عمود

عمــود: عروض متحرِّكة للعلوم

يشرح كوينتين أندرسون كيف أنّ فَهْم الباحثين لدور المواد المرئية في توصيل الأبحاث من شأنه أن يساعد العلماء على الاستفادة القصوى من تلك التقنية.

كوينتين أندرسون
  • Published online:

أستطيعُ أنْ أساعد العلماء ـ بصِفَتِي مُصَمِّم عروض متحركة ـ على نشر أفكارهم عبر مجتمع البحث العلمي، ورفع الوعي بأعمالهم، واجتذاب التمويل. وخلال آخِر مشروعاتي، أدركتُ أن العديد من العلماء بإمكانهم الاستفادة من المزيد من المعلومات؛ ليوظِّفوا العروض المتحركة بأقصى إمكاناتها.

كان عميلي هو تشاد ميركين، مدير المركز الدولي لتقنية النانو في جامعة نورث ويسترن في إفانستون بإلينوي. أراد ميركين عرضًا متحركًا ينقل مشاهديه إلى المستوى الجزيئي الدقيق؛ ليلقوا نظرة على خصائص «الأحماض النووية الكرويَّة» SNAs؛ وهي جسيمات نانويّة يتم تطويرها وإجراء الأبحاث عليها في مختبره. كانت هذه هي المرة الأولى التي ينتج فيها رسومًا متحركة. فقد أراد ميركين أن يعرف طبيعة دوره، وكيف يمكن الإبقاء على جذب انتباه المشاهدين، وكيف يمكنهم التواصل من خلال ذلك الموضوع العلمي بدقة ووضوح.

<p>عرض متحرِّك على الحاسوب، يوضح نشاط جسيمات تسمَّى الأحماض النووية الكرويّة.</p><p><br></p>

عرض متحرِّك على الحاسوب، يوضح نشاط جسيمات تسمَّى الأحماض النووية الكرويّة.

Q. ANDERSON/C. MIRKIN


إن بعض النصائح الأساسية تساعد على إزالة الغموض حول العروض العلميّة المتحركة، وتسمح للعلماء بالاستفادة القصوى من هذه الأداة قوية التأثير.

الخطوة الأولى هي كتابة نَصٍّ يصف المفاهيم والأفكار التي يأمل الباحث في توضيحها وتوصيلها، ثم يبدأ الباحث ـ منفردًا، أو بالتعاون مع مصمِّم الرسوم المتحركة ـ بإعداد موجز للموضوع العلمي، ثم يقوم بتقسيم الموجز إلى مَشاهد، يستخدمها كدليل لكتابة التعليق الصوتي. وعلى سبيل المثال:


المشهد 1 من الموجز: تعريف الأحماض النووية الكروية.

التعليق الصوتي: تتكون الأحماض النووية الكروية من أحماض نووية مُكدَّسة شديدة التخصص، متراصّة بشكل اعتيادي على سطح الجسيم النانوي.


يجب أن يكون التعليق الصوتي موجزًا. وتختلف الفترة الكلية التي يستغرقها العرض المتحرك، لكنْ بشكل عام.. يستغرق الفيديو الذي يشرح فكرةً أو افتراضًا بحثيًّا ما بين دقيقتين وأربع دقائق. وفي المعتاد، يتكلم المُعلِّق ما بين 125 و130 كلمة في الدقيقة. لذا.. فإن عرضًا متحركًا مدته ثلاث دقائق لن يتضمن أكثر من نحو 400 كلمة من التعليق الصوتي. وقد يستغرق إعداد عرض من ثلاث دقائق ما بين أسبوعين وأربعة أسابيع، على حسب الوقت الضائع بين كل مراجعة وأخرى.


بناء السياق

يجب أن يذكر التعليق الصوتي فوائدَ أو تأثيرات هذه المادة العلمية، بحيث يستطيع المشاهدون أن يبنوا ارتباطًا بالمحتوى. ولنأخذ مثالًا لعرض متحرك افتراضي عن الإنسولين ومُستقبِلات الإنسولين. النص الذي يشرح ببساطة العلاقة بين هذه الجزيئات، بدون ذِكر أهمية التفاعل بينهم، قد يكون على هذا النحو:


المشهد 1 من الموجز: شرح للعلاقة بين الإنسولين، ومُستقبِلات الإنسولين

التعليق الصوتي: يؤدي الارتباط بين الإنسولين ومُستقبِلاته إلى توالي الإشارات داخل الخلية، وهو ما يعمل على زيادة تخزين الجلوكوز داخل الخلايا. ويؤدي فشل الإنسولين في الارتباط بمستقبِلات الإنسولين إلى منع الامتصاص الخلوي للجلوكوز.


ولكي يكون التعليق الصوتي أكثر جذبًا؛ يجب أنْ يصف كيف يؤثر تفاعل تلك الجزيئات على الصحة:


مشهد 1 من الموجز: العلاقة بين الإنسولين، ومستقبلات الإنسولين يتم شرحها في سياق مرض السكري.

التعليق الصوتي: يؤدي الارتباط بين الإنسولين، ومستقبلاته إلى توالي الإشارات داخل الخلية، وهو ما يعمل على زيادة تخزين الجلوكوز داخل الخلايا. وإذا فشل الإنسولين في الارتباط بمستقبلاته؛ فعندها لا تمتص الخلايا الجلوكوز؛ ويرتفع مستوى السكر في الدم، وهو ما تَنتج عنه الأعراضُ المرتبطة بمرض السكري.

ومثلما هو الحال عند إنتاج أي وسيلة إيضاح في مجال العلوم، يجب أن يُوضع في الاعتبار الخلفية العلمية للمشاهدين ومستوى تعليمهم. لقد كان العرض المتحرك الخاص بميركين يستهدف مشاهدِين بمستوى فهمٍ للكيمياء والأحياء يعادل مستوى الدراسة الجامعية. لذا.. استخدم ميركين لغة الأحياء لوصف كيف تدخل الأحماض النووية الكرويَّة إلى الخلايا، قائلًا: «إن الكثافة العالية للأحماض النووية تؤدي إلى تفاعلات مع البروتينات الكاسحة المحيطة بالغشاء. وكنتيجة لذلك.. يتم امتصاصها من خلال الابتلاع الخلوي».

وقد استخدم ميركين لغةً غير متخصصة خلال مقابلة مع موقع (thegoodstuffshow.com)، وهو موقع إلكتروني يطوِّر فيديوهات معلوماتية عن الظواهر العلمية، تُخاطب الأشخاص العاديين. وقال ميركن: «بإمكانك أن تغذي الأحماض النووية الكرويَّة مباشرةً إلى داخل الخلية، وتقوم الخلايا بامتصاصها». لذا.. فإن تحديد الجمهور المستهدَف بدقة قبل كتابة النص أمرٌ مهم للغاية.


طريقة عمل النماذج

بعد الانتهاء من إعداد النص، يتعاون العالِم مع مصمِّم الرسوم؛ من أجل نقل تصوُّراته إلى الواقع. وتزداد فرص التفاعل والتعاون البَنّاء بشكل كبير، إذا كان الباحث يفهم كيفية توظيف عناصر الرسوم المتحركة، مثل النماذج والألوان؛ من أجل توصيل العلوم بشكل فعّال.

يقوم مصمِّم الرسوم المتحركة ببناء نماذج؛ لتحويل الوقائع إلى صورة مرئية. وتساعد الأنواع المختلفة من النماذج على بث الحياة في جوانب مختلفة من البيانات، أو ملامح مختلفة من المكونات المستخدَمة. فعلى سبيل المثال.. تُعتبر النماذج الشريطية فعّالة لتوضيح أشكال الجزيئات الكبيرة ومحيط الأشكال. أما نماذج الكرة والعصا، فهي تُبرز ذرات الجزيء والروابط بينها. ويعتمد تقدير أيّ النماذج مناسب أكثر على نوعية الخصائص التي يرغب الباحث في إبرازها (انظر: «النهج البصري»).

كبر الصورة


على سبيل المثال.. في العرض المتحرك الخاص بميركين، تطلّب تصميم جدائل صغيرة من الحمض النووي والحمض النووي الريبي ـ الأوليجونيوكليوتيدات ـ استخدام كلا النموذجين؛ الشريطي، والكرة والعصا. ولِجَعْل التعرف على الأوليجونيوكليوتيدات سهلًا، أراد ميركين أن يبدو هيكلها بشكل لولبي، وهو شكل مرتبط عمومًا بالأحماض النووية. لذلك.. استخدمنا نموذجًا شريطيًّا.

هذا.. ولم يكن النموذج الشريطي مناسبًا لعرض القواعد المتصلة بالهيكل الأساسي. فقد جعلها تبدو وكأنها لوحٌ مسطَّح، وهو ما تَسَبَّب في صعوبة التمييز بين السايتوسين، والأدينين، على سبيل المثال. وللتفرقة بين تلك القواعد، قمنا بتمثيل ذراتها بشكل كرات، وجعلنا الروابط بين هذه الذرات في شكل عِصِيّ.

في حالات أخرى، عندما لا يكون التركيز مُنْصَبًّا على الروابط الكيميائية والذرات، ولكنْ على المساحات التي تشغلها الذرات، أقوم بعرض الذرات باستخدام نموذج «ملء الفراغات»، وهو النموذج الذي تظهر فيه كل ذرّة كأنها كرة متصلة بعقب الذرة الأخرى. وهذا يُصوِّر الجُزَيء كأنه جسم صلب، ذو سطح غير مستوٍ.


أَبْقِهِ مُبَسَّطًا

دائمًا ما أحث عملائي على أن يتذكّروا أن النماذج تبسِّط البيانات التي تمثّلها. وإذا كان النموذج لا يعبِّر عن المادة العلمية بشكل مناسب، فعلى الباحث أن يتعاون فكريًّا مع مصمِّم الرسوم؛ للخروج بالعرض الأكثر ملاءمة.

وبالرغم من تعدُّد أشكال الجزيئات ومحيطها، إلا أنها ليست لا نهاية لها. وبإمكان برامج الحاسوب إنشاء نماذج متنوعة، لكنْ كل واحدة منها تستهلك موارد الحاسوب، ولذا.. يصعب عرض المَشاهد التي تتضمن آلاف الأشياء، خاصةً إذا كانت هذه النماذج مفصلة للغاية. فالدهون ثنائية الطبقات ـ على سبيل المثال ـ مشهورة بصعوبة صناعتها، لأنها تحتوي على مئات الآلاف من الجزيئات الدهنية.

أحيانًا ما يتم التضحية بالدقة العلمية، فعلى سبيل المثال.. يزدحم حيز الخلية بالبروتينات، لكن إذا تم عرض ذلك، فإن تصوير حدث واحد في الخلية يصبح صعبًا. لذلك.. عادةً ما يُترك هذا الحيز فارغًا في العروض المتحركة، حتى يتسنى عرض الوقائع البيوكيميائية التي يركِّز عليها التعليق الصوتي بشكل أوضح. كما يتم تجاهل أو تقليل الحركة البراونِيّة ـ وهي الحركة العشوائية للجسيمات الناتجة عن اصطدام الجزيئات ـ إذا كانت تعوق مطالعة الموضوع العلمي. إن العروض المبسَّطة قد لا تكون دقيقة بشكل كامل، لكنها تساعد على توصيل المادة العلمية بوضوح في وقت قصير.


مؤثرات فنية

«العروض المتحركة ليست ممتعةً فحسب، لكنها أيضًا مؤثِّرة بشكل لا يُصَدَّق».

بإمكان الألوان والموسيقى أن تُدعّم التفاصيل العلمية، فعلى سبيل المثال.. من شأن اختيار مخطَّط ذي ألوان معبّرة أن يساعد المُشاهِد على فهم مشهد معقَّد. فخلال عرضه لقَطْع عرضي لبكتيريا Escherichia coli، قام ديفيد جودسيل - رائد الإيضاحات الجزيئية في معهد سكريبس البحثي في لاجولا بكاليفورنيا - بترميز الجزئيات باستخدام الألوان؛ من أجل تحديد الأجزاء الوظيفية المختلفة للخلية. من المهم جدًّا أنْ تتقدّم بحذر؛ لتجنُّب الالتباس.. فعلى سبيل المثال.. إذا أُعطيت البروتينات السيتوبلازمية في القطْع العرضي للإيكولاي اللون نفسه لبروتينات المحيطة بالغشاء؛ كان سيصعب تمييز هذه الأجزاء عن بعضها البعض.

الموسيقى تجعل العروضَ المتحركة أكثر تفاعلًا. فقد قام مختبر «بيوفيجينز» BioVisions - وهو مختبر للوسائط المتعددة في جامعة هارفارد بكمبريدج في ماساتشوستس - بإضافة معزوفة بيانو محرِّكة للمشاعر إلى عرض متحرك يسمَّى «الحياة الداخلية للخلية». وفي رأيِي، لم يكن الهدف من الموسيقى هو الإمتاع فقط.. فهذا اللحن المتكرر عَكَسَ الدورات الإيقاعية للعمليات الخلوية، وهو ما أثرى الإحساس بأنّ هذه العمليات قابلة للفهم، ومتكررة بشكل أبدي. وعملت الارتفاعات التدريجية في صوت الموسيقى (الكريسيندو) على إبراز روعة هذه العمليات العِلمية الأساسية. هذه الموسيقى - الحائزة في عام 2006 على جائزة «تيلي» لأفضل تأليف موسيقيّ لفيلم أو فيديو ليس للبث - ساعدت المشاهدين على الانغماس في عالَم ما بداخل الخلايا، كما ساعدتهم على تكوين انطباع دائم في أذهانهم.

أحيانًا ما تتسبب الموسيقى في تشتيت المشاهدين عن هدف العرض المتحرك. وجدير بالذِّكر أنّ نقول إنّ معرفة جمهورك هي المفتاح. فلقد قام مختبر «بيوفيجينز» بعمل نسخة من «الحياة الداخلية للخلية»، يقوم فيها مُعلِّق صوتيّ بوصف العمليات داخل الخلايا الموَضحة في العرض. لم تُصَاحِب هذه النسخة أي موسيقى، وهذا لسبب مهم: فقد يصبح العرض مُشتِّتًا لطالبٍ - على سبيل المثال - يَستخدِم العرض المتحرك في الإعداد لاختبارٍ في علم الأحياء الخلوي. لذا.. يجب على العلماء وصنّاع الرسوم المتحركة أن يحدِّدوا أهداف العرض، ومشاهديه؛ لمعرفة ما إذا كانت الموسيقي مفيدةً، أم معوِّقة.

إن العروض المتحركة ليست ممتعة فحسب، لكنها أيضًا مؤثِّرة بشكل لا يُصَدَّق. ومن خلال صياغة نص جذّاب ومناسب للجمهور، وإعطاء صانع الرسوم تعليقات ملائمة، بإمكان العلماء تحويل أبحاثهم إلى ما هو أكثر من الحقائقَ والأرقامِ والاختصارات.. بإمكانهم تحويلها إلى قصة بصرية جذّابة.