أخبار

خطر فيروس شلل الأطفال يحوم حول أوروبا

اكتشاف حالات الإصابة في سوريا يسلِّط الضوء على قابلية الإصابة بهذا المرض الفيروسي في الدول المجاورة.

ديكلان باتلر
  • Published online:

<br><p>تطعيم طفل بلقاح شلل الأطفال الفموي في إسرائيل، حيث تمّ اكتشاف انتشار الفيروس خفيةً منذ فبراير المنصرم، دون أن يُسبّب أي حالات شلل.</p>


تطعيم طفل بلقاح شلل الأطفال الفموي في إسرائيل، حيث تمّ اكتشاف انتشار الفيروس خفيةً منذ فبراير المنصرم، دون أن يُسبّب أي حالات شلل.

ABIR SULTAN/EPA/ALAMY


يعتبر الكثير من الأوروبيين مرض شلل الأطفال عدوًّا قديمًا، إلّا أنَّه ـ وللمرة الأولى منذ سنوات ـ يحوم خطر زحف مرض الشلل، في عودة غير مرحَّب بها. فقد ظهر من جديد الفيروس في الطرف الجنوبي الشرقي للقارة الأوروبية ـ في إسرائيل، وسوريا ـ مثيرًا قلق مسؤولي الصحّة العامة من استيراد هذا المرض وتوطُّنه من جديد في القارة الأوروبية.

إنه لمن المفاجئ أن تكون أوروبا عرضة للإصابة بهذا الفيروس. فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 2002 أنّ المنطقة الأوروبية ـ التي تضم 53 دولة، والممتدّة من البرتغال حتى روسيا ـ منطقة خالية من فيروس شلل الأطفال؛ الأمر الذي أدّى إلى تخلِّي

العديد من هذه الدول عن الحذر. فبرامج الرّصد غالبًا غير تامّة وذات نوعية رديئة، بالإضافة إلى أنّ نسب التّطعيم المتدنّية في عديد منها ـ بما فيها المملكة المتّحدة وألمانيا ـ تجعلها عرضة لانتشار الفيروس، الذي قد يتفشى في أعقاب ظهور بعض حالات الإصابة الواردة من الخارج1،2 (انظر: «خطر فيروس شلل الأطفال»).

يقول مارك سبرينجر، مدير «المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها» ECDC في ستوكهولم: «إنّ هذا الوضع بمثابة «جرس إنذار»». ومع الأخذ بعين الاعتبار ضعف البرامج الدّفاعيّة في مواجهة فيروس شلل الأطفال في أوروبا، ومستويات التّنقلات والسفر المرتفعة بين إسرائيل وأوروبا، وملايين اللاجئين السوريّين، يعتقد المركز أنَّ هناك خطرًا حقيقيًّا لإمكانية تفشي الفيروس داخل الاتحاد الأوروبي. ويضيف سبرينجر: «إنّ الدّول الأعضاء في الاتحاد بدأت تتعامل «بجديّة بالغة» مع تهديد استقدام الفيروس».

ومنذ إطلاق الحملة العالمية لمبادرة استئصال فيروس شلل الأطفال عام 1988، خطت الجهود الرامية إلى دحر الفيروس خطوات واسعة. آنذاك، كان يُصاب 350,000 طفل بالشلل سنويًّا في 125 دولة. وقد نجحت هذه الجهود في خفض هذه الأعداد الهائلة بشكل بالِغ في غضون الـ 25 عامًا الماضية بنسبة %99؛ ليصل عدد الإصابات في العام المنصرم فقط إلى 223 حالة. أما حاليًا، فيتوطّن فيروس شلل الأطفال في ثلاث دول فقط، هي: أفغانستان، ونيجيريا، وباكستان. ولا زالت تقع حوادث استقدام لحالات قليلة متفرّقة منها، خاصَّةً في أفريقيا، إذ وقعت حالة تفشِّي واحدة هذا العام في الصومال؛ نجم عنها 174 إصابة حتى الآن.

وقد ظهر آخر تهديد للفيروس في التاسع عشر من أكتوبر الماضي، عندما نشرت منظمة الصحة العالمية بلاغًا، أفصحت فيه عن اكتشاف تجمُّع لحالات الإصابة بالشلل الرَّخو الحاد (أحد الأعراض الكلاسيكية لفيروس شلل الأطفال) في دير الزور، وهي منطقة نزاع شرقي سوريا. كانت السّلطات المحلية قد أكّدت أنَّ اثنتين من 22 إصابة هما إصابتان بالفيروس بالفعل، كما أفصحت منظمة الصحة العالمية في التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي عن وجود ما مجمله 10 إصابات. وقد تصوَّر المسؤولون وقوع الأسوأ، إذ أفصح أوليفر روزنباور، المتحدّث باسم مبادرة استئصال فيروس شلل الأطفال في منظمة الصحة العالمية في سويسرا، لدورية «نيتشر» في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الماضي، قائلًا: «الكل يتحرك باتجاه وضعيّة التأهّب للتصدى لانتشار الفيروس».

كبر الصورة


قد يعود السبب في انتشار هذه الحالات، غالبًا، إلى الهبوط الحادّ في نسب تطعيم الأطفال في سوريا، بسبب الحرب الدّائرة هناك. وبما أنَّ مقابل كل 200 حالة إصابة هناك حالة واحدة تؤدي إلى الشلل، فإنَّ تجمُّع الحالات ـ الذي تم اكتشافه ـ يدل على أنّ «ما خفِيَ أعظم»، كما يقول سبرينجر. ويضيف أيضًا: «هناك خطر كبير يلوح بأنّ المرض قد يتوطّن في سوريا».

وتواجه إسرائيل وضعًا مختلفًا، لكنه مقلقٌ أيضًا، إذ بالرّغم من أنَّ نِسَب تطعيم الأطفال ضد فيروس شلل الأطفال فيها مرتفعة، إلّا أنّه تم العثور على الفيروس في مياه المجاري في عدد من المدن جنوبي إسرائيل منذ فبراير من العام الجاري. كما تمّ العثور على الفيروس كذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويقدِّر كل من المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية، وجود خطر مرتفع لانتشار الفيروس دوليًّا عبر إسرائيل، مع الأخذ بعين الاعتبار الدورة المُطوّلة لانتشار أي فيروس عبر منطقة واسعة.

هذا.. وقد اكتشفت إسرائيل حتى الآن 42 شخصًا، تفرز أجسامهم فيروس شلل الأطفال في البراز، وذلك دون أن تظهر أي أعرض للشلل على أيٍّ منهم، وقد كانوا مُطعّمين بشكل كامل بلقاح الفيروس المعطّل (IPV)، الذي يتم إعطاؤه ضمن جدول التّطعيمات الروتينية في إسرائيل، ويوفّر الحماية ضد كافّة سلالات الفيروس. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها انتشار الفيروس دون العثور على أي حالات إكلينيكيّة. وتستخدِم معظم دول الاتحاد الأوروبي لقاح الفيروس المعطَّل أيضًا، وإذا كانت عرضةً لانتشار الفيروس الوارد؛ فقد تواجه انتشارًا خفيًّا للفيروس في البيئة أيضًا، معرِّضةً بذلك السكان الذين لم يتلقوا التطعيم للخطر، وخاصّة الأطفال. يوفر لقاح الفيروس المعطل مستوى مرتفعًا من الحماية الفردية لمُتلقِّي اللقاح، إلّا أنّه أيضًا يقلل من مناعة القناة الهضمية، وهو ما يعني احتمالية أن يفرزه حاملوا الفيروس المطعَّمون في البُراز. هناك أيضاً لقاح بديل وهو اللقاح

الفموي المضاد للفيروس (OPV) وهو عبارة عن فيروس حيٌّ وموهّن، ويوفّر مناعة قوية للقناة الهضمية ويمنع طرح الفيروسات إلى البراز. وعادةً يُستخدم اللّقاح الفموي في حملات التطعيم الواسعة ومكافحة انتشار الفيروس نظراً لأنّه فعاّل، زهيد الثّمن وسهل لتنفيذ عملية التطعيم. لكن في حالات نادرة قد يؤدي إلى الإصابة بالشلل ، لذا تُفضّل الدّول الخالية من الفيروس استخدام لقاح الفيروس المعطل الذي لا يؤدي لأي إصابات بالشلل.

ولوقف الانتشار الخفيّ للفيروس؛ أقدمت إسرائيل على تطعيم أكثر من 890,000 طفل منذ أغسطس المنصرم باللقاح الحي المُوهن. كما باشرت سوريا بإعطاء اللقاح ذاته لـ2.4 مليون طفل. هذا.. وتخطط منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسف لتنفيذ حملة تطعيم في كافّة الدول المجاورة. يقول روزنباور: «ستكون لظهور فيروس شلل الأطفال آثار تتخطى سوريا».

وقد مكّنت نُظُم رصد مياه المجاري في إسرائيل من اكتشاف الفيروس قبل حدوث أي حالة إكلينيكية، لكن في أوروبا، قليلة هي الدّول التي تراقب مياه المجاري. وعادةً ما تكون برامج رصد الشّلل الرّخو الحادّ رديئة الجودة فيها2,3. لذا.. هناك خطر حقيقي في أن يتم تصدير الفيروس، دون اكتشاف الأمر، وبالتالي التّسبب في انتشاره، كما يقول سبرينجر.

يتمتع الأوروبيون الذين تلقّوا التطعيم بالحماية من مخاطره، إلّا أنّه ـ وفي العديد من الدول، بما فيها أوكرانيا، ورومانيا، وحتى بعض الدّول الغنية ـ قد تكون نِسَب التطعيم ضد فيروس شلل الأطفال أقل من المثالية. فهناك ما يقارب 12 مليون طفل في دول الاتحاد الأوروبي غير مطعّمين ضد الفيروس.

يقول سبرينجر أيضًا: « نحن بحاجة إلى تحسين الرصد البيئي، وعدم الانتظار حتى ظهور حالات الشلل لدى الأطفال».

  1. ECDC. Suspected outbreak of poliomyelitis in Syria: Risk of importation and spread of poliovirus in the EU (ECDC, 2013); available at http://go.nature.com/6rEJj8

  2. ECDC. Wild-type poliovirus 1 in Israel — what is the risk to the EU/EEA? (ECDC, 2013); available at http://go.nature.com/uHJHZC

  3. WHO. Report of the 27th Meeting of the European Regional Certification Commission for Poliomyelitis Eradication (WHO, 2013); available at http://go.nature.com/yaLpJb