أخبار

الفيزيائيون يخططون لبناء مصادِم هادرونات أكبر

سوف يبلغ محيط المعجِّل 100 كيلومتر، وسوف يستهلك طاقة تساوي سبعة أضعاف الطاقة المستخدمة في مصادِم الهادرونات الكبير.

يوجيني صامويل رايش
  • Published online:

<p>سوف تشكل الاكتشافات التي تمت في مصادم الهادرونات الكبير ـ الذي يخضع الآن لعمليات تحديث ـ أساسًا لتصميمات المعجل القادم.</p>

سوف تشكل الاكتشافات التي تمت في مصادم الهادرونات الكبير ـ الذي يخضع الآن لعمليات تحديث ـ أساسًا لتصميمات المعجل القادم.

Anna Pantelia/CERN


حينما بدأ مصادم الهادرونات الأوروبي الكبير في العمل عام 2008، لم يكن علماء فيزياء الجسيمات يحلمون بطلب شيء أكبر، إلى أن بدأ جهازهم ـ الذي بلغت تكلفته 5 مليارات دولار ـ في العمل، لكن مع اكتشاف بوزون هيجز في عام 2012، فإن مصادم الجسيمات يكون قد أوفى بوعده الأساسي؛ ولذلك.. أحَسَّ الفيزيائيون الآن بالإثارة حول تصميم آلة قد تتمكن ذات يوم من خلافة مصادم الهادرونات الكبير.. «مصادم الهادرونات الكبير جدًّا» VLHC.

«إن وضع رؤية لعقود مستقبلية ليس أكثر من خطوة حكيمة»، حسب قول مايكل بيسكن، عالم الفيزياء النظرية في «المختبر المعجِّل الوطني» SLAC في مينلو بارك، كاليفورنيا، الذي قدم مفهوم مصادم الهادرونات الكبير جدًّا للجنة استشارية لحكومة الولايات المتحدة في الثاني من نوفمبر الماضي.

كبر الصورة

سوف تجعل هذه الآلة العملاقة كل سابقاتها أقزامًا (انظر: «سيد الدوائر»). وسوف تتصادم البروتونات فيها عند طاقات تصل إلى ما يقرب من 100 تيرا إلكترون فولت(TeV)، مقارنةً بالـ14 تيرا إلكترون فولت المخططة لمصادم الهادرونات الكبير في سيرن (مختبر فيزياء الجسيمات الموجود بالقرب من جنيف في سويسرا). وسوف يتطلب مصادم الهادرونات الكبير جدًّا نفقًا بمحيط يصل إلى ما بين 80-100 كيلومتر، مقارنةً بمحيط مصادم الهادرونات الكبير الذي يبلغ 27 كيلومترًا. وطوال العقد الماضي، لم يكن هناك غير القليل من الأموال المخصصة للأبحاث في شتى أنحاء العالم لتطوير هذا المفهوم، إلا أنه في صيف عام 2013، وفي مؤتمر سنوماس الذي انعقد في مينيابولس، مينيسوتا، اجتمع المئات من علماء فيزياء الجسيمات لكي يحلموا بالآلات التي سوف يستخدمونها في المستقبل البعيد لمجال أبحاثهم؛ وبرز مفهوم مصادم الهادرونات الكبير جدًّا كأفضل التصوُّرات.

يحذر بعض الفيزيائيين من أن مصادم الهادرونات الكبير جدًّا لن يكون سوى جزء صغير من أجندة فيزياء الجسيمات في العالم. وتشمل الأولويات الأخرى: تحديث مصادم الهادرونات الكبير، الذي سيظل مغلقًا لمدة عامين، ابتداءً من شهر فبراير 2013، من أجل تعزيز طاقاته من 7 تيرا إلكترون فولت إلى 14 تيرا إلكترون فولت، والتخطيط لبناء مصادم خطي عالمي في اليابان، من أجل مصادمة حزم الإلكترونات والبوزيترونات، بحيث تكون هذه الأبحاث مكملة للنتائج التي توصل إليها مصادم الهادرونات الكبير باستخدام البروتونات، بالإضافة إلى مشروع ضخم في الولايات المتحدة؛ لاستغلال حزم النيوترينو ذات الشدة العالية التي يولدها معجل مختبر فيرمي في باتافيا، إلينوي. يقول جوناثان روسنر، عالم فيزياء الجسيمات في جامعة شيكاغو، إلينوي، الذي أشرف على مؤتمر سنوماس، إنه ينبغي أن يتم التركيز على هذه المشروعات القادمة. و«إن تسليط الضوء على مصادم الهادرونات الكبير جدًّا أمر سابق لأوانه»، حسب قوله.

وبطريقة ما، يمكن اعتبار الاهتمام بمصادم الجسيمات الكبير جدًّا علامة على رجوع علماء فيزياء الجسيمات إلى جذورهم، أي رجوعهم الى الدفع للوصول إلى طاقات أكبر فأكبر من أجل التعرف على وحدات البناء الأساسية للطبيعة.

وسوف يتحتم عليهم أن يقدموا المبررات لمطالباتهم هذه. ويوفر اكتشاف جسيم هيجز دعمًا للفكرة القائلة إن بعض الجسيمات لها كتلة، لأنها تتفاعل مع مجال هيجز المنتشر والشبيه بشراب السكر، غير أنه ما زالت هناك عدة أوجه غير مفهومة لهذا الاكتشاف، وتشمل السبب وراء ضخامة كتلة جسيمات هيجز. ومن الطرق التي يمكن بها تفسير ثقل جسيم هيجز: نظرية التناظر الفائق، حيث تتزاوج فيها الجسيمات المعروفة بأخرى أثقل، يمكن ملاحظتها في المصادمات الأكبر للجسيمات. وبالرغم من أن مصادم الهادرونات الأكبر لم يرصد أي علامة على التناظر الفائق، إلا أن بيسكن يأمل في الحصول على تلميحات دالة على هذا التناظر قبل حلول نهاية هذا العقد، إذ سوف تساعد مثل هذه التلميحات على تصميم الآلات الأكبر.

ومن أنصار الآلات الأكبر نيما أركاني حامد، عالم الفيزياء النظربة في معهد الدراسات المتقدمة في برنستون، نيوجيرسي. ففي شهر ديسمبر الماضي، ساعد هذا العالِم في تدشين معهد في بكين، يُدعى معهد مستقبل فيزياء الطاقة العالية. وحسب قوله، فإن أحد الأجزاء الجلية لمهمة هذا المعهد هو استكشاف الفيزياء التي قد يستقصيها مصادم البروتونات المستقبلي. ويقول ويليام بارليتا، عالِم فيزياء المعجلات في معهد ماساشوستس للتقنية, إن هذا العمل بالغ الأهمية للتعرف على الحجم الأمثل للآلة، وسوف ينتج القيمة القصوى من المعرفة العلمية لكل دولار يتم إنفاقه عليها. ويقول: «إننا لن نقدم حججًا غير مدعمة بالأسانيد».

ويضيف بارلتا قائلًا إنه من أجل بناء آلة تعمل على 100 تيرا إلكترون فولت، سوف يحتاج الفيزيائيون لتطوير مغناطيسيات فائقة التوصيل، يمكنها العمل عند مجالات أعلى بكثير من الجيل الحالي. وقد تصل قيمة هذه المجالات إلى 20 تسلا، مقارنة بالـ14 تسلا الحالية. وإحدى المواد المرشحة الرئيسة لمثل هذه المغناطيسيات هي قصدير النيوبيوم، الذي يمكنه تحمل مجالات أعلى، إلا أنه مكلف ويحتاج تبريدًا في درجات حرارة تقل عن 18 كلفن.

يطوِّر مختبر سيرن خططه الخاصة لمصادم شبيه بمصادم الهادرونات الكبير جدًّا. ويقود عالم فيزياء المعجلات في سيرن مايكل بيندكت دراسة «لمصادم جسيمات عند طاقات عالية جدًّا» الذي سوف يمر بأسفل بحيرة جنيف. وسوف يكون لهذا المصادم الخصائص الرئيسة ذاتها لمعجل الجسيمات الكبير جدًّا: محيط يتراوح طوله ما بين 80-100 كيلومتر، تبلغ طاقة التصادم فيه 100 تيرا إلكترون فولت. ويرى بيندكت أن العمل في بناء هذا المصادم قد يبدأ في العقد الثالت من القرن الحالي، بحيث يكتمل العمل على الآلة بعد فترة بسيطة من إغلاق مصادم الهادرونات الكبير بصورة نهائية في عام 2035. «لا أحد يرغب في أن ينتهي الأمر بحدوث فجوة كبيرة في أبحاث فيزياء الطاقة العالية»، حسب قوله. ويضيف قائلًا إنه من المبكر جدًّا تقديم تكلفة لهذا المشروع، إلا أن الفيزيائيين الآخرين يأملون أن تقِلّ تكلفة مصادم الجيل القادم عن 10 مليارات دولار؛ لكي يكون تنفيذ هذا المشروع معقولًا من وجهة النظر السياسية.