رؤية كونية

لسيـاسات أفضــل.. راجِعُوا بنـاءً على الجـودة، لا الكَـمّ

«التقييمات العالمية بحاجة إلى تَبَنِّي عمليات جمْع ومراجعة للمعلومات أكثر دقة وتركيزًا» وليام ج. ساذرلاند.

وليام ج. ساذرلاند
  • Published online:

Nicola Crockford

يطالِب المجتمعُ ـ بشكل متزايد ـ بأنْ تقوم السياسات على الأدلة العلمية كما ينبغي، غير أن صانعي السياسات نادرًا ما يعودون إلى الأوراق البحثية المنشورة بالدوريات العلمية، وهي الأدلة الحقيقية، بل يفضِّلون ـ عوضًا عن ذلك ـ أنْ يبنوا قراراتهم على الملخصات والمراجعات والتقييمات.

قد تكون مثل تلك التقييمات شديدة التأثير، ولكنها قابلة للخطأ، فقد دعّمت االلجنة الدولية لتغيُّر المناخ ـ بشكل فعّال ـ السياسات المتعلقة بالتغير المناخي في جميع أنحاء العالم، بَيد أن الخطأ الفادح الذي وقع فيه تقرير عام 2007 عن الأنهار الجليدية بالهيمالايا لا زال يُكشَف بانتظام، لإبراز التهكّم على سلطة اللجنة.

ما اكتشفته أنا وزميلي لين ديكس، عندما كنا نراجِع القسم الخاص بالملقِّحات في التقييم البيئي القومي للمملكة المتحدة – وهو تقرير مؤثِّر وموسَّع، ضُمَّ إلى الصحيفة البيضاء المتعلِّقة بالبيئة للحكومة البريطانية - وليس من المرجَّح أن يأتي ذكره في العناوين الرئيسة للصحف الدولية، إلا أنه ما زال مفيدًا. على سبيل المثال.. يذكر التقرير أنه «منذ عام 1980، انخفض تَنَوُّع النحل البري في معظم المناطق". وتُعَدّ تلك مبالَغة للنتائج التي توصلت إليها الورقة البحثية التي استند إليها التقرير، والتي تذكر فقط أن تنوُّع النحل بعد عام 1980 انخفض عما كان عليه قبل ذلك بـنسبة %52، وذلك في واحد وثمانين مربعًا شبكيًّا، تبلغ مساحة الواحد منه 100 كيلومتر مربع. ويؤكد التقرير أن "الانخفاض في خدمات التلقيح بهذا الشكل سيؤدي إلى خسائر اقتصادية للمزارعين على المدى القصير»، ولكنه يغفل عن ذكر أنّ استنتاجه يستند إلى دراسات ميدانية غير مباشرة عن الحشرات الزائرة للمحاصيل. وفي واقع الأمر، لم يتم رصد أية آثار اقتصادية لانخفاض الملقِّحات على مستوى محلي، أو دولي. ويضع جدول حاسم في التقرير تقديرًا لقيمة المحاصيل التي يتم تلقيحها من خلال الحشرات في المملكة المتحدة، مصدره دراسة دكتوراة. والتحليل الذي يستند إليه الجدول لم يُنشَر بعد في أيٍّ من المنشورات العلمية المُحَكَّمة، وهذا لم يكن موضحًا في التقرير. وتظهر المشكلات نفسها لدى مراقبة الجودة في أجزاء أخرى من التقرير، وفي تقييم الألفيّة للنظم البيئية.

هذا.. وسوف تستمر مُعضِلة مراقبة الجودة، إلا إذا غيَّرنا من الطريقة التي يتم بها إجراء مثل تلك التقييمات. وكانت اللجنة الدولية للتنوع الحيوي وخدمات النظم البيئية (إيـپـبَس IPBES) الجديدة ـ التي انعقدت في بداية شهر ديسمبر 2013 في تركيا لوضع برنامج التقييم الخاص بها، نقطة بداية طيبة.

بشكل عام، يجب على مثل هذه التقييمات أن تكون أقل طموحًا، فالنتائج الرئيسة لهذه التقارير تخضع لفحص دقيق، لكنها مرتبطة بنطاق واسع من النصوص التي تستحيل مراجعتها بشكل كامل. فكلما كان المدى الذي يغطيه التقييم واسعًا؛ زادت المادة التي يجب أن يتضمنها حتى يكتمل، وارتفعت فرصة المخاطرة بحدوث أخطاء. ولم يفلح دفاع علماء المناخ عن خطأ الأنهار الجليدية، بدعوى أنه يمثل فقرة واحدة من ضمن 938 صفحة في واحدٍ من أربعة تقارير، بل ولم تتم ملاحظته قبل مرور عامين، في تهدئة نقاد اللجنة الدولية لتغيُّر المناخ.


يجــب أن تستـخدِم عملياتُ التقييـم البيئيــة طُــرُقَ الإجـماع الرسـمي

قد تكون هناك رغبة لدى بعض المشاركين في تقييم لجنة «إيـپـبَس» القادم أن يكتبوا بحرية عن الكثير من جوانب عملية التلقيح، إلا أنه يجب عليهم ـ بدلاً من ذلك ـ التركيز على جمع وتوليف الأدلة العالمية عن القضايا المهمة المتعلقة بالأسئلة الرئيسة فقط، مثل: ما هي الملقِّحات الأكثر أهمية اقتصاديًّا؟ وما هو التغيير الذي لحق بوضعها؟ وما هي التهديدات الأساسية؟ وما هي السبل الأكثر فاعلية اقتصاديًّا للحفاظ على هذه الملقِّحات واستعادتها؟ لدعم الإجابة على هذه الأسئلة، يجب على التقييم في البداية أن يصدِر مراجعة منهجية ومتاحة للعامة للكتابات التي سيستند إليها، وبشكل مثالي أن تكون مرفقةً به ملخصات ميسَّرة للأبحاث.

الرؤية لمثل تلك المراجعات تكون في العادة تحليلات مجمّعة للتشخيص الطبي المستنِد إلى أدلة، تجمع وتوضح لمحة عامة لكل الدراسات ذات الجودة المناسبة. وهذا المنهج هو الأقل ملاءمة للمراجعات البيئية، التي تلجأ عادةً إلى مزيج مركَّب من التجارب والدراسات والنماذج المترابطة، متضمنةً مجموعةً من الأسئلة ومتغيرات الاستجابة والمواقع، التي تتباين صلتها بالقضية موضع الاهتمام.

للحصول على مزيج أفضل لنتائج مثل هذه البحوث المتنوعة، يجب على التقييمات البيئية أن تستخدم وسائل منهجية؛ للوصول إلى إجماع، مثل طريقة دلفي، وهي عملية تكرارية للحصول على الإجماع، تعتمد على جولات متتالية للتسجيل السري للعلامات، والتعليق على نتائج غير معلومة الهوية. إضافة إلى ذلك.. يجب أن تكون كل المادة متاحة للعامة، بل وبالإمكان أن تتضمن النقاط التجميعية النهائية للخبراء، كما هو الحال بالنسبة إلى أعضاء لجنة السياسة المالية للمملكة المتحدة، الذين يلتقون شهريًّا؛ لتقرير معدَّل الفائدة الرسمي. وتباعًا، فعملية تتبع إحدى النتائج للوصول إلى تقييم الأدلة الذي تستند إليه، ثم إلى قاعدة الاستدلال الخاصة بها، ستكون نسبيًّا عمليةً مباشرة.

يبدو أن لهذا المنهج عدة مميزات.. فهو يركز على بعض القضايا المحورية، ويقدمها بشكل أكثر شفافية ودقة؛ مما يرجّح تمتّعه بمصداقية أكبر، ويقلِّل من احتمال حدوث أخطاء. وبعد جمْع المعلومات، من الممكن أن يتم تحديثها بانتظام؛ للسماح بإجراء إعادة تقييم سريعة (على النقيض.. يُعاد تقييم اللجنة الدولية لتغيُّر المناخ كل ست سنوات تقريبًا. وهو مكلِّف بشكل هائل). ومع تجميع «حجر الأساس» للأدلة، وتقديمها بطريقة سهلة للمستخدمين، يمكن الاستمرار في جمع الأدلة المتعلقة بالقضايا الرئيسة، وتقييمها بانتظام. وهناك مثال معادِل لذلك في مجال الطب، وهو الطب الإكلينيكي الذي يعيد تقييم المداخلات كل ستة أشهر.

لا يجب اعتماد هذا النهج فقط من قِبَل اللجنة الدولية للتنوع الحيوي وخدمات النظم البيئية «إيـپـبـَس» وغيرها من اللجان الوطنية والدولية المستقبلية، ولكن ـ كلما أمكن ـ من خلال التقارير التي لا حصر لها، المُعَدّة لصنّاع القرار. فهذا سيرفع من مستوى الجودة والشفافية والمسؤولية.