افتتاحيات

تدابيــر وقـائيّــة

بإمكان الحملات الأفريقية الكبرى التي تستهدف الملاريا والإيدز مساعدة الملايين، لكن علينا ألا ننسى المخاوف الكبرى حيال آثارها طويلة المدى.

  • Published online:

شارك أكثر من مليون طفل ـ يتمتعون بصحة جيدة في أفريقيا ـ في مبادرة جريئة هذا العام عندما تلقُّوا أدوية مضادة للملاريا أثناء الموسم المطير. وهناك أمل في احتمال أن تساعدهم الجرعات الوقائية ـ التي سيتلقّونها خلال أشهر متتابعة ـ في التغلب على مرض يقتل 600،000 شخص في أفريقيا بأكملها كل سنة. وفي الوقت نفسه، تقوم حملات صحية في 14 دولة في شرق وجنوب أفريقيا بختان ملايين الرجال؛ في محاولة لإيقاف انتشار مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، الذي يُعْدي أكثر من ربع السكان الواقعة أعمارهم بين 15 و49 عامًا في بعض هذه الدول. وبإمكان جهود مكافحة الملاريا والإيدز التغلب على اثنين من أكثر الآفات الصحية عنادًا، لكن لن يحدث هذا إلّا في حالة استفادة المموِّلين والمنظِّمين من دروس إخفاقات الماضي.

نشرت دوريّة Nature في شهر نوفمبر الماضي تقريرَين ميدانيّين، تمت كتابتهما بواسطة مراسلين سافروا إلى أفريقيا؛ لدراسة فوائد هذه الحملات الصحية، وكذلك دراسة المخاوف التي نشأت بخصوصها. وفيما يتعلق بجهود مكافحة الملاريا، تمثلت إحدى نقاط القلق الكبرى في أن إعطاء أدوية للأطفال سيؤدي إلى انتشار أنواع الملاريا المقاومة، مما يسرع من جعل الأدوية غير فعالة. وقد حدث ذلك في الخمسينات والستينات، عندما أجرى الأطباء تجارب وقاية ضد الملاريا في أفريقيا وأمريكا الجنوبية. هذا.. وتستند الحملة الحالية إلى التجارب التي بدأت عام 2002، واتخذت خطوات لتجنُّب نشر مقاومة الأدوية الرئيسة، من خلال توفير مجموعة متنوعة من الأدوية القديمة المضادة للملاريا، وإجراء ذلك خلال الموسم المطير فقط.

مع ذلك.. لا يُعدّ النجاح الذي تم تحقيقه في التجارب الإكلينيكية مضمونًا، حيث تتم توسعة البرنامج؛ ليشمل أكثر من 20 مليون طفل في أجزاء مختلفة من أفريقيا. فقد بدأت ست دول إعطاء الأدوية المضادة للملاريا هذا العام، لكنها لم تعالِج سوى جزء ضئيل من المستهدَفين، بسبب مشكلات في التمويل والتنظيم. ويؤدي هذا الأمر إلى زيادة المخاوف حيال عدم اضطلاع البرامج بجهود المتابعة الإضافية المطلوبة؛ لضمان النجاح. لذا.. يجب توفير التمويل لتتبُّع ما إذا كانت حملة الوقاية واسعة النطاق تخفِّض عدد حالات الملاريا ـ كما هو مأمول ـ أم لا، ولضمان عدم انتشار أنواع الطفيليات المقاوِمة بشكل أسرع من المتوقع. هذا.. وتتمثل المشكلة في قلة اهتمام الممولين بدعم دراسات المتابعة، مقارنةً باهتمامهم باختبار الأفكار، والقيام بالتدخل علاجيًّا. وقد كانت المتابعة نقطة ضعف لمدة طويلة في مكافحة الملاريا، إذ لا تكتشف الرقابة العالمية سوى 10% من حالات الملاريا العالمية التي يتم التنبؤ بها كل سنة.

«تتمثل المشكلة في قلة اهتمام المموِّلين بدعم دراسات المتابعة».

في حملة الختان، أظهرت عدة تجارب أن هذه العملية تخفض احتمال نقل الإيدز من النساء إلى الرجال بنسبة كبيرة، قدرها 50-60%. ويُعدّ مستوى الحماية هذا كبيرًا للغاية، لدرجة جعلت منظمات المساعدة العالمية والأمم المتحدة والدول المانحة تضخ أكثر من 100 مليون دولار أمريكي في الحملات التي تستهدف ختان 20 مليون رجل في 14 دولة مستهدَفة بحلول عام 2015. وهناك قلق يساور بعض الباحثين مِنْ ألّا تثمر البرامجُ الضخمةُ الفوائدَ نفسها التي أسفرت عنها التجارب الصغيرة والمكثفة. وتمثِّل الرسالة التي يتلقاها الرجال والنساء عن فاعلية هذه العملية مصدر قلقٍ كبير. فقد قام منظمو الحملة بجهود إعلانية هائلة؛ لتشجيع المزيد لقبول الختان. ففي زامبيا، أشارت اللوحات الإعلانية إلى أن الرجل المختون هو «رجل يهتم بغيره»، وفي تنزانيا، تقول الإعلانات إنّ هذا الرجل «أكثر رجولة بـ60%».

وقد نجحت الإعلانات في جعل ملايين الرجال يأتون إلى العيادات، لكن الرسالة أدّت إلى تضاربٍ أيضًا.. حيث افترضت نساء كثيرات في العديد من الدول المستهدفة أنّ الختان يساعد في حمايتهن من الإصابة بعدوى مرض الإيدز، ومن ثم كُنّ يعتقدن أن الواقي الذكري أصبح أقل ضرورة مما كان عليه قبل الختان، وهذا افتراض غير صحيح. وقد أظهرت دراسات عديدة أن الرجال يبالغون في تقدير كمّ الحماية الذي يحصلون عليه من خلال الختان. وفي تنزانيا، كان يتم فهم عبارة «أكثر رجولة بـ60%» على أن الرجل المختون سيحصل على المزيد من شركاء العلاقات الجنسية. وليست هذه ـ بطبيعة الحال ـ هي الرسالة التي ستخفض من انتقال مرض الإيدز.

أثناء التجارب الأولية، اتخذت العيادات خطوات؛ لتجنُّب التضارب، من خلال توفير استشارة أساسية حول مخاطر الختان ومكاسبه، قبل العملية وبعدها. وفي زيارات متابعة دورية، تَلَقَّى الرجال اختبارات وعلاجًا للإيدز ولأمراض معدية أخرى عديدة، تنتقل عن طريق العلاقة الجنسية، لكنْ في الحملة الموسعّة، لم يُجْرِ موفِّرو الختان سوى جلسة استشارية واحدة ذات صلة بالعملية، وجلسة أخرى مشتملة على اختبار الإصابة بالإيدز. هذا.. ويقول الباحثون السلوكيُّون إن الرجال يتطلبون المزيد من الاستشارة، وإنه على منظِّمي هذه الحملة أن يوجِّهوا المعلومات باتجاه النساء أيضًا؛ لإزالة سوء الفهم.

ومثلما هو الأمر بالنسبة إلى أدوية الملاريا الوقائية، يجب إجراء مراقبة كافية أيضًا؛ لتتبُّع ما إذا كان الختان فعّالاً في خفض نقل الإيدز، أم لا، مثلما ثبتت فعاليته أثناء التجارب الصغيرة. هذا.. وقد كانت النتائج الأولية على فعاليته إيجابية. وإنها لأخبار جيدة للملايين من الرجال والنساء في أفريقيا.