تأبين

أنتـونـي جيمـس بوسـون (1952 – 2013)

عالِم الكيمياء الحيوية الذي حوّلت رؤيته للإشارات الخلوية مسار أبحاث السرطان.

  • آلان برينستاين
  • جانيت روسانت
  • Published online:

غَيَّرت أبحاث توني بوسون عن تفاعلات البروتينات مِنْ طريقة تفكيرنا حول كيفية حدوث التواصل ما بين الخلايا، والكيفية التي تتطور بها البروتينات، وكيف تختل تلك الإشارات الخلوية في حالة الإصابة بمرض السرطان. كان بوسون باحثًا تجريبيًّا مبتكرًا، قاد تركيبه لملاحظات متفرقة في مجالات تتراوح ما بين الكيمياء الحيوية إلى الأبحاث الجينية على الفئران والبيولوجيا التطورية، إلى تكوين صورة متناسقة للكيفية التي تحدث بها العمليات الخلويّة.

UNIV. TORONTO


في ثمانينات القرن العشرين، وفي بداية مسيرته الأكاديمية، اكتشف بوسون وفريقه البحثي «Src نطاق التجانس البروتيني الثاني» (SH2). وتمثِّل هذه وحدةً فرعية، أو نطاقًا يُوجَد في عدد من البروتينات، ويتحكم في الكيفية التي تتفاعل بها البروتينات مع بعضها البعض، وفي الكيفية التي تستجيب بها الخلايا للإشارات الخارجية. وقد أرست هذه النتائج حجر الأساس لكل أبحاث بوسون المستقبلية.

استمر بوسون بعد ذلك في إجراء أبحاثه؛ ليوضح أنه يمكن لاتحاد عدد صغير من النطاقات أن ينتج مدًى واسعًا من الاستجابات الخلوية. أعادت هذه الرؤية «المرنة» تشكيل فهم العلماء لعملية التنظيم الخلوي، كما مهَّدت الطريق لتطوير أصناف من الأدوية التي تتدخل في التفاعلات ما بين البروتينات.

والغريب أن الاعتراف بأهمية أبحاث بوسون لم يحدث فورًا. فالنطاقات المرنة ـ التي تُعَدّ حاليًا موضوعًا مثبتًا في الكتب الدراسية المقررة ـ استُقبلت من قِبَل الكيميائيين الحيويين في بادئ الأمر بالتشكيك، بينما تجاهلها علماء البيولوجيا الجزيئية، غير أن الأدلة المتزايدة ـ التي أتى معظمها من مختبر بوسون ـ أصبحت أكثر إقناعًا، بحيث لم يعد من الممكن تجاهلها.

وُلِدَ بوسون، الذي وافته المنية فجأًة في منزله في السابع من أغسطس الماضي عن عمر يناهز الستين، في ميدستون بالمملكة المتحدة لأسرة بريطانية عريقة. كان والده توني بوسون ـ البطل الرياضي الأكثر شهرة ـ يجري اسمه على كل لسان في بريطانيا، حيث كان صائد سمك، ولاعب كريكيت، ولاعب كرة قدم، قبل أن يصبح ـ في وقت لاحِق ـ كاتبًا في شؤون الرياضة. وكانت لمهاراته المتعددة تأثيرات مهمة على بوسون الصغير، الذي كان الكثيرون يخلطون بينه وبين والده. أما والدة بوسون، هيلاري، فكانت مُدَرِّسَة الأحياء، وكانت هي مَنْ حَفَّزَ اهتمامه بالعلوم.

درس بوسون الكيمياء الحيوية في جامعة كمبريدج، في المملكة المتحدة. وحصل على درجة الدكتوراة في عام 1976 عن أبحاثه مع الآن سميث في «إمبريال كانسر ريسيرش فند» ـ الذي يُعرف الآن باسم كانسر ريسيرش يو كيه ـ عن البروتينات التي تشفِّرها فيروسات سرطان روس المرتدة. وأثناء زيارته لصديق له في كمبريدج، التقى توني بزوجته المستقبلية الأمريكية، ماجي. وتمّ الزواج في عام 1975. وفي عام 1976، انتقل الزوجان إلى بيركلي، كاليفورنيا، حيث بدأ توني أبحاث ما بعد الدكتوراة على المنتجات البروتينية للفيروسات المتقهقِرة في الطيور.

في عام 1981، انتقل الثنائي إلى فانكوفر، كندا، حيث عمل بوسون كأستاذ مساعد في قسم الأحياء الدقيقة في جامعة بريتيش كولومبيا. وأصبح مختبر بوسون غزير الإنتاج منذ أنْ بدأ العمل فيه، ونُشرت منه أوراق علمية مهمة عن البروتينات المسرطنة، وهي البروتينات التي تشفِّرها الجينات القادرة على التسبُّب في الإصابة بالسرطان. وفي جامعة بريتيش كولومبيا، تعاوَنَ بوسون مع مايك سميث، الكيميائي الحائز على جائزة «نوبل» لاختراعه تقنية التطفر محدّد الموقع، وهي التقنية التي استخدمها بوسون في اكتشافه لـ«نطاق التجانس البروتيني الثاني Src»

في عام 1985، حينما افتتح معهد أبحاث في مستشفى ماونت سيناي في تورونتو (الذي يُسمى الآن بمعهد لوينفلد تانينباوم للأبحاث)، انضم إليه بوسون كواحد مِنْ أوّل مَنْ تَعَيَّنوا في قسم الأحياء التطورية والجزيئية. ومع انضمام عالِمة البيولوجيا التطورية، أليكساندرا جوينر، وعالِم البيولوجيا الجزيئية الراحل، مارتن بريتمان؛ عرفنا نحن الخمسة ـ من الشباب الطموحين ذوي روح الريادة ـ أننا كنّا نبني شيئًا مهمًّا.

تم إنشاء القسم في وقت ملائم، إذ كانت البيولوجيا التطورية على وشك أن تمر بمرحلة تغيُّر مهمة، بسبب التقنيات الجينية الأحدث من عِلْم وصفيّ إلى علم يهتم بالآليات، كما كانت أبحاث السرطان في تسارع مع اكتشاف المورثات المسرطنة، والجينات المثبطة للأورام، ومسارات الإشارات الخلوية ذات الصلة. كان المجالان على وشك الإندماج، في الوقت الذي اكتشف فيه أن للنظائر العادية من المورِّثات المسرطنة الفيروسية أدوارًا بالغة الأهمية في تطوُّر الأجنة.

خلال بضعة أعوام، ازداد أعضاء القسم.. فبعد أنْ كانوا عددًا قليلًا من الطلاب وباحثي ما بعد الدكتوراة، أصبحوا يفوقون الـ100 عضو. وكان بوسون في قلب هذا النمو.. ويرجع هذا بصورة جزئية إلى أن الإشارات الخلوية كانت محوريّة لكل أبحاثنا العلمية، لكن السبب الأكبر كان حب بوسون للتعاون. وبالنسبة له، كان التعاون يدور حول الزمالة والصداقة، بالدرجة نفسها التي يدور بها حول إنجاز بحث من الأبحاث العلمية. كان العمل مع توني ممتعًا، وبالرغم من أنه كان يُدْعَى لإلقاء المزيد من المحاضرات العلمية، مثله مثل الآخرين، إلّا أنه دائمًا كان ينسِب بعض الفضل إلى زملائه.

كانت الندوات التي يتحدث فيها بوسون مسرحًا للأداء البارع، وكانت تحظى بحضور كثيف. لم تكن محاضراته، وأبحاثه المنشورة ـ التي زاد عددها عن 450 بحثًا ـ مجرد مجموعة من البيانات، بل كانت عروضًا مقدَّمةً بصورة أنيقة للكيفية التي تتطور بها الخلايا والكائنات الحية، وتنمو وتقوم بأداء مهامّها. وحتى آخِر أيامه، كان بوسون واحدًا من أكثر الباحثين في مجال العلوم الطبية الذين نالت أبحاثهم شهرة واسعة.

حينما تَسَلَّمَ بوسون جائزة هينيكين للكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية في عام 1998، تحدث بوسون في الاحتفال الذي أقيم في أمستردام عن متعة الاكتشاف، وامتياز العمل مع الشباب الموهوبين، وإمكانية أن تؤدي النتائج الحديثة إلى علاج الأمراض، بالإضافة إلى أهمية العائلة في حياة العالِم. ويومئذ.. كان الصمت مُطْبِقًا، إلّا من صوته.

إحدى أقوى ذكرياتنا عن توني ترجع إلى أعوامنا الأولى في لونينفيلد، حينما كنا نتشارك أحدث نتائجنا، ونكتب مقترحات الأبحاث، ونتبادل أخبار الآخرين، وأفراح وأحزان أُسَرِنا، ونراقب توني وهو يهز يديه بشدة حينما يكون مثارًا. لقد كان حماسه معديًا، ولسوف نفتقده بشدة.