تأبين

ديفيد هنتر هابل (1926 - 2013)

عالِم الأعصاب الذي أسهم في الكشف عن كيفية معالجة المخ للمعلومات البصرية.

كارلا ج. شاتز
  • Published online:

بوفاة ديفيد هنتر هابل في الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي، خسر العالَم عالِمًا عظيمًا في مجال علوم الأعصاب. ليس هذا فحسب، بل خسر أيضًا أحد المؤيدين والمتحمّسين للأبحاث الصغيرة التي يمكنها أن تكون واحدةً من أقوى الوسائل للوصول إلى الاستكشافات.

BARKER FAMILY

درس هابل الدوائر المخية المسؤولة عن عملية الإبصار، بالتعاون مع طبيب الأعصاب تورستن ويزيل. وقد أعطى هذا الثنائي ـ بدراستهما لكل خلية عصبية على حدة ـ فهمًا جديدًا للدائرة القشرية التي تحتوي على ملايين الخلايا العصبية، وعلى مئات الملايين من الوصلات.

وُلِدَ هابل في وندسور بكندا، وترعرع في مونتريال. كان والده يعمل مهندسًا كيميائيًّا؛ فاتخذ هابل في صباه من الإلكترونيات والكيمياء وسيلة للتسلية. وفي عام 1947، تخرَّج في جامعة ماكجيل بمونتريال، حاصلًا على درجة البكالوريوس في الرياضيات والفيزياء، ثم بعد ذلك أقدم على الالتحاق بكلية الطب بجامعة ماكجيل أيضًا.

حصل هابل على شهادة الدكتوراة في الطب عام 1951، وتدرَّب في مجال علم الأعصاب كزميل بكلية الطب جامعة جون هوبكينز في بالتيمور بولاية ميريلاند، ولكن تعطلت دراساته قليلًا باستدعائه لأداء خدمته العسكرية في الجيش الأمريكي. وفي عام 1958، وجَّه ستيفين كوفلر ـ اختصاصي علم البيولوجيا العصبية ـ الدعوة إلى هابل؛ للالتحاق بمختبره، والعمل جنبًا إلى جنب مع ويزيل في «معهد ويلمر للعيون» بجامعة جون هوبكينز؛ لتكون بداية خمسة وعشرين عامًا من التعاون المشترك الفعّال. في الواقع، وبسبب كونهما يعملان قريبًا جدًّا من بعضهما البعض، وقيامهما بنشر الكثير من الأعمال معًا، فقد اعتقد بعض الناس أنهما كانا شخصًا واحدًا اسمه هابل ن. ويزيل.

في عام 1959، انتقل هابل وويزيل مع كوفلر إلى كلية هارفارد للطب في بوسطن بولاية ماساتشوستس. وفي الوقت الذي بدآ فيه تجاربهما في أواخر الخمسينات، لم تكن القشرة البصرية قد اكتُشِفت بعد. وفي كتابهما «المخ والإدراك البصري» Brain and Visual Perception ـ الذي صدر في عام 2004 (مطبعة جامعة أكسفورد) ـ شبَّه ويزيل «عملية اقترابهما هو وديفيد من القشرة البصرية بمستكشفَين لعالَم جديد».

أوضح كوفلر خلال فترة الخمسينات أن وجود بقع مضيئة في جزء صغير من مجال رؤية الأرنب أثار إشارات قوية في خلايا عصبية معينة في الشبكية، وخلايا عصبية أخرى قريبة منها متداخلة معها في المجالات المستقبِلة. وقد كشف ذلك عن أن المعلومات البصرية خلال انتقالها من الخلايا المستقبِلة للضوء إلى الخلايا العصبية الخارجة من الشبكية، تُفكَّك إلى صورة مشابهة للأعمال الفنية المنقطة لجورج سيورات، إلا أن ما بقي لغزًا هو كيفية إعادة تخليقها لتكوين صورة كاملة للعالَم، كتلك التي تراها العينان.

توصَّل هابل وويزيل إلى أن بقع الضوء التي نشطت الخلايا العصبية بكلٍّ من الشبكية، والنواة المنحنية الجانبية (وهي نقطة انتقالية بين الشبكية والقشرة البصرية ) بشكل قوي للغاية، لم يكن لها تأثير على الخلايا العصبية الموجودة في القشرة البصرية. ثم لاحظ الثنائي ذات ليلة أن رؤية طرف واحد من الشرائح المحفِّزة جعلت الخلايا العصبية بالقشرة البصرية تستجيب استجابةً شديدة. وبالإضافة إلى ذلك.. كانت هناك خلايا عصبية (تستشعر أطراف الشرائح المحفِزة) تستجيب للمعلومات القادمة من العينين كلتيهما.

بهذا.. اكتشف هابل وويزيل الخطوات الأولى التي تتم في الدائرة البصرية لإعادة تجميع صورة العالَم التي نراها بالعينين. وقدَّما اكتشافاتهما في دراستين مكتوبتين بشكل رائع في «دوريّة علم وظائف الأعضاء» The Journal of Physiology في عامي 1959، و1962.

في الأعوام التالية، اكتشف هابل وويزيل أن الأعصاب المستجيبة للخط أو الطرف ذاته متجمِّعَة في أعمدة رأسية، وممتدة من السطح الخارجي للقشرة البصرية إلى المادة البيضاء الداخلية الخاصة بها، وأنّ الأعصاب ذات أفضل استجابة لمحفِّزات العين اليمنى أو اليسرى متجاورةٌ، وفي تجمُّعات رأسيّة.

بدا بناء هذه الأعمدة في غاية الاتقان، لدرجة أن الباحثين اعتقدوا ـ في بادئ الأمر ـ أنها توصيلات سِلكيّة. ومن خلال الدراسات التي أجريت على القطط والقردة بعد إغلاق عين واحدة، مثل الأطفال الذين يعانون من مياه بيضاء خِلْقِيّة بالعين، وجد هابل وويزيل أن الخبرة البصرية قد تغيِّر الدوائر المُخِّيَّة، حيث لاحظا أنه عندما تكون عينٌ واحدة معاقَةً، تختطف العين السليمة الدوائر القشرية التي كانت من المفترَض أن تكون موزَّعة بالتساوي على العينين. وهذا الاكتشاف كان أوّل مثالٍ عن كيفية تَمَكُّن الخبرة من تغيير دوائر المخ.

وفي عام 1981، حصل هابل وويزيل على جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب، نتيجةً للدراسات التي قاما بها عن كيفية معالجة القشرة البصرية للمعلومات، مناصفةً مع عالِم البيولوجيا العصبية روبر سبيري.

كان ديفيد عاشقًا للفن والموسيقى طوال حياته، ففي بعض الليالي ـ عندما كنتُ طالبةً في مرحلة الدكتوراة في معمله هو وويزيل في السبعينات ـ كان الصوت الآسِر لآلة الفلوت الخاصة به ينساب من معمله إلى الأروقة. وكان أيضًا يستمتع بصناعة أدواته بنفسه، مثل القطب المجهري المصنوع من التّنْجِسْتِن، غالبًا باستخدام المخرطة الموجودة في المختبر.

كان إرثه الكبير بعد أطفاله (كان له ثلاثة أبناء من زوجته روث) هو شغفه بالأبحاث الأوّلية المبنيّة على الاكتشاف. ونقلَ هذا الحماس إلى جيوش من الخريجين وطلبة الطب في محاضراته الساحرة، حيث كان في الغالب يستخدم الخدع البصرية؛ ليربط العلم والنظام البصري بالفن وجماله والإدراك البصري.

أعرب ديفيد عن قلقه بشأن البحث في مجال الطب الحيوي: فالمختبرات الكبيرة التي تديرها الجامعة منشغلة جدًّا بكتابة طلبات المنح، وإدارة تلك المعامل؛ لتتمكن من تنفيذ التجارب الخاصة بها. وبعد أن أغلق معمله الخاص، عقد ندوةً حضرها طلاب جامعيُّون بجامعة هارفارد، قام خلالها بتدريس مبادئ علوم الأعصاب، والتقنيات العملية المستخدَمة في المعامل، بما فيها كيفية استخدام المخرطة، ولحام لوحة إلكترونية، وكيفية النظر من خلال المجهر.

أظهر ديفيد لأجيالٍ من العلماء الناشئين والأطباء كيف أنّ العِلْم يمكن أن يتحوَّل إلى فن، والعكس صحيح أيضًا. ويعود الفضل إليه في تغيُّر فهمنا للمخ والإدراك تغيُّرًا شديدًا.