رسالة رئيس التحرير

في العلم.. مساحة كبيرة من عدم اليقين

مجدى سعيد
  • Published online:

تقول الحكمة إن لكل قاعدة استثناءات. والوصول إلى القواعد في العلم يعني الاقتراب من ثوابته اليقينية، وتعني أن الملاحظة أو الفرضية قد اختُبرت وثبتت؛ حتى صارت نظرية، وأن النظرية قد اختُبرت وثبتت؛ حتى صارت قانونًا أو قاعدة، لكنْ تبقى مساحة الفرضيّات أوسع من النظريات، والنظريات أوسع من القوانين، والقوانين أو القواعد لها استثناءات، ليبقى لكل قانون حيوده، ليكون كل قانون ليس خطًّا مستقيمًا، إذ تجعله الاستثناءات والحيود أقرب إلى القوس المائل الذي يطوف حول عين اليقين، ولا يبلغه.

والعوامل التي تجعل هناك مساحة كبيرة من عدم اليقين ـ بقدر ما هناك من «علم اليقين» ـ يسردها أحد مقالات قسم التعليقات في هذا العدد من Nature الطبعة العربية، بعنوان «عشرون ملاحظة لتفسير الادِّعاءات العلمية»، وهو المقال الذي يحاول كاتبوه أن يساعدوا صُنّاع القرار على الاقتراب أكثر من اليقين، والبعد عن مزالق «اليقين المزيَّف، أو المُدَّعى» الذي يريد بعض أهل العلم ترويجه.

بدايةً.. قرَّر كاتبو المقال أن «العِلْم يسعى ـ في معظم جوانبه ـ إلى اكتشاف أسباب وجود الأنماط التي نراها، فما الذي جعل هذا العَقد أكثر دفئًا من سابقه؟ ولماذا توجد طيورٌ أكثر في بعض المناطق، دون غيرها؟» وهنا.. تأتي الدراسات العلمية، لتحاول وَصْف الظواهر والأنماط، وتحليلها، وتفسيرها.

من هنا.. تأتي أهمية التنبيه إلى بعض المزالق، التي يتعلق كثيرٌ منها بالقياسات والبيانات الناتجة عنها، حيث يقرِّرون بدايةً أنه «لا توجد قياسات دقيقة»، وأنه «من الناحية العملية، تنطوي جميع القياسات على بعض الخطأ. وإذا تكرّرت عملية القياس، يمكن للمرء أن يسجِّل نتيجةً مختلفة»، كما أنهم يحذِّرون أيضًا مِنْ أنّ «القياسات المتطرِّفة قد تكون مضلِّلة». وإضافة إلى ذلك.. يؤكدون على أن تَرَاجُع المتوسط الإحصائي (من قياس إلى آخر) قد يكون مضلِّلًا، إذ قد يكون نتيجةً للصدفة أو الخطأ، كما يؤكدون ـ فيما يخص القياسات ـ على أنه عادةً ما يكون المتوسط المأخوذ من عدد كبير من الملاحظات أكثرَ فائدة من المتوسط المأخوذ من عدد أصغر. وفيما يخص تفسير البيانات الناتجة عن القياسات، يؤكدون على أنه «من المفيد أنْ نفترض أنّ أحد الأنماط هو السبب في نمط آخر. ومع ذلك.. فقد يكون الارتباط مجرّد صدفة، أو قد يكون بسبب عاملٍ ثالث»، كما أن «محاولة استقراء ما وراء البيانات أمرٌ محفوف بالمخاطر»، كما يؤكدون على أهمية الضوابط أو العيِّنات المعياريّة، ويُحَذِّرون من سوء فهم العامل الأساسي الذي يجري قياس تكراره، ويؤكدون على السعي «إلى التكرار المفيد، لا إلى التكرار المتماثِل الزائف»، كما ينبِّهون إلى "الفصل بين انعدام التأثير، وغياب الأهمية الإحصائية".

المزلق الآخر الذي ينبهون إليه يرتبط بـ«الانحياز»، الذي يؤكدون أنه أمر شائع، ومن ثَمّ فإن «المؤلَّفات العلمية تميل إلى إعطاء صورة مبالَغ فيها عن حجم المشكلات، أو فعالية الحلول»، كما أنهم يؤكدون على أن العلماء في النهاية بَشَرٌ، لهم مصالح، وقد يحدث منهم الإبلاغ الانتقائي عن النتائج، والمبالغة فيها أحيانًا، إذ يمكن «التنقيب بعُمْق عن البيانات، أو تنقيتها كالثمار». ومن الممكن كذلك إعداد الأدلة الإحصائية، وتهيئتها، أو إبرازها؛ لدعم إحدى وجهات النظر. وهنا.. تأتي مناسبة الحديث عن المزلق الثالث، المتعلق بالاحتيال العلمي، والذي يتناول أحد المقالات (في قسم التحقيقات) ثلاث طرق للكشف عنه، حيث «ازدادت حالات سحب الأوراق البحثية من الدوريّات عشرة أضعاف ما كانت عليه خلال العقد الماضي، مع انهيار دراسات عديدة في حالات بارزة لسوء السلوك البحثي، تتراوح بين الانتحال، والتلاعب بالصور، وتلفيق البيانات بشكل صريح».

هذه بعض العوامل التي تثير غبارًا من عدم اليقين أمام نتائج علمية تدعي أنها قد وصلت إلى «علم اليقين»، لكنّ ذلك لا يمنعنا من السعي في طريق العلم، أو يجعلنا ندَّعِي أنه لا حاجة بنا إلى إجراء التجارب، والبحوث، والدراسات، والاعتماد ـ بدلًا منها ـ على «الفهلوة»، أو على مبدأ «ما أُرِيكم إلّا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، فمِمَّا لا شك فيه أنه «ليس مَنْ أراد الحقَّ فأخطأه كمَنْ أراد الباطلَ فأصابه»، فإدراكنا للمساحة الكبيرة لعدم اليقين وأسبابه لا يجب أن يدعونا إلى التوقف عن السعي في سبيل الوصول إليه.