أنباء وآراء

الفيزياء الكمية: مراقبة انهيار الدّالَّة المَوْجِيّة

تم تعقب المسار العشوائي المتواصل للحالة الكمية لنظام فائق التوصيل مع تغير الحالة خلال القياس. وتفتح النتائح إمكانية توجية النظم الكمية إلى حالات مرغوبة.

أندرو ن. جوردَن
  • Published online:

القياسات الكمية المتواصلة لنظامٍ تستنطق النظام بلطف. والانهيار المفاجئ عادة للدالة الموجية، الذي يقع عمومًا عند القياس، يحدث تدريجيًّا عبر فترة زمنية. والآن، تتيح تطورات النظم الكمية فائقة التوصيل للعلماء أن يتعقبوا "مسارًا كميًّا" بعينه بما يصف مسارًا عشوائيًّا متواصلًا تتخذه حالة كمية لدى انهيارها من تراكب كمي إلى إحدى حالاتها الكلاسيكية المتاحة. وكان ميرش وزملاؤه1 قد أوردوا مؤخرًا بدوريّة “نيتشر» تقريرًا حول تجربة تؤكد نظرية المسارات الكمية، وتُطوِّر طريقة للتحكم الكمي في نظم الحالة الصلبة.

شهد العقد الماضي تقدمًا تقنيًّا ضخمًا في مجال النظم الكمية فائقة التوصيل. وكانت أبحاث التحكم والقياسات الكمية لنظم منفردة قد هيمن عليها ـ حتى وقت قريب ـ مجال البصريات الكمية، الذي يتناول الفوتونات والذرات2، لكن تقنيات تصنيع ذرات من صنع الإنسان في صورة نظم فائقة التوصيل (تظهر مستويات طاقة منفصلة وأوقات تماسك كمية طويلة ضرورية لإجراء عمليات متعددة على النظم قبل أن تصبح فعلا أشياء كلاسيكية) أنتجت بشكل متواصل مرّات تماسك أطول. في سنة 2000، كانت فترات التماسك النموذجية لمثل تلك النظم الكمية فائقة التوصيل 10 نانوثانية، بينما هي اليوم تفوق 100 مايكروثانية، بزيادة 10 آلاف مرة3.

استخدمت تجربة ميرش نوعًا جديدًا نسبيًّا من النظم، يسمى "ترانسمون" ثلاثي الأبعاد3. هذا النظام عنصر فائق التوصيل يُوصَف بواسطة حالة أرضية (بأقل طاقة) وأول حالة مُثارة، ويُحفظ عند درجة حرارة منخفضة. يمكن اكتشاف حالة النظام الكمية بوضع العنصر فائق التوصيل داخل صندوق موجات دقيقة (مايكروويف). يعمل المِكشاف بطريقة مماثلة لأفران المايكروويف القابعة في مطابخ كثيرة، حيث تُرسَـل الموجات الدقيقة إلى الصندوق، وتتفاعل مع النظام فائق التوصيل. يسبب فرن المايكروويف دوران واصطدام جزيئات الماء بالجزيئات المجاورة حتى يتم امتصاص الموجات الدقيقة وتحويل الطاقة مباشرة لتسخن الماء في الطعام.

وعلى النقيض من ذلك، فالـترانسمون فائق التوصيل مثبت في مكان، والموجات الدقيقة بعيدة في رنين مع التردد اللازم لدفع النظام بين حالتيه الأرضية، والمُثارة، حتى لا يحدث امتصاص. وهذا يسبب تفاعلًا غير مباشر بين فوتونات الميكروويف والنظام الكمي. تعود الموجات الدقيقة خارج الصندوق من خلال بوابة منفصلة، وتُستخرَج المعلومات عن النظام الكمي من تحوُّل في الطور (حيث تصبح للموجة قِمَم وقِيعان) تخضع له الموجات في الصندوق. وهذا ممكن، لأن فيزياء التفاعل بين الموجات الدقيقة والنظام فائق التوصيل مفهومة جيدًا، ويمكن استخدامها لمعايرة المخرجات للاستدلال على حالة النظام.

وهناك عنصر مهم في هذه التجربة، هو أنها تستغرق وقتًا لقياس النظام بالكامل. ورغم وجود معلومات عن النظام الكمي في الموجات الناتجة، إلا أنها ذات قدر قليل من المعلومات. وذلك نظرًا إلى أن فوتونات المايكروويف تبدي ضوضاء كمية تخفي إسهام النظام. يسمى هذا الوضع أحيانًا "مكشافًا ضعيف الاستجابة4"، وتسمى القياسات الكامنة "قياسات ضعيفة5". ونتيجة لذلك.. يمكن للمرء بعد جمع قدر كاف من البيانات، تمييز إشارة النظام من ضوضائه، وتحديد حالة انهيار النظام النهائية.

وأثناء عملية جمع البيانات، استخدم ميرش وزملاؤه شكليّة المسارات الكمية؛ لاستنباط حالة النظام الكمي من تيار الموجات الدقيقة المتواصل. تدرك هذه الشكلية أن عملية جمع البيانات متواصلة، ولذلك تستخدم معلومات تحتويها القياسات الضعيفة لتحديث الحالة الكمية في ضوء المعلومات الجديدة الواردة. وندرة المعرفة المتحصلة من البيانات عن النظام تعني أن الاضطراب الحاصل للنظام صغير، ولذا.. فحالة النظام المحدَّثة قريبة من الحالة الأصلية. ثمّ تُكرَّر هذه العملية كلما جمعت بيانات أكثر، مما يولد المسار الكمي، حيث تتبع الحالة حركة منتشرة في الزمن. هكذا، راقب ميرش وزملاؤه حرفيًّا الدالة الموجية تنهار بشكل متواصل حتى الحالة النهائية بإجراء التجربة مرة واحدة.

وطريقة متابعة الحالة الكمية في الزمن تماثل مطاردة فراشة أطلقت من قفص (انظر الشكل 1). وبافتراض أن كل فراشة تطير بشكل متعرج، لكن بنهاية المطاف تعبر الحقل لتهبط على إحدى شجرتين، ولو أطلقت فراشة أخرى في الظروف الأولى نفسها، فستتبع مسارًا متعرجًا مختلفًا. إذن، لا يمكن التنبؤ بوتيرة طيران الفراشة، لكن بعد مراقبة كافية لفراشات تقوم بالرحلة، يمكن إجراء تنبؤات إحصائية لأسئلة مثل: أي شجرة ستهبط عليها الفراشة؟ ما هي مدة الرحلة؟ ما هو متوسط مسار الرحلة لو هبطت الفراشة على الشجرة الأولى6؟ وبالطريقة نفسها، ورغم كون أي مسار كمي فردي عملية عشوائية، يمكن طرح أسئلة إحصائية مماثلة، مثل: ما هو احتمال أن ينتهي النظام في حالة مُثارة؟ ما هو متوسط زمن الوصول لذلك؟ ماذا سيكون متوسط المسار الكمي، لو انتهى في الحالة المُثارة؟ أحد التنبؤات النظرية التي اختُـبرت بنجاح في هذا العمل أن المسار الكمي في وقت محدد يعتمد فقط على الإشارة الإجمالية المدمجة للمكشاف؛ وصولًا إلى النقطة الزمنية.

الشكل 1 | عن الفراشات والمسارات الكمية. أجرى ميرش وزملاؤه1 قياسات على نظام كمي، مكنتهم من تعقب المسار الكمي المتواصل لحالة النظام عندما تنهار إلى حالة نهائية أثناء عملية القياس. والقياسات التي تبدأ من وضع البداية نفسه ستحقق مسارًا كميًّا مختلفًا. وفي نهاية المطاف، تنتهي بحالة النظام الكمي الأرضية أو المُثارة. تناظر هذه العملية مراقبة فراشات تتخذ طريقها، واحدة تلو الأخرى، من قفص؛ لتعبر حقلًا إلى إحدى شجرتين متجاورتين (وهما في هذا المثال الحالتان الأرضية، والمُثارة). كل وتيرة لرحلة الفراشة تشبه إجراء التجربة مرة واحدة.

كبر الصورة


عندما تطارد الفراشة، ستغير مسارها؛ استجابة لكونها متعقَّبة، مما يفتح احتمال توجيه الفراشة حيث تريد أنت. وبالمثل، تطرح إمكانية مراقبة المسارات الكمية أيضًا إمكانية توجيهها باستخدام مراقبة ردود الفعل، حيث معامِلات التحكم للنظام الكمي تتغيَّر ديناميكيًّا؛ استجابة لمحصلة القياس. وفي الواقع، نشر الفريق البحثي نفسه بالفعل نتائج تجربة تضع مثل هذا التحكم موضع التنفيذ لتحقيق استقرار ديناميات نظام قيد القياس المتواصل7.

وتُظْهِر البيانات المنشورة تأثير تمديد القياس في القياسات المتواصلة8،9. ولأن المكشاف يعطي معلومات جزئية فقط عن الحالة الكمية، هناك إمكانية أن "تقلب" مخرجات المكشاف حُكمها عن حالة النظام. لاحظ الباحثون عدة مرات أن المسار الكمي أعاد الحالة إلى حيث بدأت. فالمكشاف قاس النظام بعض الوقت، مسببًا انهيار حالة النظام جزئيًّا، ثم قاس مرة أخرى لبعض الوقت، ممدِّدًا حالة النظام.

تعزِّز هذه التجربة نظم الحالة الصلبة أكثر كلاعب محوري في معالجة النظم الكمية المنفردة والتحكم بها، وهي مجال الأبحاث الفائزة بجائزة نوبل للفيزياء عام 2012، التي فاز بها سيرج هاروش وديفيد واينلاند10. تفتح التجربة الباب لآفاق بحثية أبعد في التحكم الكمي وتغذية المرجوع الكمية، وتظهر الأهمية الأساسية للأفكار الجديدة في القياس الكمي الضعيف والمتواصل، وهو مجال لقي تجاهلًا كبيرًا حتى وقتٍ قريب في فيزياء الحالة الصلبة، لكن يبدو الآن أنه في "مسار" الصعود.

  1. Murch, K. W., Weber, S. J., Macklin, C. & Siddiqi, I. Nature 502, 211214 (2013).

  2. Wiseman, H. M. & Milburn, G. J. Quantum Measurement and Control (Cambridge Univ. Press, 2010).

  3. Devoret, M. H. & Schoelkopf, R. J. Science 339, 11691174 (2013).

  4. Korotkov, A. N. Phys. Rev. B 60, 57375742 (1999).

  5. Aharonov, Y., Albert, D. Z. & Vaidman, L. Phys. Rev. Lett. 60, 13511354 (1988).

  6. Chantasri, A., Dressel, J. & Jordan, A. N. Preprint at http://arxiv.org/abs/1305.5201 (2013).

  7. Vijay, R. et al. Nature 490, 7780 (2012).

  8. Korotkov, A. N. & Jordan, A. N. Phys. Rev. Lett. 97, 166805 (2006).

  9. Katz, N. et al. Phys. Rev. Lett. 101, 200401 (2008).

  10. Georgescu, I. Nature Phys. 8, 777 (2012).