنوات. وحتى ذلك الحين، ستتمكن الوقاية الكيميائية من منع حدوث 8.8 مليون إصابة و80,000 حالة وفاة سنويًّا، إذا ما نُفذت في المناطق ذات المعدّلات العالية من الملاريا الموسمية. وهذه ـ في حدّ ذاتها ـ فائدة مرتفعة بما يكفي لتبرير خسارة الأدوية .

يقول كوليبالي، أحد مواطني مالي، الذي وظفّته منظمة «أطباء بلا حدود» لتدريب العاملين الصحيين المحليين: «الحياة مخاطرة. وإذا تجنّبْتَ المخاطرة؛ فلن تكسب».

لقد صُمِّم هذا المشروع لمنع نشوء مقاومة الأدوية أطول وقت ممكن، ولتنفيذه بالتنسيق مع استخدام الناموسيات وغيرها من الأساليب الوقائية. ويأمل مؤيدوه بأن يُسْفِر هذا الجمع عن تقليل إصابات الملاريا بشكل ملحوظ، فحتى لو ازدادت مقاومة الأدوية، سيكون عدد الحالات التي ستحدث فيما بعد قليلًا، ويمكن علاجها بأدوية أخرى، إلا أن الوقاية الكيميائية من الملاريا الموسمية لن تُكَلَّل بالنجاح إذا تعثّر التمويل والبنية التحتية للمشروع. وحتى الآن، كانت بداية البرامج مهزوزة. ومع ذلك.. يقول المدافعون إن التحديات يمكن التغلب عليها. «إن الوقاية الكيميائية من الملاريا الموسمية أمر ممكن، لكن ذلك يتطلب تنظيمًا، وسلسلة من الخطوات والمال لدعمه»، كما ترى استريلا لاسري، المستشار الفني للوقاية الكيماوية من الملاريا في منظمة «أطباء بلا حدود».


عندما تأتي النوايا بنتائج عكسية

تعطينا المحاولات السابقة في الوقاية الكيماوية من الملاريا ـ التي أجريت على نطاق واسع ـ دروسًا في ما لا يجب فعله. ففي خمسينات القرن العشرين، عمد ديفيد كلايد، وهو باحث الملاريا ضمن فريق الخدمات الطبية البريطانية الاستعمارية، إلى إعطاء عقار بيريميثامين إلى القرويين في تنزانيا. في ذلك الوقت، كان للبيريميثامين سجلّ قوي في القضاء على هذا الطفيليّ، لكن مع أي دواء، هناك فرصة ضئيلة لظهور مقاومة لدى بعض سلالات الطفيلي تمكّنها من البقاء على قيد الحياة وإصابة الآخرين، وهي فرصة تزداد عندما يتناول كثيرٌ من الناس الدواء في منطقة تضمّ عددًا وفيرًا من الطفيليّات على مدار السنة.

وقد عادت تجربة كلايد بهذا المفهوم إلى بريطانيا، فقد انخفضت معدلات الملاريا في البداية، ولكن بعد خمسة أشهر، توقفت %37 من حالات العدوى في القرية عن الاستجابة للدواء1. وبعد ثماني سنوات، انتشرت المقاومة تجاه بيريميثامين؛ فوصلت إلى عدم استجابة %40 من حالات العدوى ضمن منطقة يصل قطرها إلى 25 كيلومترًا من موقع التدخل الأصلي.

في قرية ديبيلا الواقعة في جنوب شرقي مالي، أم تعطي طفلها الأدوية التي تهدف إلى درء خطر الملاريا

في قرية ديبيلا الواقعة في جنوب شرقي مالي، أم تعطي طفلها الأدوية التي تهدف إلى درء خطر الملاريا

Amy Maxmen


وقد جلبت الستينات من القرن العشرين المزيد من الدروس.. هذه المرة، عندما حاول العلماء إضافة عقار الكلوروكين إلى ملح الطعام . كانت التجارب الإكلينيكية قد أظهرت2 أن الملح يخفض معدّلات الإصابة بالملاريا بشكل كبير. وعندما تم توسيع هذا التكتيك، وتم توزيع الملح في أسواق جويانا والبرازيل؛ لم يستهلك الناس إلا ما ناسب أذواقهم. واختار آخرون الملح غير المعالج عندما أمكنهم ذلك، لأن الكلوروكين كان يسبب لهم حكة جلدية. ونتيجة لذلك.. تلقّى العديد من الناس الدواء بمستويات دون العلاجية، وهو ما لا يكفي للحدّ من عبء الإصابة بالملاريا، ولكنه يكفي لتعزيز المقاومة. «لقد كانت حملات الملح كارثة»، كما يقول كريستوفر بلاو، اختصاصي الملاريا في جامعة ميريلاند في كلية الطب في بالتيمور .

علّقت الحكومات ومنظمات الإغاثة غالبية برامج الوقاية الكيماوية بعد ذلك، ولكن المقاومة استمرت في النمو ـ وإن كان ببطء ـ مع استمرار الناس في استعمال الأدوية لعلاج حالات الإصابة بالملاريا. وبين عامي 1960 و2000، تسللت المقاومة تجاه الكلوروكين إلى جميع أنحاء العالم؛ وازداد عدد وفيات الملاريا بشكل ملحوظ. وقد بدأ هذا المنحى في الانعكاس حوالي عام 2005، بعد اعتماد واسع النطاق لعقار الأرتيميسينين، المستخلَص من عشبة الشيح الحلو الصينية (Artemisia annua). واليوم، تُعتبر الأدوية التي تحتوي على مادة الأرتيميسينين هي المعيار الذهبي لعلاج الملاريا .


فرصة ثانية

كان أليسين ديكو، اختصاصي الملاريا في جامعة باماكو في مالي، طالب دراسات عليا في مختبر بلاو عام 2001، عندما بدأ يفكّر جديًّا في إعادة إحياء الوقاية الكيماوية. فعندما كان طفلًا، خسر ديكو شقيقه الأكبر وأفضل صديق له بسبب الملاريا. وفي وقت لاحق، عندما أصبح طالب طبّ يعمل في المستشفيات، ذُهل من عدد الأطفال الذين رآهم يموتون. يقول: «ستشعر به بالفعل. وإذا كنا نريد أن نفعل شيئًا لهذا البلد من الناحية الصحية، فإننا بحاجة إلى إيقاف الملاريا أولًا».

اقترح ديكو إعادة استخدام الأدوية القديمة المضادة للملاريا وقائيًّا في الأماكن التي ليس فيها مقاومة على نطاق واسع حتى الآن. باستخدام الأدوية موسميًّا، لدى الأطفال الأصحاء فقط، وبالاشتراك مع غيرها، بدلًا من استخدامها منفردة، يأمل ديكو في تفادي بعض أخطاء الماضي. وعند إعطاء مزيج من الادوية، تحتاج الطفيليات لاكتساب عديد من الطفرات؛ لكي تتمكن من البقاء على قيد الحياة. هذه الطفرات لا تأتي عادة دون كلفة للطفيلي، لذا.. فإن التخلص من الضغط الانتقائي للأدوية خلال موسم الجفاف من شأنه أن يعطي الطفيليات التي لا تزال حساسة للعلاج فرصة للتغلب على تلك التي تبدي مقاومة له.

كبر الصورة


اقترح ديكو استخدام مزيج من سلفادوكسين وبيريميثامين يدعى SP، كان يعرف بأنه آمن نسبيًّا على المدى الطويل. في عام 2002، عالج فريقه 130طفلًا باستعمال المزيج لمدة شهرين في تجربة إكلينيكية، مقارنة بمجموعة تحصل على علاج بديل (البلاسيبو) في مالي3. وتمكّن العلاج من الحدّ من حالات الملاريا بنسبة %68.

تابع الدراسة علماء آخرون من غرب أفريقيا، ومن بينهم بادارا سيسيه، الباحث السنغالي الذي كان في حينها يتابع بحثه للحصول على الدكتوراة مع اختصاصي الملاريا بريان جرين وود في مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي. وكان جرين وود يضع الوقاية الكيماوية في اعتباره منذ ثمانينات القرن العشرين، وقد أدرك مع سيسيه على الفور الفرصة المحتملة في توجّه ديكو. في عام 2004، بدأوا بإجراء تجربة في السنغال؛ لاختبار ثلاث جرعات شهرية من مزيج SP مع الأرتيسونات، المشتقة من مادة الأرتيميسينين. وبالمقارنة مع مجموعة العلاج البديل، أمكن تفادي تسع حالات من أصل عشر حالات تقريبًا من الملاريا4.

ومع الحصول على منحة بلغت قيمتها 4.5 مليون دولار أمريكي من مؤسسة «بيل وميليندا جيتس» في عام 2008، أطلق سيسيه وزملاؤه تجربة إكلينيكية استمرت لمدة ثلاث سنوات، ولم تُنشر نتائجها بعد، لدراسة مزيج SP مع دواء آخر، هو أمودياكين (للحفاظ على فعالية مادة الأرتيميسينين). وقد عالجوا ما يقرب من 200,000 طفل دون العاشرة من العمر، ووجدوا أن لديهم عددًا من حالات الملاريا أقلّ بـ%83 من الحالات الحادثة في مجموعة المقارنة، استنادًا إلى قول سيسيه. وكانت نتائج التجارب الأصغر في دول أفريقية أخرى مماثلة .

هذه الأرقام مثيرة للإعجاب، خاصة إذا عرفنا مدى تمرّد الملاريا تجاه التدابير الوقائية. فعلى سبيل المثال.. لم يمكن التوصل مطلقًا إلى أي لقاح فعال تمامًا ضد هذا المرض في أيّ وقت مضى. وقد أظهر أحد اللقاحات الأقرب إلى الموافقة، – RTS,S نتائج مخيّبة للآمال في التجارب الإكلينيكية الجارية، مع إنقاصه للإصابات بنسبة تقلّ عن %50 (انظر: Nature 502, 271–272; 2013).


مقاومة الانتقادات

أثارت الوقاية الكيمائية من الملاريا الموسمية بعض المخاوف التي أدت إلى تباطؤ اعتمادها. وأشار بعض المسؤولين الصحيين إلى أن المناعة الطبيعية والجزئية تجاه الطفيل ـ التي تراكمت مع نجاة الطفل من عدة نوبات من الملاريا ـ ستكون معرضة للتناقص. وعبّر آخرون عن مخاوفهم من الآثار الجانبية المحتملة جرّاء تناول الأدوية بانتظام، لكن أعلى الشكاوى صوتًا كانت تتعلق بخسارة الأدوية أمام المقاومة التي ستنشأ تجاهها.

وفي مكتب ضيّق في مبنى مؤقت في جامعة داكار، يشرح سيسيه كيف أصابته المداولات بين مسؤولي الصحة العامة بالإحباط عندما كانت الملاريا تهاجم أطفال السنغال بضراوة. ويغرق في مقعد يبدو أصغر بكثير منه، ويسأل: «أليس من الأنانية أن نجلس في مكاتبنا المكيفة الهواء، لنقول إنه يتوجب علينا الحفاظ على هذه الأدوية؟» ويتذكر إحدى الليالي، قبل 20 عامًا، التي شاهد فيها خمسة أطفال يموتون بسبب الملاريا، ولم يكن هناك ما يمكن أن يفعله لإنقاذهم. ويتابع: «لو أن هذا الأمر حدث لك، فلن يكون الخوف من فقدان الدواء محلّ نقاش» .

في عام 2012، تغلبت الوقاية الكيمائية من الملاريا الموسمية أخيرًا على معظم المسؤولين. وقامت تعاونية كوكرين ـ وهي مجموعة دولية مقرها في ملبورن، أستراليا، متخصصة في تقييم الأدلة ـ بتحليل نتائج التجارب التي أجريت في السنغال، ومالي، وبوركينا فاسو، وغانا، وجامبيا، وخلصت5 إلى أن الوقاية الكيمائية من الملاريا الموسمية يمكنها منع أكثر من ثلاثة أرباع الإصابات بالملاريا في الأماكن التي هاجمها المرض موسميًّا. في هذه التجارب، كانت جميع علامات الآثار الجانبية والمقاومة والمناعة المنخفضة في الحدود الدنيا. ووفقًا لتقرير آخر6، فقد اصطف ما يقرب من 21 مليون طفل سنويًّا في هذه المناطق للاستفادة من الوقاية الكيمائية من الملاريا الموسمية. والوقاية أقل تكلفة من العلاج. ففي كل شهر، تبلغ تكلفة الوقاية الكيماوية 1.50 دولار لكل طفل، وهي تكلفة تتضاءل مقارنة بتكاليف السفر والرعاية الطبية للطفل الذي يصاب بالمرض. وفي نوفمبر 2012، نشرت منظمة الصحة العالمية المبادئ التوجيهية لتطبيق الوقاية الكيمائية من الملاريا الموسمية، التي مكّنت البلدان من تطبيقها للحصول على دعم ماليّ من المنظمات الدولية7.


بداية بطيئة

كان تطبيق التوجيهات تحديًّا على أي حال. يقول مامادو لامين ضيوف، مدير مشتريات الأدوية في برنامج السنغال الوطني لمكافحة الملاريا، إن عدد الأطفال المُدرجين هناك كان من المفترض أن يصل إلى ما يقرب من 600,000 طفل كل شهر، ابتداء من شهري يوليو وأغسطس، لكنه والوكالة الأمريكية المقدّمة لمشروع الدواء أساءا تقدير الوقت اللازم لإعادة تصنيع هذه الأدوية القديمة من جديد، وتقييمها من قبل منظمات مختلفة. في أوائل نوفمبر، تمكّن عمال الصحة من الوصول إلى 53,000 طفل فقط . «إننا نتعلم عن طريق العمل»، حسب قول ضيوف. ويتابع: «نحن نعرف الآن أننا ما لم نتقن إدارة سلسلة التوريد الطويلة هذه، فلن يكون أي شيء ممكنًا».

وقد أدى تأخّر الأدوية إلى تأخير روّاد الوقاية الكيماوية في شمال نيجيريا لمدة شهر. لم تبدأ حملة توجو حتى سبتمبر. وفشل مشروع بوركينا فاسو في الانطلاق عندما اتضّح أن التمويل لم يكن كافيًا. وتراجع حجم التدخل الذي كان مقررًا في مالي بعد أن وضع انقلاب عسكري وغزو منتسبي القاعدة في العام الماضي البلاد في حالة من الفوضى.

ومع الدروس المستفادة، يقول داعمو البرنامج إنهم سيكونون أفضل استعدادًا العام المقبل (انظر: «مليون حالة وقاية»). في مارس المقبل، تخطط بعض الدول للتقدم بطلب للحصول على تمويل من الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا. يقول سكوت فيلر، منسق الأمراض في الصندوق العالمي، الذي يوجد مقره في جنيف، سويسرا: «لا يوجد عدد كبير من الأمور التي يمكنها أن تقي من الإصابة بالملاريا لدى %75 من الأطفال. لذا.. سندعمه بشكل كامل عندما تقصدنا الدول».

ومع استمرار البرامج، سيعمل الباحثون على المراقبة لمعرفة ما إذا كانت مقاومة الأدوية تتزايد. سيتم أخذ عينة من دم أفراد سيجري اختيارهم عشوائيًّا من بين القادمين إلى المستشفيات للعلاج من الملاريا في كل من مالي، وتشاد والنيجر، لتوضع هذه العينة كلطخة على ورقة ترشيح، ضمن حقيبة محكمة الغلق؛ لتُشحَن إلى مختبر في باماكو، حيث سيبحث ديكو وزملاؤه عن الطفرات المرتبطة بمقاومة مزيج SP والأمودياكين. وستعمل جامعة داكار على إجراء اختبارات مماثلة.

ولكي تحقق هذه الحملات تأثيرًا طويل الأمد، يجب أن تعمل برامج الوقاية الكيماوية بإيقاع يفوق سرعة الطفيليات في اكتساب المقاومة. ويأمل الداعمون أن تقضي العلاجات على معظم طفيليات الملاريا على مدى السنوات القليلة القادمة، منقصة من معدّل الإصابات ومحافظة على انخفاضها حتى عندما تبدأ المقاومة في الانتشار.

أمّا رامانان لاكسمينارايان، مدير مركز الدراسات الديناميكية والاقتصادية والسياسية للأمراض، مركز التفكير في السياسات الصحية الموجود في واشنطن العاصمة، فيشكّك في الأمر. إنه يتوقّع أن التنفيذ غير المثالي سيمنع الحملات من تحقيق الفوائد الحاصلة في التجارب الإكلينيكية، وأن المرض سيرتدّ عائدًا من جديد في نهاية الأمر.

والأهم من ذلك.. كما يقول بول ميليجان، وهو باحث الملاريا في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، أنه يتعين على الجهات المموّلة دعم عمليات تقييم المتابعة للإحاطة بأي آثار غير مقصودة، مثل زيادة قابلية الإصابة بالملاريا بين الأطفال الذين يكبرون، دون التعرّض لهذه التدخلات. وهو يقول محذِّرًا: «إذا اكتفينا بالنتائج فقط ولم نتبعها بالمراقبة، فإننا نخاطر بتكرار كل الأخطاء التي ارْتُكِبَتْ في الماضي».

وبرامج المراقبة ومقاومة العقاقير تعني القليل للأمهات اللواتي يتجمعن في قرية صغيرة في منطقة كوتيالا في مالي فقط بعد شروق الشمس في سبتمبر. تصل أوا دامالي، 25 سنة، مرتدية ثوبًا مطرزًا أزرق اللون، مع حجاب مناسب له، على عربة يجرها حمار، مع أطفالها الأربعة، وطفلين من عائلة أخرى. ابتلع خمسة من الأطفال الدواء، لكن أحد أبناء دامالي كان مريضًا في الأسبوع الثاني من نوفمبر الماضي . جاءت نتيجة اختبار إصابته بالملاريا إيجابية؛ وتمت إحالته إلى أقرب عيادة. إن الوقاية الكيماوية من الملاريا الموسميّة إجراء وقائي فقط .

قد يكون مرض الصبي علامة على أن العقاقير التي تناولها الشهر الماضي ليست فعّالة %100، أو أنه لم يبتلع كل جرعة العلاج، لكن حالته لا تقلل من حماس دامالي. فهذه هي المرة الأولى التي يصاب فيها أحد أبنائها هذا العام بالملاريا. وقبل هذا الإجراء، كانت تنتقل باستمرار بين العمل في المزرعة ورعاية الأطفال المرضى. إنها لا تريد أن تسمع عن إمكانية تجفيف تمويل هذا البرنامج، أو فقدان الأدوية لقدرتها الوقائية بعد سنوات من بدء البرنامج. إن معظم أبنائها يتمتعون الآن بصحة جيدة، وهذا هو ما يهمها أكثر.

  1. Plowe, C. V. Trans. R. Soc. Trop. Med. Hyg. 103, S11S14 (2009).

  2. Giglioli, G., Rutten, F. J. & Ramjattan, S. Bull. World Health Org. 36, 283301 (1967).

  3. Dicko, A. et al. Malar. J. 7, 123 (2008).

  4. Cissé, B. et al. Lancet 367, 659667 (2006).

  5. Meremikwu, M. M., Donegan, S., Sinclair, D., Esu, E. & Oringanje, C. Cochrane Database Systematic Rev. 2012 http://dx.doi.org/10.1002/14651858.CD003756.pub4 (2012).

  6. Cairns, M. et al. Nature Commun. 3, 881 (2012).

  7. World Health Organization Seasonal malaria chemoprevention with sulfadoxine-pyrimethamine plus amodiaquine in children: A field guide (2012).