رؤية كونية

الرؤى السلوكية مُكَوِّن أساسي في صناعة السياسات

يقول أوليفيه أولييه إن على الحكومات تَبَنِّي الأسلوب العلمي، واستخدام تجارب ضابطة لاختبار تأثير السياسات على سلوك الأشخاص.

أوليفيه أولييه
  • Published online:

تؤثِّر صناعة السياسات بواسطة الحكومات على سلوك عدد كبير من الأشخاص، الذين يقدَّرون بالملايين أحيانًا. لماذا إذن يتم ترك مهمة أساسية مثل هذه لعلماء الاقتصاد والمحامين، الذين ليس لديهم سوى القليل من الفهم المتعمق لكيفية تصرُّف الأشخاص في الواقع؟ ولماذا لا تتم استشارة علماء النفس السلوكي وعلماء الأعصاب ـ الذين لديهم خبرة قيمة ـ إلا في النهاية عادةً؟؛ هذا إنْ تمت استشارتهم من الأساس.

أدرك بعض الساسة هذه المشكلة، وحاولوا معالجتها في السنوات القليلة الماضية. ولقد قادت الحكومة البريطانية هذا الطريق تحت قيادة رئيس الوزراء «ديفيد كاميرون» الذي أسس «فريق الرؤى السلوكية» BIT ضمن مكتب رئيس الوزراء المؤثر بعد انتخابه مباشرةً. في هذا الصيف، بدأ «مكتب البيت الأبيض لسياسات العلوم والتقنية» في توظيف أشخاص في فريق أمريكي مشابه لذلك الفريق البريطاني. وفي 30 سبتمبر الماضي، قام حوالي 300 شخص ـ من بينهم مديرون تنفيذيون روّاد في الحكومات والشركات والمؤسسات غير الحكومية والأوساط الأكاديمية ـ بالتجمع في بروكسل؛ لمناقشة كيفية استفادة صناعة السياسات من الرؤى السلوكية.

تم تنظيم المؤتمر بواسطة «الإدارة العامة للمفوضية الأوروبية للصحة والمستهلكين»، التي تعتمد على رؤى علماء السلوكيات الذين وظفتهم في السنوات الأخيرة. وعلى سبيل المثال.. سيعتمد اختيار المجموعة القادمة من التحذيرات المصورة والنَّصِّيَّة على عبوات السجائر على اختبارات فاعلية تلك المجموعة، مثل تتبع حركة أعين الأشخاص عندما يرونها. هذا.. وقد قدمت المفوضية الأوروبية مجموعة من مثل هذه التحذيرات في عام 2005، لكن لم يتم اختبارها إلا عن طريق أساليب توضيحية منحازة للغاية، مثل الاستبيانات، والتقارير الذاتية.

يتمثل الدرس هنا في أنه إذا استطاع كيانٌ حاكِم ـ مثل المفوضية الأوروبية، الشهيرة بالروتينية ومقاومتها للتغيير ـ رؤية مزايا الرؤى السلوكية وغيَّر طريقته في إفادة السياسة، فيجب أن تحذو كل حكومة حذوه إذن.

في قلب هذا الاتجاه، نجد التجارب العشوائية التي يتم التحكم فيها، والمنتشرة في الأبحاث الطبية بالفعل. وتُعَدّ التجارب المشابهة في السياسة العامة مهمة، لأنها تستخدم مجموعة ضابطة؛ هي بمثابة جزء من السكان لم تطبّق عليهم السياسة الجديدة. قد يبدو هذا غريبًا، لكن مراقبة مجموعة لم يتم التدخل فيها هي الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان تغيُّر السلوك قد نتج عن السياسة التي تتم تجربتها، أم لا.

لقد خطت الحكومة البريطانية خطوات واسعة في هذا الاتجاه. وعند تأسيس «فريق الرؤى السلوكية» في عام 2010، كان مركز التحليل الاستراتيجي التابع لرئيس الوزراء الفرنسي يدير برنامجًا بالفعل ـ قدته بشخصي لمدة عام ـ لتصوُّر مزايا استخدام العلوم السلوكية والدماغيّة؛ لإفادة صناعة السياسات العامة. وخلال العامين اللذين تبعا ذلك، وأثناء نَشْرِنا لتقارير، آملين إقناع إدارتنا بمنح دراساتنا الميدانية الضوء الأخضر، كان الفريق البريطاني يُجْرِي التجارب؛ ويجمع النتائج.

لم يَعُدْ بإمكان المؤسسات العامة تَحَمُّل نتائج عدم اختبار السياسات قبل تطبيقها.

لقد كان أحد أمثلتنا الناجحة عن استخدام فعّال من حيث التكلفة للرؤى السلوكية في السياسة هو دراسة بريطانية حول جمع الضرائب. وفي تجربة عشوائية ـ متحكَّم فيها ـ على أكثر من 100000 شخص في عام 2011، تلقَّى بعض الأشخاص خطابات طلب دفع تَمّ تحويرها، بحيث تقول إن معظم المواطنين البريطانيين يدفعون ضرائبهم في وقتها. ومقارنةً بخطابات المجموعة الضابطة، أدّت السياسة التجريبية إلى زيادةٍ قدرها %15 في معدل السداد. تقدِّر الحكومة البريطانية أنّ بإمكان نشر السياسة على مستوى البلاد توفير حوالي 30 مليون جنيه استرليني (أي حوالي 48 مليون دولار أمريكي) من العائد الإضافي كل عام. يا لها من طريقة ماهرة لاستخدام علم النفس الاجتماعي.

بإمكان التجارب العشوائية المنضبطة التي يتم التحكم فيها مساعدة الحكومات في اختيار أفضل استراتيجية، وتحديد الأخطاء؛ ومن ثم توفير الكثير من المال. لقد استوعب القطاع الخاص هذا الأمر منذ زمن طويل. ومن بين الأمثلة على ذلك.. شركة «Take OPower» التي يقع مقرها الرئيس في أرلينتون بولاية فيرجينيا، وتروِّج للاستهلاك المستدام للطاقة. وتفيد الشركة في تقاريرها بأن عملاءها وفّروا أكثر من 2.8 مليار كيلو وات ساعة من الطاقة، نتيجة لمجموعتها الماهرة من التجارب والرؤى في علم النفس الاجتماعي، وعلم الاقتصاد السلوكي؛ التي تُعرف أيضًا باسم «أسلوب الحث»، أو Nudge تيمنًا بعنوان الكتاب الأكثر مبيعًا في عام 2008. ووجدت الشركة أن أفضل طريقة لجعل الأشخاص يوفِّرون الطاقة لا تتمثل في جَعْلهم يشعرون بالذنب تجاه البيئة، أو في الوعد بفواتير أرخص، لكنْ في توفير طريقة سهلة للمنازل، كي تقارن استهلاكها للطاقة باستهلاك الجيران، حيث إن المقارنة الاجتماعية وضغط النظراء يؤديان إلى نتيجة أفضل من أيّ محاضرة عن الكيفية التي من المفترَض أن نتصرف بها.

تلقى العديد منا ـ الذين عملوا في مجال التغيير السلوكي ـ تدريبًا تعليميًّا ومِنَحًا بحثية تَمّ الدفع مقابلها من الأموال العامة. ورغم ذلك.. يبدو القطاع الخاص مهتمًّا بمهارتنا بدرجة أكبر من المؤسسات العامة، وذلك على الرغم من العائد المرتفع الذي يمكننا توفيره في استثمارات أبحاث العلوم السلوكية. وفي الفترات الاقتصادية والاجتماعية الحالية الصعبة، لم يعد بإمكان المؤسسات العامة تحمُّل النتائج المالية والاجتماعية الناتجة عن عدم اختبار السياسات قبل تطبيقها.

إنني متأكد من أن معظم القراء ـ بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه ـ قد يشتركون في أمثلة للسياسات الفاشلة التي شهدت إهدار المال العام على التعليم، والصحة، والقانون، والمواصلات، والضرائب؛ وكل هذا بسبب عدم اهتمام أي أحد بتقييم كيفية تصرُّف المواطنين عند تطبيق معايير جديدة. لن يقبل أحد احتمالية تطوير دواء جديد وطرحه في الأسواق بواسطة علماء الاقتصاد والمحامين فقط، دون إجراء التجارب المناسبة. ويجب ألّا نهمل ذلك فيما يتعلق بصناعة السياسات أيضًا.