تأبين

بيتر هَتِنلوكر (1931 – 2013)

عالِم الأعصاب الذي أظهر تشكُّل التشابكات العصبية وتقليمها أثناء تطوّر الأطفال.

كريستوفر أ. والش
  • Published online:

أظهر بيتر ريتشارد هَتِنلوكر ـ عالِم الأعصاب الرائع في لطفه، وصاحب الهدوء الفائق ـ أن المليارات من نقاط التشابك العصبي (مناطق الاتصال بين خلايا المخ التي تتوسط عمليتي التعلُّم والذاكرة) تتولّد في القشرة الدماغية البشرية خلال الأشهر الأولى من الحياة. وهو الذي سجّل أيضًا الاكتشاف الأكثر إثارةً للدهشة بأنّ الكثير من هذه التشابكات يُقضَى عليها خلال السنوات اللاحقة، بمجرّد أن يحقِّق الأطفال الخطوات الأكثر أهمية من مراحل تطوّرهم، كالمشي، والكلام.

JAMES BALLARD/UNIV. CHICAGO MEDICINE


هذه الفكرة ـ التي تفيد بأنّ زوال أو «تقليم» نقاط التشابك العصبي هو جزء من التعلّم، تمامًا مثل تَكَوُّن هذه النقاط ـ أثّرت على مجالات شديدة التنوع، مثل علم الأعصاب التطوّري، وتطوّر الطفل، وتعلّم اللغة الأمّ.

وُلد هتِنلوكر ـ الذي وافته المنيّة بسبب الالتهاب الرئوي في 15 أغسطس 2013، بعد صراع طويل مع مرض الشلل الرّعّاش «باركنسون» ـ في أوبرلانشتاين باي كوبلنز، ألمانيا، في عام 1931. رفضت والدته ـ مغنية الأوبرا ـ الانضمام إلى الحزب النازي، وهربت إلى الولايات المتحدة في عام 1937، تاركةً بيتر الصغير وإخوته؛ ليربيهم والدهم الكيميائي.

لقد أسهمت تجارب هتِنلوكر ـ كطفل شاهد على النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وعلى التضوّر جوعًا، ومعاناة الناجين الألمان في المناطق الروسية والفرنسية في ألمانيا بعد الحرب ـ في اهتمامه مدى الحياة بالأخلاق، والمعنويات، والسلوك البشري.

وفي عام 1949، عندما بلغ 18 عامًا من عمره، سافر إلى الولايات المتحدة مع شقيقه الأكبر دايتر لزيارة والدته؛ وقرّر البقاء هناك. وبعد فترة وجيزة من وصول بيتر، التحق بجامعة بافالو في نيويورك، حيث التقى بزوجته المستقبلية، جينلن بيرنز، التي واصلت طريقها حتى أصبحت ناجحةً في علم النفس المعرفيّ.

تخرّج بيتر في كليّته بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف في الفلسفة في عام 1953، وتزوّج من جينلن بعد ذلك بعام. وانتقلا معا إلى جامعة هارفارد في ولاية ماساتشوستس، حيث حصلت هي على شهادة الدكتوراة في علم النفس، وحصل هو على شهادة كلية الطبّ في جامعة هارفارد، وتخرّج بدرجة امتياز في عام 1957. بعد فترة التدريب كطبيب مقيم، ودرجتي زمالة بحثية، أمضى هتِنلوكر بضع سنوات كمدرّس في جامعة هارفارد، تلتها ثماني سنوات كأستاذ مساعد، ثم أستاذ مشارك في طب الأطفال وعلم الأعصاب في كلية الطب بجامعة ييل في نيو هيفن، كونيتيكت. وفي عام 1974، انتقل مع جينلن إلى جامعة شيكاغو في ولاية إيلينوي، حيث أمضى بقية حياته العمليّة. وهناك، كان أستاذًا في طب الأطفال وعلم الأعصاب، والرئيس المؤسِّس لعلم أعصاب الأطفال.

في منتصف السبعينات من القرن العشرين، بدأ هتِنلوكر بدراسة تشكُّل نقاط التشابك العصبي في أدمغة الأطفال واليافعين الأصحاء الذين لقوا حتفهم لأسباب مختلفة. ووضع خريطة المسار التطوري لتكوُّن مناطق التشابك في قشرة الدماغ منذ الفترة المحيطة بالولادة، حتى المراحل المبكرة من سنّ الرشد، وذلك باستخدام المجهر الإلكتروني، وبالقيام بكثير من العمل بنفسه. كان قد خطّط في الأساس لمقارنة أدمغة الأطفال المصابين بالإعاقة الذهنية بتلك التي لدى الأطفال غير المعاقين ذهنيًّا، ولكن ـ وكما كَتَبَ لاحقًا في بحث حول هذا الموضوع ـ سرعان ما اكتشف أن «النتائج التي توصّل إليها في الأفراد الطبيعيين كانت أكثر إثارة للاهتمام من مثيلتها لدى غير الطبيعيين».

وجد هَتِنلوكر أن عدد نقاط التشابك العصبي يتضاعف أكثر من عشر مرات خلال السنة الأولى التالية للولادة. وكان هذا الاستنتاج منطقيًّا، نظرًا إلى الحاجة إلى وصلات التشابك لتشكيل الدّارات العصبيّة التي تشكِّل أساس القدرات الجديدة والذكريات في السنة الأولى من عمر الطفل. وما يثير الدهشة أنّ العدد الإجمالي من نقاط التشابك العصبي ينخفض بشكل كبير في وقت ما خلال السنة الثانية من العمر. وأظهر هَتِنلوكر أن تقليم مناطق التشابك يستمر على مدى عدة سنوات، عندما يبدأ الأطفال باكتساب اللغة، وتعلُّم الجري، والذهاب إلى المدرسة، ليستقر عدد التشابكات الإجمالي في مرحلة المراهقة.

وكان اكتشاف هَتِنلوكر لغزارة تكوُّن نقاط التشابك العصبي ثم تقليمها سابقًا لوقته بعشرين سنة، أو أكثر. واليوم، معظم الأفكار التي تتعلق بتطوّر الدماغ البشري، من أَدَقِّها مجهريًّا إلى تلك المرئية إلى الاجتماعية، تُسْتشَفّ من عمله. على سبيل المثال.. يدرس الباحثون الآن الآليات التي تتحكم في التقليم، والاحتمالات التي توفّرها لُدُونة التشابكات، وكيفية استخدام فهم تطوّر التشابك لتحسين التدخلات التعليمية المبكرة، وتعلُّم اللغة، أو تدريس الموسيقى. والأكثر من ذلك.. في العقد الماضي، أشارت معظم نماذج اضطراب طيف التوحّد إلى أن الأشخاص المصابين بالتوحّد قد لا يكون عدد التشابكات في أدمغتهم أقلّ منه لدى سواهم من غير المصابين به، ولكنهم ـ بدلًا من ذلك ـ يُبْدون عيوبًا في التخلّص من التشابكات العصبية التي تخضع للتقليم عادة.

واصل هَتِنلوكر عمله على نقاط التشابك العصبي طوال السبعينات من القرن الماضي. وكان مِنْ بين أوّل مَنْ لاحظ أن أدمغة الأفراد ذوي الإعاقة الذهنية تحتوي على العدد نفسه من نقاط التشابك العصبي الذي تحتويه أدمغة غير المعاقين ذهنيًّا، إلا أنها تميل إلى الاختلاف في شكلها. هذا الاكتشاف للعلاقة بين شكل التشابك وأدائه الوظيفي هو عنصر رئيس آخر في فهمنا لِلُدُونةِ الدماغ والتعلّم. كما قدّم عددًا كبيرًا من الإسهامات الأخرى، فقد اكتشف ـ على سبيل المثال ـ أن الشكل الموروث للصرع يرتبط بتشوه دماغي بسيط، وأحرز تقدّمًا في فهم وعلاج مجموعة مختلفة من حالات أمراض الطفولة العصبية، مثل التصلّب الدرني.

كان عشق بيتر الأكبر  يتمثل في التدريس، وأبحاثه، ورعاية أعداد لا حصر لها من الأطفال المصابين بحالات دماغية ممّن لجأوا إليه طلبًا للعلاج، لكنه كان يستمتع أيضًا بالموسيقى الكلاسيكية، والعزف على المزمار، والعمل في الحديقة، والخَبْز. وقد استمتع للغاية بأطفاله الثلاثة (الذين اختاروا جميعًا مِهَنًا رائعة)، وأحفاده الأربعة.

سوف تظل ذكراه وضّاءة بفضل عمله الرائد والخيالي على تطوّر التشابكات العصبية البشرية، وسوف يذكره أيضًا العديد من المرضى الذين أسهمَ في تحسين حياتهم، والعديد من الأطباء والطلاب الذين درّبهم في السنوات التي قضاها في جامعتي ييل، وشيكاغو.