س و ج

س و ج: صانع العلامات في فضاء الأثير

يعمل جاد أبو مراد مذيعًا معاوناً في «راديولاب»، وهو برنامج إذاعي أمريكي علمي مكثف، ومعتمَد وطنيًّا للبث العام. ومع دخوله في عامه العاشر، يتيح لنا جاد جزءًا من وقته، الذي يمضيه في رحلة عبر 21 ولاية شمال الولايات المتحدة مع المذيع المعاوِن روبرت كرولويتش؛ ليروي لنا تفاصيل صناعة قصص علمية سريعة في الراديو.

جاشا هوفمان
  • Published online:

كيف دخلتَ إلى عالم العلوم والإذاعة؟

لقد نشأت في ولاية تينيسي في الثمانينات كطفل عربي في بيئة من «المعمدانيين الجنوبيين». كانت أمي عالِمة أحياء جزيئية، وكان والدي جَرّاحًا، وبالطبع كنت أقضي وقتي في مَعْمَلَيْهما بعد انقضاء اليوم الدراسي، ألاعب فئران المعمل، وأنا أعاني من الملل الشديد. جذبتني الموسيقى إلى عالمها، حيث كنت أمضي معظم وقتي أيام المراهقة في غرفتي، أؤلف مقاطع موسيقية لأفلام من نسج الخيال. وبعد دراسة الكتابة والموسيقى في الكلية، تطوّعتُ لدى محطات الراديو العامة، حتى تمكنت أخيرًا من حجْز مساحة على الهواء في أوقات متأخرة من الليل؛ لبث وثائق منسِيّة في محطة راديو نيويورك العامة. وقبل يومين من بدء البث، سألت مديري عمّن سيكون مذيع البرنامج، فقال لي: «أنت».


كيف تطوَّرَ هذا البرنامج؟

في الأيام الأولى، كانت المحطة تعاملني ـ رأفةً منهم بي ـ بتجاهل خفيف. لم أدرِ ماذا كنت أفعل حينها. كان معظم ما أقدمه مواد قديمة، ومستعارة، وبدون تحديثات تُذكَر. وبالتأكيد كانت هناك ثغرات في البرنامج، وكان هذا يثير ذعري؛ فأقوم بملء الفراغ بدقائق حول السياسة في زيمبابوي، أو بطلبي من المستمعين مراسلتي عبر البريد الصوتي. وفي عام 2003، التقيت بمذيع المواد العلمية روبرت كرولويتش، وقمنا بعمل تجارب لدَمْج أنماط الراديو المختلفة، مثل المقابلات، والبرامج الوثائقية، والقصص، والموسيقى. واتفقنا على صيغة «الشخصين المتحاورين»، بحيث نتداول جُمَلًا من أقوال علماء، ويتم تشغيل مقطوعات موسيقية متراكِبَة في الخلفية؛ لتكون مثل دفقات سلسة للأفكار. منذ البداية، كان لبرنامج «راديولاب» طابع رقمي، ومتسارع ومكثف، حتى اعتبره البعض مثالًا لمستقبَل برامج الراديو العامة، بينما اعتبره البعض برنامجًا مثيرًا للتوتر.

JOHN D. & CATHERINE T. MACARTHUR FOUNDATION


هل شعرتَ يومًا بأنّ إمكانيّات الراديو محدودة؟

في حلقتنا عن الألوان، حين تحدثنا عن شبكية العين مع عالِم أحياء، سألنا عن المخلوق الذي يمتلك أكبر تنوع من المخروطات المستقبِلة في عينه. وكانت الإجابة هي «الجمبري الذي يُطلق عليه فرس النبي»، الذي يمتلك ستة عشر مخروطًا مستقبِلًا، حيث يستقبل  كل مخروط أطوالًا موجية مختلفة للضوء. وبما أننا لم نتمكّن من عرض هذه المعلومة بشكل مرئي، فقد قمنا بجمْع فرقة موسيقية مكونة من 160مغنيًا في كنيسة، وقسّمناهم على حسب ألوان الطيف، وطلبنا منهم أن يغنّوا لنا «أصوات قوس قزح»، حسبما يمكن أنْ يراها الجمبري.


وماذا يحدث أثناء البث الحي لبرنامجك؟

نقوم في فقرة «أبوكاليبتيكال» بسَرْد قصص عن أحداث الدمار الشامل، ونركِّز على انقراض الديناصورات في نهاية العصر الطباشيري منذ 65 مليون عام. وفي بعض اللحظات من البرنامج، تشعر بالبث على الهواء حين نتعلم شيئًا جديدًا في الكيمياء والفيزياء، أو حينما تخفت الإضاءة ونستمع بتركيز. أمّا بالنسبة إلى باقي محتوى البرنامج، فأراه غريبًا وجديدًا في الوقت نفسه.. فهناك صور متحركة وفيديو؛ لإبراز ميكانيكا الانهيار العنيف. وهناك دُمَى ديناصوريّة ضخمة مِن صُنْع شركة المسارح الأسترالية «إرث» Erth. يقوم الموسيقيون بإحداث موجات صوتية تُشْعِرك بأنّ السقف سيسقط فوق رأسك. وهناك شخصيات كوميدية يمكنها أن تثير ضحكك، مثل رِيجِّي واتس، وباتون أوزوالت. إننا نسير جميعًا في اتجاه النهاية المحتومة لنا كأفراد، أو كفصائل حيوانية، ولكننا نأمل في أنْ نترك لديك انطباعًا عن مدى روعة أنك تعيش في هذا العالَم.


ماهي اللمحة العلمية التي تقدمها في البرنامج؟

إننا نعرض نظريةً اقترحها العلماء جاي ميلوش، وبيتر شولتز، ودوجلاس روبرتسون، وكيرك جونسون، تُستلهَم من حسابات محاكاة القذائف، لتبرهن على أنّ حدوث الانقراض في العصر الطباشيري كان أسرع مما كان متصوَّرًا. فالتصور التقليدي هو حدوث «شتاء نووي»، بسبب انتشار الرماد في المناخ، على إثر سقوط نيزك على الأرض؛ مما أدى إلى موت الديناصورات على امتداد عشرات الآلاف من السنوات. إننا نبرهن على أن انقراض الديناصورات قد استغرق زمنًا قصيرًا جدًّا، يماثل وقت ما بعد ظهيرة يومٍ ما.


هل صحيح أنك تنوي التفرع بعيدًا عن المجالات العلمية؟

نعم.. ولا. إن الأفكار العلمية قد تتعقد بشكل غير قابل للتبسيط، مما يجعل التعامل معها مرهقًا، إلا أنه لم يعد مقبولًا لدى الناس عدم فَهْمهم للمستجدات مِن حولهم في المجالات العلمية. وأنا أجِدُ العِلْم ملهِمًا بشكل غير متناه، حتى عندما يرهقني ويثير غيظي. لذا.. فإن تقديم المواد العلمية سيظل جزءًا أساسيًّا مما نقوم به. وفي الشهور الأخيرة، فكّرت في الدخول في مجال الشؤون القانونية. وأحيانًا أتأمل كيف سيكون الوضع، إذا قمنا بتغطية انتخابات مثلًا. ومن الجائز أنْ أتحوّل إلى مجال الرياضة.


هل وقعتَ يومًا في مغالطةٍ ما؟

بالطبع، ففي إحدى الفقرات عن خاصية العشوائية، أردنا إبراز صعوبة التفريق بين الإشارة والضوضاء على المستوى الجزيئي؛ فقمنا بتشغيل شريط لامرأة تبلغ من العمر 99 عامًا، وتغني من خلال مرشِّح ضوضاء، مرارًا وتكرارًا. ثم شعرنا بأن هذا مثال جميل على كيفية قيام أجسادنا بالتعامل مع (الضوضاء) الحيوية، وهو موضوع الفقرة التي يقدمها كارل زيمر، إلا أن كارل قال لنا إن هذا المثال أبعد ما يكون عن الصواب؛ فشعرنا بحالة من الإحباط. إذن، فلنَقُم ببث النسخة ذات المغالطة العلمية، ثم إظهار كارل وهو يبلغنا بماهيّة المغالطة، ثم نُتْبِع ذلك بمحاولة طيبة النيّة لتصحيح أنفسنا. إننا لم نزعم أبدًا أننا على عِلْم شامل بما نفعل، وهذا ما قد يفسر لماذا لم يقم أحد بالدخول علينا ليهاجمنا ويضربنا بالعصا.