تحقيق إخباري

إيكولوجيا الأمازون: آثـار أقـدام في الغابة

يقوم العلماء بتحديد مقدار تأثير السكان الغابرين على الأمازون.

جيف توليفسون
  • Published online:

<br><p>ربما أقام السكان الأصليون مزارع نخيل وموز منذ زمن بعيد.</p>


ربما أقام السكان الأصليون مزارع نخيل وموز منذ زمن بعيد.

Ton Koene/Visuals Unlimited/Corbis


قادت كريستال مَكْمايكل فريق عمل لأول مرة في أدغال الأمازون في عام 2007، حينها كانت تبحث عن مؤشرات تدل على أنشطة بشرية وقعت في هذه البيئة في الأزمنة الغابرة. شق هذا الفريق طريقه عبر النباتات الكثيفة باستخدام المناجل، وهم يهشون عنهم العناكب والبعوض والنحل. كان هذا الفريق يستكشف المنطقة المحيطة ببحيرة أيوشي، التي كانت مكمايكل على دراية بأنها تحتفظ بأقدم السجلات الدالة على زراعة الذرة في الأمازون قبل 6000 عام، إلا أن الأدغال خبأت أسرارها بعناية. «إذا نظرت للغابة فإنك لن تلحظ أي اضطراب بيئي قد وقع في الأزمنة الماضية» حسب قول مكمايكل، التي تعمل الآن كعالِمة أبحاث في معهد فلوريدا للتقنية، الموجود في مدينة ملبورن. وتضيف: «يتحتم عليك أن تنقِّب».

ناضل العلماء لعقود من أجل الكشف عن الآثار التاريخية للبشر في الغابة، وتحديد نوع التأثير الذي تركه البشر قبل المئات إلى الآلاف من السنين. وهدفهم من ذلك هو فهم تطور الغابات المطيرة، ومعرفة مساحة الجانب «الطبيعي» من المشهد البيئي، مقارنةً بالناجم عن التدخل البشري.

كبر الصورة

أشارت الدراسات ـ التي يرجع بعضها الى خمسينات القرن الماضي ـ إلى أن قبائل السكان الأصليين عاشت حياة بسيطة في قرى بدائية قبل وصول الأوروبيين، إلا أنه وفي الماضي القريب، رأى الباحثون أن غابات الأمازون احتضنت مجتمعات متطورة، استطاعت تحويل قطع من الغابات إلى مزارع وبساتين. وتقدر بعض الدراسات عدد سكان غابات الأمازون في عصر ما قبل التاريخ بعشرة ملايين. ويُعتبر هذا العدد كبيرًا بالنظر إلى العدد الحالي لسكان الأمازون الذي يبلغ 30 مليونًا. احتدم الجدل حينما أعلنت مكمايكل وزملاؤها1 في العام الماضي أن وجود قبائل السكان الأصليين في المناطق النائية من الأمازون كان أمرًا نادرًا. وهذه النتيجة أثارت بدورها غضب علماء الآثار.

يثير هذا الموضوع ردود فعل قوية، ويرجع ذلك ـ بصورة جزئية ـ إلى كونه يمس الموضوعات الحساسة المتعلقة بحق قبائل السكان الأصليين في الأرض، كما أنه ذو صلة وثيقة كذلك بلُبّ فلسفة الحفاظ على البيئة. وإذا كانت المجموعات البشرية في عصور ما قبل التاريخ محدودة، وكان الأمازون الذي نعرفه اليوم بكرًا بصورة نسبية، فإن ذلك يطرح فرضية إمكانية حدوث تغيير في هذا النظام البيئي، الذي كان من الممكن أن يظل طبيعيًّا ومستقرًّا، لو لم يتعرض لاضطراب ناجم عن أنشطة بشرية، ناهيك عن إزالة الأشجار من مساحات شاسعة من الغابات بغرض الزراعة (في البرازيل لوحدها، تمت إزالة الأشجار من مساحات تفوق مساحة ألمانيا في الـ25 عامًا الماضية). وعلى النقيض، لو كانت غابات الأمازون في العصور البدائية ملأى بالناس الذين تحكَّموا في المناظر الطبيعية، فإنه قد يكون من الممكن أن تكون للغابة المَقْدِرَة على امتصاص التأثيرات البشرية اللاحقة. وتشجيع أنشطة القبائل الأصلية، حتى ولو حدث على مستوى كبير، قد يسمح للناس أن يعيشوا في إتزان مع الغابات المطيرة.

«لن يتمكن أولئك الذين يرفضون تقبُّل الدور البشري من فهم الكيفية التي تكونت بها البيئة التي نقدرها في الوقت الحالي»، حسب قول عالم الأنثروبولوجيا كلارك إريكسون الذي يعمل في جامعة بنسلفانيا، في فيلادلفيا، والذي يعتقد أن الناس انتشروا على نطاق واسع عبر غابات الأمازون. ويضيف: «وإذا لم تفهم ذلك، فإنك لن تستطيع أن تدير هذه البيئة».


أرض عدائية

حينما بدأ الباحثون في دراسة الأمازون، وطأوا منطقةً كانت تُعتبر لفترة طويلة بيئة عدائية لا يمكن اختراقها. كذلك جادل بعض العلماء، مثل الراحلة بيتي مجيرس، عالِمة الآثار في معهد سميثونيان في واشنطن دي سي، في خمسينات القرن الماضي بأن النباتات الوفيرة الموجودة في هذه المنطقة نمت فوق طبقة فقيرة من التربة غير صالحة للزراعة، الشيء الذي يجعلها غير ملائمة كذلك لقيام حضارة ذات مدى واسع2. اتفقت هذه النظرية والإطار الاستعماري القديم الذي أظهر منطقة الأمازون، إلى درجة كبيرة، وكأنها منطقة أدغال فارغة ومتاحة للاحتلال والاستغلال. وثّقت مجيرس لشظايا الفخار، ومواضع الدفن، ولسلسلة من السواتر الدفاعية في جزيرة ماراجو الواقعة في مدخل نهر الأمازون، إلا أنها جادلت بأن المجتمع الذي نشأ في تلك المنطقة لم يعمِّر طويلًا بسبب المشاكل البيئية، مثل التربة الفقيرة. وربما تسبب هذا أيضًا في إعاقة حدوث التنمية على مستوى كبير على امتداد الحوض، إذ كتبت مجيرس «يبدو وكأنه لم يكن هناك مهرب من أثر تلك البيئة».

<br><p>شبكات من الطرق، تربط بين القرى في الغابة البكر.</p>


شبكات من الطرق، تربط بين القرى في الغابة البكر.

Luigi Marini


تعرضت وجهة النظر هذه للهجوم في ثمانينات القرن الماضي. واستهلت آنا روزفلت، عالمة الآثار في جامعة إلينوي في شيكاغو هذا الهجوم، إذ كشفت أبحاثها في جزيرة ماراجو عن ثقافة استمرت لما يقارب 1000 عام، أي إلى حوالي عام 400 بعد الميلاد، وهي فترة استمرار طويلة بما يكفي لكي تثير الشكوك حول النظريات ذات الصلة بالموانع البيئية3. ومع مرور الوقت، أصدرت روزفلت كتابها المفصل4 عن أبحاثها في ماراجو في عام 1991، ثم بدأ اتجاه تيار الآراء في الانعكاس.

وبينما كانت روزفلت تدرس جزيرة مالاجو، كان ويليام بيلي، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة تولين بنيو أورليانز، لويزيانا، يقضي بعض الوقت مع قبيلة كابور في جنوب شرق الأمازون. وفي عام 1993، وثَّق بيلي للإطار المعرفي الذي تتمتع به المجموعة، واستخدامها لمنطقة غابية تحتوي على تركيز أكبر من المعتاد من الأنواع المفيدة5. وعلى النقيض من ذلك، كان أعضاء المجموعة يشيرون إلى الأجزاء الغابية المتاخمة، باعتبارها مناطق برية وهادئة. وبالنسبة إلى بيلي، كانت هذه علامة على أن بعض أجزاء المناظر الطبيعية كانت في وقت ما مزروعة كبستان متطور. «كان جزء من هذا الأمر هو انتقاد قوي لفكرة أن السكان الأصليين كانوا يمشون خلال الغابة على رؤوس أصابعهم، من غير أن يتركوا أي آثار لأقدامهم» حسب قول إريكسون.


«إذا نظرتَ إلى الغابة؛ فلن تلحظ أي اضطراب بيئي قد وقع في الأزمنة الماضية»

ومنذ ذلك الحين، عثر الباحثون العاملون في شرق ووسط الأمازون على رواسب من «تيرا بريتا»، التي (تعني حرفيًّا «الطين الأسود» في اللغة البرتغالية)، وهي تربات خصبة، يُعتقد أنها تكونت نتيجة لدورات من الحرائق والزراعة. كذلك تم الكشف عن متاريس أخرى، تشمل أنظمة غامضة من الخنادق والسواتر طوال فترة التسعينات من القرن الماضي في غربي الأمازون. وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحالي، توصل الباحثون إلى اعتقاد، مفاده أن أناس ما قبل التاريخ انتشروا في وقت ما على نطاق واسع، وبنوا شبكات من الطرق والقنوات والجسور، وزرعوا المحاصيل، مثل الذرة والكسافا، كما تعهّدوا مزارع ملأى بالأشجار المفيدة مثل أشجار الموز والنخيل6. «لقد كانت هذه المجتمعات على درجة التطور ذاتها، أي مجموعات سكانية ذات حجم متوسط في أي مكان من العالم في القرن الخامس عشر»، حسب قول عالم الأنثروبولوجيا مايكل هيكنبرجر الذي يعمل في جامعة فلوريدا، بمدينة جينسفيل. ويتابع: «لم تكن هذه المجتمعات متخلفةً بأي شكل من الأشكال». وبعد هذا التغيير الجذري في طريقة التفكير، ربما لم يكن ممكنًا تفادي تأرجح بندول وجهات النظر العلمية إلى الاتجاه الآخر. وفي يونيو من عام 2012، نشر فريق من الباحثين بقيادة مكمايكل، ومارك بوش ـ من معهد فلوريدا للتقنية ـ بحثًا1 جادلوا فيه بأن الحضارة كانت نادرة الوجود عبر الغابات كثيفة الأمطار الموجودة في غربي ووسط منطقة الأمازون. جمع هذا الفريق 247 لبًّا ترابيًّا من العشرات من المواقع، كما وجدوا الفحم في الكثير من المواضع. ويُعدّ الفحم علامةً على النيران التي أوقدها البشر، إلا أن كل هذه المواقع خلت من الأدوات التي صنعها البشر، ومن «التيرا بريتا». (انظر: «علامات الحياة»).

وثَّق هذا الفريق أيضًا لزراعة الذرة في حالة واحدة فقط، كما أنه لم يجد دلائل على وجود الأعشاب، إلا في عدد قليل من المواقع. ويدل وجود هذه الأعشاب على حدوث إزالة متكررة للأشجار من الأرض. خلص بوش إلى أن الآخرين تعجّلوا في استقرائهم للأدلة على وجود مجموعات سكانية كثيفة في شرق الأمازون، وتعميمهم لهذه الخلاصة على منطقة الأمازون كلها. يقول جالانت: «لا نعتقد في وجود نظام بكر، لكننا لا نعتقد كذلك في أن النظام تم استغلاله بالكامل أيضًا». ولا يمكننا افتراض أن غابات الأمازون صمدت في وجه اضطراب بيئي واسع النطاق ناجم عن أنشطة بشرية في عصر ما قبل كولومبوس».

تقول مكمايكل إنها استقت أمرًا مشابهًا من بحيرة أيوشي، إذ وجدت كميات مقدرة من الفحم ومن البِنَى الأحفورية الدقيقة لمحاصيل الذرة حول البحيرة، إلا أن الدلائل على الاستيطان توقفت على مسافة عدة كيلومترات من منطقة المياه7. «لقد وصل البشر إلى تلك المنطقة، إلا أن تأثيرهم كان محدودًا جدًّا»، حسب قولها.


جدل مشتعل

هُوجِمَ البحث الذي نشرته مكمايكل وزملاوها من كلا الجانبين، إذ انتقدتهم مجيرس لتقبُّلهم للأدلة السابقة على وجود الحضارات الكبيرة في شرقي ووسط منطقة الأمازون، غير أن أقوى الانتقادات جاءت من عشرات العلماء الذين علقوا على شبكة الإنترنت على البحث المنشور في دوريّة «ساينس». وجادل هؤلاء بأن هذا البحث لم يعط الأدلة على وجود الحضارة الاهتمام اللائق بها، حيث ركز بصورة مفرطة على بيانات التربة، التي لا تستطيع أن تكشف عن علامات زراعة الكسافا، أو أنشطة البستنة والزراعة الأخرى في الغابات.

تقول سوزانا هيشت، المؤرخة البيئية في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجيليس: «تستطيع التربة أن تخبرك عن جزء من القصة، لكنها لن تستطيع أن تخبرك عن كل شيء». وتلاحظ سوزانا أيضًا أن قبائل الإنكا أنشأوا مركزًا حربيًّا في إقليم بوتومايو في غربي الأمازون بحلول نهاية القرن الخامس عشر، أي في الفترة التي سبقت وصول الأوروبيين مباشرة، ولربما أُنشئ هذا المركز للحماية من سكان هذا الإقليم، أو للتجارة معهم. «لماذا تقوم بذلك، إذا كنت تظن أنه لم يكن هناك غير حفنة من العراة يجرون في كل مكان؟»

في نوفمبر 2012، رد شارلس كليمينت، عالِم المحاصيل الحقلية في المعهد الوطني لأبحاث الأمازون في مانوس بالبرازيل، وفريقه بنشر بحث8 جادلوا فيه بأن التأثير البشري على الغابات كان واسع النطاق. وأوضحت دراسة كليمينت أن الأشجار التي تعتبر مفيدة للبشر ـ التي تشمل أشجار النخيل وأشجار الجوز البرازيلية ـ تنتشر بدرجة أكبر بالقرب من الأنهار، أي في المناطق ذات الكثافة السكانية الأعلى. وبالأخذ في الاعتبار أن عددًا من هذه الأنواع لها تفضيلات بيئية متباينة، كما أنها لا تنمو بالضرورة في المناطق نفسها، جادل هذا الفريق بأنه لا بد أنه كان للبشر يد في تكوين هذه القطع ذات الأشجار الوفيرة، إلا أن نتائجهم تعرضت للانتقاد بدورها، إذ أثار النقاد الأسئلة حول قوة أدلتهم الإحصائية، وحول حقيقة أن هذا الفريق لم يحاول تكوين خط قاعدي لما كان من الممكن أن يكون عليه الحال في غياب البشر.

وبالنسبة إلى الباحثين في كلا جانبي الجدال، فإن جزءًا من هذه المشكلة يرجع الى الحجم المهول لحوض الأمازون، وصعوبة الوصول الى مواقع الدراسة النائية. وللحصول على صور أكثر وضوحًا، يركز الباحثون الآن على اللقطات الفضائية.

وبعد انتهاء عملها الحقلي مع بوش، التحقت مكمايكل بفريق من العلماء العاملين في مجال الاستشعار عن بعد في جامعة نيوهامبشاير في دورام، في محاولة للتعرف على «تيرا بريتا» عبر استخدام صور الأقمار الصناعية. ويشير تحليل هذا الفريق ـ الذي لم ينشر بعد ـ إلى أنه قد يكون من الممكن تحديد مواقع «تيرا بريتا» من الفضاء بالبحث عن مناطق خصبة، حيث تمتص الأوراق مقادير كبيرة من العناصر الغذائية ومن المياه.

طورت مكمايكل كذلك نموذجًا يستخدم عوامل بيئية، مثل المسافة من نهر، والارتفاع، ونوع الغابة، من أجل التنبؤ بالمواضع التي يمكن أن يوجد بها «تيرا بريتا»، الشيء الذي يساعد بدوره العلماء العاملين في الحقل في تحديد مجال بحثهم. وحينما تم اختبار النموذج على 2900 موقع من المواقع التي تم تأكيد وجود أو عدم وجود «تيرا بريتا» فيها، أفلح هذا النموذج في التنبؤ بصورة صحيحة بنسبة %89. ويقترح هذا أن %3 إلى %4 من الحوض قد تنتج «تيرا بريتا»، مقارنةً بالتقديرات الأولى ذات المدى الأوسع التي اقترحت نسبة 0.1 - %10. وتقوم مكمايكل الآن ببناء نموذج مماثل للتنبؤ بمدى المتاريس الكبرى مثل تلك الموجودة في ماراجو وفي غربي الأمازون.


الماضي والمستقبل

قد يتطلب الحصول على صورة مكتملة للتأثير البشري على الأمازون نظرة أوسع بكثير، سواء في الزمان والمكان، حيث عاش الناس لفترات طويلة قبل العصر السابق لوصول كولومبوس، ولربما كانوا يشكلون ويحددون مكونات الغابات لآلاف السنين عن طريق الصيد والبحث عن الغذاء.

تزامن وصول البشر الى منطقة الأمازون، ولربما أسهم كذلك في الانقراض واسع النطاق للمجموعات الحيوانية الكبيرة، مثل حيوان الكسلان العملاق وقريب للفيل الحديث في حدود نهاية العصر الجليدي، أي قبل حوالى 12000 عام. وترى دراسة حديثة9 أن هذه الانقراضات قلّلت من توفر الفوسفور المغذي المهم في الغابة. وقد يفسِّر هذا الأمر سبب قلة الفوسفور في الغابة إلى هذا اليوم.

يقترح تحليل سجلات حبوب اللقاح والفحم ـ الذي قاده فرانسيس ميلي في جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة ـ أن الغابات الكثيفة قد تكون أفسحت الطريق للسافانا والغطاء النباتي في عدد من المناطق منذ حوالي 4000-8000 عام، بفضل المناخ الأكثر دفئًا، وبفضل استخدام البشر للنار10. وكَتَبَ ميلي أن البشر ربما كانوا «العامل الأساسي للاضطراب البيئي» في الغابة القديمة.

ركّزت أبحاث هيشت بصورة أكبر على الماضي الحديث: الفترة ما بين ثمانينات القرن التاسع عشر الى عشرينات القرن العشرين، وهي الحقبة التي أدت فيها العولمة والتطورات الكبيرة في الصناعة إلى حدوث ازدهار في استخلاص المطاط في الأمازون. وجمعت هيشت بيانات عن مبيعات المطاط وإنتاجه، ثم عملت مع ساسان ساتشي، خبير الاستشعار عن بُعد في «مختبر ناسا للدفع النفاث» في باسادينا، كاليفورنيا، لكي ترسم خريطة لتأثير إنتاج المطاط عبر الحوض. ويشير تحليلهم ـ الذي لم ينشر بعد ـ إلى أن مليون شجرة مطاط قُطعت سنويًّا لمدة 30 عامًا، كذلك ربما تسببت كل شجرة مقطوعة في سقوط 10 شجرات أخرى في مسار سقوطها. ويشك ساتشي في أن الغابات ما زالت تحاول استعادة عافيتها من موجة التدمير المفاجئة هذه، كما يحاول أيضًا أن يرى ما إذا كان من الممكن الكشف عن علامات إعادة النمو من بيانات الأقمار الصناعية، أم لا. وإذا كانت عدة مناطق بالأمازون تمر بمرحلة إعادة النمو منذ بداية القرن العشرين، فإنه لا بد أن يكون ذلك قد تسبب ـ بشكل مؤقت ـ في تعزيز كمية ثاني أكسيد الكربون التي امتصها الإقليم من الغلاف الجوي، حسب قول ساتشي. وإذا كان ما سبق صحيحًا، ومع تلاشي الاضطراب البيئي، فإنّ دور الغابة كمصب للكربون قد يتضاءل.

سوف يستغرق تحديد المدى الكامل للتأثير البشري على الغابة بعض الوقت، إلا أن هيكنبيرجر يقول إن ما تعلمناه حتى الآن يوفر لنا سلفًا بعض الدروس، يمكننا الاستفادة منها في وقتنا الحاضر. وتوضح الأدلة على التيرا بريتا من الأزمان الغابرة أن السكان الأصليين عرفوا طرق إدارة الحياة داخل الأمازون قبل حلول أيام المناشير الكهربية والمخصبات الاصطناعية. كذلك يقول هيكنبيرجر إن المجهودات المستقبلية لتطوير نوع منظومة الغابات البستانية التي يكشف عنها من الماضي قد تساعد المجتمعات الحديثة على الحفاظ على الأمازون، وعلى الحصول على سبل للمعيشة». هذه الحلول ذكية ومقبولة جدًّا» حسب قول هيكنبيرجر- وبالنسبة إلى كل سكان الأمازون، «أعتقد أنهم يمكنهم أن يتعلموا الكثير من ماضيهم».

  1. McMichael, C. H. et al. Science 336, 14291431 (2012).

  2. Meggers, B. J. Am. Anthropol. 56, 801824 (1954).

  3. Roosevelt, A. C., Housley, R. A., Imazio da Silveira, M., Maranca, S. & Johnson, R. Science 254, 16211624 (1991).

  4. Roosevelt, A. C. Moundbuilders of the Amazon: Geophysical Archaeology on Marajo Island, Brazil (Academic Press, 1991).

  5. Balée, W. L'Homme 33, 231254 (1993).

  6. Heckenberger, M. J. et al. Science 301, 17101714 (2003).

  7. McMichael, C. H. et al. Holocene 22, 131141 (2011).

  8. Levis, C. et al. PLoS ONE 7, e48559 (2012).

  9. Doughty, C. E., Wolf, A. & Malhi, Y. Nature Geosci. 6, 761764 (2013).

  10. Mayle, F. E. & Power, M. J. Phil. Trans R. Soc. B 363, 18291838 (2008).