تحقيق إخباري

التصنيف: الجاسـوس الـذي أحــــب الـضفــادع

لتَتَبُّع مصير الأنواع المهددة بالانقراض، كان على العالِم الشابّ أن يقتفي مسار الأدغال الذي سلكه عالَم الزواحف والبرمائيات الذي عاش حياة سِرِّيَّة مزدوجة.

برندان بوريل
  • Published online:

<br><p>إدوارد تايلور، جاسوس وعالِم زواحف وبرمائيات، 1912</p>


إدوارد تايلور، جاسوس وعالِم زواحف وبرمائيات، 1912

Spencer Research Library/Univ. Kansas Libraries


قبل أن يغادر قاصدًا الفلبين كطالب جامعي في 1992، نقّب ريف براون في رفوف كتب المشرف عليه، ليتعلم قدر الإمكان عن المخلوقات التي قد يصادفها. وأثناء تقليبه نسخة مصورة لدراسة وضعها إدوارد تايلور ـ عالِم الزواحف والبرمائيات، غزير الإنتاج ـ في 1922، افتتن بسحلية معينة، هي وزغة المظلة الفلبينية. كانت أغرب حيوان رآه براون على الإطلاق، بجلده الرخاميّ، وأغشيته الشبكية المنتشرة بين أصابع قدميه، وسدائله هوائية الحركة الممتدة بطول جسمه، التي تتيح له الانزلاق من قمم الأشجار إلى الأسفل.

عرف براون أن تايلور كان قد حصل على أول مثال معروف، أو عيّنة من هذا النوع، قرب بلدة بوناوان في 1912، وأودعها بمكتب الفلبين للعلوم في مانيلا، لكنّ هذه العيّنة دُمِّرت مع البناء نفسه أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم يُوَثّق هذا النوع مرة أخرى على الإطلاق بهذا الجزء من البلاد. وأخذ براون يتساءل: «ما هي فرصتي في رؤية إحدى أندر الوزغات في العالم؟»

كان دافعه يتجاوز الفضول. ونظرًا إلى تفشي إزالة الغابات بذلك الجزء من الفلبين، أراد براون أن يتأكد مما إذا كان هذا النوع لا يزال موجودًا هناك، أم لا، وإذا كان الأمر كذلك.. فما درجة شبهها بالوزغات التي تُجمَع بمناطق أخرى. أراد أن يرى ـ بكلمات أخرى ـ ما إذا كانت قرارات تايلور التصنيفية ـ البالغ عمرها 70 سنة ـ لا تزال صالحة.

في ليلتهم الميدانية الأولى، انطلق براون وزملاؤه إلى حافة الغابة، وتمكّنوا من التقاط عينين حمراوين في ضوء كشافات مثبتة أعلى رؤوسهم. كانت العينان لوزغة المظلة ذاتها. وعندما عادوا إلى فندقهم، صوّر براون الوزغة، وأخذ عيّنات من أنسجتها؛ لفك تتابعات الحمض النووي، وهيّأها بعناية وأدخلها في إناء زجاجي. وأصبح نمطًا جديدًا؛ ليحلّ محلّ عينة تايلور المفقودة. وفي 1997، نشر براون وصفًا جديدًا لهذا النوع1. وشكّل هذا علامة لبدء هاجسٍ مُلِحّ.

عندما كان براون يكوّن مسيرته العملية بدراسة التنوع الحيوي في الفلبين على مدى العقدين التاليين، لم يستطع الإفلات من ظلّ تايلور المديد. فقد قضى عالم الزواحف والبرمائيات الأكبر 23 سنة من حياته في هذا المجال، وجمع ما يربو على 75 ألف عيّنة من أطراف العالم، وأطلق أسماء على مئات الأنواع الجديدة.

وهناك جانب مظلم من تراث تايلور. فقد كان بخيلًا، عنصريًّا، يسكنه جنون العظمة... ربما نتيجة لحياته الغامضة المزدوجة كجاسوس للحكومة الأمريكية. وقبل وفاته في 1978، كان قد استقطب عددًا غير قليل من الأعداء. وأشار نعي له إلى أنه كان بالنسبة لكثيرين، «غولًا حقيقيًّا.. والويل لمن يتعرض لغضبه»2. ربما الأسوأ من ذلك.. كان الهجوم على سمعته العلميّة. فبعد خسارة مجموعته في الفلبين، أعلِن عن بطلان أو تكرار العديد من الأنواع التي أطلق عليها أسماءها. وتقدّمت معايير التصنيف؛ فتجاوزت الأوصاف العتيقة التي وضعها تايلور، وبغياب عيّنات يمكن الرجوع إليها، بدت أَدِلّته واهية.

ومع ذلك.. شعر براون بوجود صلة مع سلفه سيئ السمعة. وتكثفت هذه الرابطة في 2005، عندما أصبح براون أمينًا لقسم الزواحف والبرمائيات بمتحف التاريخ الطبيعي بجامعة كانساس في لورانس، وهي مؤسسة أمضى فيها تايلور جزءًا كبيرًا من حياته المهنية. وبمرور السنوات، أعاد براون بناء بعض مجموعة تايلور، وأحيا أنواعًا عديدة وثّقها. ومؤخرًا، وهو بصدد الانتهاء من وضع دراسة رئيسة حول مجموعة من الضفادع الفلبينية، يبدو براون أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأنّ: «تايلور كان على حق».

قد يَثبُت أنّ إعادة التقييم التي أجراها براون حاسمة. فمنذ زمن تايلور، أصبح التصنيف أكثر من مجرد إطلاق أسماء.. فاعتبار مجموعة من الكائنات الحية نوعًا جديدًا، أو إلحاقها بنوع قديم، قد يؤثر في الحماية القانونية للحيوانات وتخصيص الموارد الشحيحة أصلًا للحفاظ عليها. وتَرَاجُع البرمائيات بشكل خاص، يتصدر عناوين صحف العالم، وتحتل الفلبين المرتبة الثانية بعد سري لانكا فقط في النسب الهائلة للأنواع المهددة: %79 من برمائيات الفلبين لا توجد بأي مكان آخر على الأرض، و%46 منها مهدّد بالانقراض، لكن اقتفاء نهج تايلور أعطى براون سببًا للتفاؤل. يقول براون: «هناك مخلوقات كثيرة، اعتقد الناس أنها انقرضت، لكن إذا توجّهت إلى المكان الذي ذكره تايلور بالضبط؛ فسيمكنك العثور عليها».


شهوة المغامرة

في الطابق الرابع من متحف كانساس، يمشي براون بين مجموعات الزواحف والبرمائيات. كانت السحالي تطفو رأسًا على عقب في سائل كحولي مائل للصفرة. وكانت الثعابين ملتفّة كاللوالب، وعشرات الضفادع الصغيرة الداكنة في إناء العينات. على أحد الرفوف، يلف شريط أحمر اللون أغطية الأواني، للإشارة إلى أن محتواها عيِّنات نمطيّة: أي نموذج للمعايير التي تستند إليها أوصاف النوع.

«كان تايلور غولًا حقيقيًّا.. والويل لمن يتعرّض لغضبه»

عندما يختلف العلماء حول كون شيء نوعًا جديدًا أو شكلًا آخر لنوع معروف، يحتاجون غالبًا إلى الرجوع مرة أخرى إلى عينّة النوع، أو حتى إلى المكان الذي أُخذت منه. يفتح براون إناءً ويُخْرِج سحلية صغيرة عليها علامة من القصدير تحيط خصرها بخيوط. إنها إحدى عيّنات تايلور الأصلية، والمُعَارَة من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم بسان فرانسيسكو. يقول براون: «إذا حُفظت بطريقة صحيحة، ووصفت جيدًا، وأُودِعَت بمؤسسة آمنة»؛ فـ«سيمكنها الاستمرار إلى الأبد».

هذا هو نوع الإرث الذي يطمح إليه كل علماء التصنيف الحيوي، ولم يكن تايلور استثناء. وُلد في مايسفيل، ميسوري، في 23 إبريل 1889، وكان لا يزال مراهقًا عندما بدأ إيداع العيّنات بهذا المتحف. في سن 23 عامًا، التحق بالخدمة المدنية، وأصبح ما دعاه «فيلق سلام مكونًا من رجل واحد» في الفلبين ـ كانت آنذاك أرضًا أمريكية ـ وأنشأ مدرسة لأعضاء قبيلة من صيّادي الرؤوس بوسط منداناو، حيث كان قد حصل على وزغة المظلّة مع أنواع أخرى. ولاحقًا، عمل بمصلحة مصائد السمك في مانيلا، ثم أكمل أطروحته للدكتوراة عن ثدييات الفلبين، لكن شغفه الحقيقي كان دومًا بالزواحف والبرمائيات. كان هذا على حساب كل شيء آخر تقريبًا في حياته. «لقد وَضعْتُ تسميةً لحوالي 500 نوع»، كما أخبر لاحقًا مراسلًا صحفيًّا، «لكن لا أستطيع أن أتذكر دائمًا أسماء أطفالي». لم تستطع زوجته، هيزل، تحمُّل غيابه الطويل المستمر؛ فانفصلا في عام 1925.

<br><p>إدوارد تايلور في الميدان.</p>


إدوارد تايلور في الميدان.

SPENCER RESEARCH LIBRARY/UNIV. KANSAS LIBRARIES


بحلول ذلك الوقت، كان تايلور قد وضع وصفًا لأنواع تفوق عددًا ما أنجزه معظم أقرانه طيلة حياتهم: 42 حيوانًا برمائيًّا، و40 سحلية، و30 ثعبانًا. وباع بعض عيّناته لمتاحف بالولايات المتحدة، لكن العديد منها بقي بمكتب الفلبين للعلوم بمانيلا، حيث اعتقد أنها ستكون آمنة إلى الأبد. انضمّ إلى هيئة التدريس بكانساس في 1926، وخلال العقدين التاليين جاب أرجاء العالم من المكسيك وكوستاريكا إلى أجزاء بأفريقيا، مصطحبًا متاعه المكوَّن من سرير عسكري قابل للطي، ومقتاتًا على الأرز والحليب المكثّف أثناء جمعه للعيِّنات.

في عقده السابع، وجد تايلور نفسه تحت القصف. وفي 1954، نشر روبرت إنجر ـ عالِم الزواحف والبرمائيات بمتحف فيلد بشيكاغو، إلينوي ـ مراجعة تصنيفية لبرمائيات الفلبين33. استبعد إنجر، الذي درس فقط عينات المتاحف، 44 من 87 نوعًا كان تايلور قد سماها، أو أقرّ تسميتها. كتب إنجر: «يمكن التعرّف على الاختلافات بين ضفادع تايلور بسهولة، كتعيين الاختلافات المتوقعة بين الأفراد». وبكلمات أخرى.. كان تايلور مبتذلًا. أما تايلور، فقد خربش على نسخته الشخصية من نص إنجر، بـ«هراء».

ومؤخرًا، وجّه خبراء الزواحف والبرمائيات ادِّعاءات خطيرة أخرى ضد شخصية تايلور. وفي 1993، نشرت جمعية كانساس للزواحف والبرمائيات بعد وفاته أطروحته في 1916 لنيل شهادة الماجستير، وموضوعها: زواحف كانساس. وفي تقديمه لها، كشف أحد طلابه السابقين، هوبَرت سميث، أن تايلور اقتبس أجزاء كبيرة من إدوارد درنكر كوب، عالِم الإحاثة والزواحف والبرمائيات، الذي عاش في القرن التاسع عشر. وبالنسبة إلى أولئك الذين عرفوا تايلور كرجل مبادئ، كان هذا الكشف مدمّرًا، لكنه يفسّر أيضًا لماذا لم يحاول تايلور مطلقًا نشر العمل بنفسه. ولاحقًا، في 2002، اتهم جيه ساڤج ـ عالِم الزواحف والبرمائيات بجامعة ميامي بكورال جيبلز، فلوريدا ـ تايلور بأنه نسخ سرًّا ملاحظات ميدانية لمنافس؛ كي يصطحبه في رحلة جمع العينات المقبلة إلى كوستاريكا4.

كان لتايلور شياطين أخرى. فقد أعرب عن دعمه لبرامج تحسين النسل eugenics، لكن قيل إنه رفض ضم الطلاب اليهود. لا يقدّم براون أي اعتذارات بالإنابة عن الرجل، لكن سمعة تايلور ـ حسنة أو سيئة ـ تتداخل مع تاريخ متحف كانساس. يقول براون: «في نهاية الأمر، نعتبره رجلنا».


إعادة النظر في الإرث

تعاظَم اهتمام براون بتايلور عندما كان طالب دراسات عليا بجامعة تكساس، أوستن، في أواخر التسعينات الماضية، والْتَهَم دراسات تايلور؛ ليخطط كيف سيجمع عيّناته الخاصة به؛ فنقّب سجلات المتحف لمعرفة أين كانت عيّنات تايلور، وقام بزيارات لرؤيتها بمتحف فيلد وأكاديمية كاليفورنيا. ومرة بعد أخرى، كان يصل إلى نهايات مسدودة عندما كان يريد معلومات عن نوع العيّنات التي أودعها تايلور بمكتب الفلبين للعلوم.

وسرعان ما عرف براون القصة المأساوية لتلك المؤسسة: ففي فبراير 1945، عندما أطلق الجنرال الأمريكي دوجلاس ماك آرثر هجومًا شاملًا على مانيلا لطرد الاحتلال الياباني، استحال مكتب الفلبين للعلوم إلى ركام، ودُمِّرت جميع عيّناته النباتية والحيوانية، منها 32 من عيّنات أنواع جمعها تايلور. وكانت «خسارة لا يمكن تعويضها»، كما كتب صديق تايلور، عالِم النبات الأسطوري إلمر مريل، بدوريّة «ساينس»5. وتم تجديد العيّنات النباتية تدريجيًّا، لكنّ أحدًا لم يحاول تكرار جهود تايلور بشكل ممنهج. ولسنوات عديدة، نجحت القبائل المعادية في إبعاد المتطفلين عن المناطق الغنيّة بالأنواع. وفي التسعينات الماضية، كانت تهديدات الإرهاب سببًا في صعوبة الوصول إلى أماكن معينة، كأرخبيل سولو، حيث جمع تايلور أنماطًا لأنواع عديدة. ورغم الخطر، قرّر براون اقتفاء خطوات تايلور.

في يوليو 1998، وظّف براون صبيًّا كمرشد لفريقه عبر الجبال شمال جزيرة لوزون. وكان المكان نفسه الذي تعرض فيه تايلور لكمين بالمناجل نصبه أحد السكان ممن يرتدون الإزار. وبينما كان براون يحث السير عبر الدروب طلبًا لبغيته، انتشرت شائعة بإحدى البلدات أن غربيين اختطفوا الصبي. حَمَلَ سكان محليون مشاعل وعصيًّا ومناجل، وساروا إلى بيت زعيم القرية في طريقهم؛ بحثًا عن الخاطفين. وعندما عاد براون، نزع فتيل الوضع بإظهار أكياس تحتوي على البرمائيات.. أسراه الوحيدين. وعندما وقع تايلور في الكمين، أخرج بندقية.

<br><p>وزغة المظلّة الفلبينية.</p>


وزغة المظلّة الفلبينية.

Rafe Brown

خلال رحلة 1998، وجد براون وزملاؤه5 أنواع لزواحف وبرمائيات لم تُشاهَد منذ عقود؛ و13 نوعًا جديدًا محتملًا علميًّا؛ و30 نوعًا لم يسبق ذكرها بالمنطقة6. وفي إحدى الليالي، أمسك بالعديد من ضفادع Platymantis تصدر أصواتًا تشبه أصوات الحشرات بقمم الأشجار. وظهر أنها تنتمي إلى أحد الأنواع التي التقطها تايلور، وسمّاها rivularis في 1920. والعيّنة النمطية لا تزال موجودة، لكن لونها زال، وحالتها ساءت، ولم تكن هناك أمثلة كثيرة أخرى للدراسة. ووفقًا لذلك.. قام إنجر بضم rivularis إلى نوع آخر، hazelae (تيمُّنًا باسم زوجة تايلور)، لكن بعد سماعه نداءات التزاوج ورؤيته لألوانها في الحياة، قرّر براون أن يعيد إحياء P. rivularis كنوع مستقل. يقول براون إن إنجر كان يفضل التجمعات الأشمل، وكان شديد القسوة في قراراته «فقد يشطب نوعًا، لو كان لديه أي شك».

وعلى امتداد العقدين الماضيين، جمع براون ومُعاونُه المقرّب أرڤِن ديِسموس ـ عالِم زواحف وبرمائيات بمتحف الفلبين الوطني بمانيلا ـ أكثر من 15 ألف عيّنة فلبينية، تمثل حوالي خُمْس ما جمعه تايلور طيلة حياته. ولتأسيس العلاقات التطورية، جمع براون أيضًا الحمض النووي، الذي لا يمكن استخلاصه من عيّنات تايلور المحفوظة بالفورمالديهيد، كما سجّل نداءات تزاوج الضفادع، وهي وسيلة مهمة لتحديد الأنواع. وعندما انتهى من مراجعته الخاصة بضفادع Platymantis الفلبينية، التي كانت قيد البحث منذ 2003، توقع أن تتضاعف الأنواع من 30 إلى 60، معيدًا إحياء أسماء عديدة وضعها تايلور.


النقيق والخنجر

تجاوز افتتان براون الشديد بتايلور مجرد التصنيف. وفي أوائل بحثه، اجتذبته «ثرثرة علماء الزواحف والبرمائيات» حول أنشطة تايلور اللامنهجية. فعندما جاب أنحاء العالم، بدا أن تايلور يجري عملًا ميدانيًّا بمناطق النزاع، وألمح في مذكراته، إلى واجبات خارجة إطار العلم7. فبينما كان يعمل بمصلحة مصائد السمك بمانيلا، ساعد في التحقيق بمقتل انجليزي، وتبادل معلومات مع الاستخبارات السويدية، واستكشف الزئبق الذي يمكن استخدامه في الذخائر أثناء الحرب العالمية الأولى. وفي رحلاته النهرية، لاحظ أحيانًا بعض اليابانيين، وحذّر الحاكم المحلي من أنهم «يتجسسون على الأرض».

لم يتضح أبدًا ـ حتى للقلة ـ موضع ثقته إنْ كان يستخدِم الحروب ذريعة للوصول الى الميدان، أم العكس. وفي نعيه، أشار طالب سابق إلى أن أنشطة تايلور اللاحقة خلال الحرب العالمية الثانية «ربما لن تُعرف تفاصيلها أبدًا»2.

إنّ حقيقة عمل تايلور أصبحت أخيرًا في بؤرة الاهتمام مع رفع السِّرِّيَّة عن سجلات المخابرات وظهور المواد البحثية على السطح. فقد كشفت أن تايلور كان ـ في الواقع ـ جاسوسًا، وأنه واصل أعمال الاستخبارات بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أُرسِل الى سيبيريا. وكان هدفه الرسمي الانضمام إلى الصليب الأحمر؛ لوقف وباء التيفوس، لكنه كان يجمع أيضًا معلومات عن الثورة الشيوعية في روسيا، ولاحقًا عن مصير الدوقة أناستاسيا، ابنة القيصر المغدور نيقولا الثاني.

دُعي تايلور إلى الواجب ثانية في عام 1944، عندما كان في الرابعة والخمسين من العمر، واندلعت الحرب بمنطقة المحيط الهادئ. ووفقًا لسجلّات الأرشيف الوطني الأمريكي، انضم إلى مكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS)، سلف وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، لتدريب عملاء في سري لانكا التي كانت آنذاك تتبع بريطانيا وتؤمن الوصول إلى ميانمار ماليزيا وإندونيسيا وغيرها من المناطق التي اخترقها اليابانيون. والعمل العلمي ـ كما شرح مسؤول بمكتب الخدمات الاستراتيجية لأحد رؤساء تايلور ـ كان «غطاءً ممتازًا».

<p>تقرير عن برامج مكتب الخدمات الاستراتيجية للتدريب في الأدغال.</p>

تقرير عن برامج مكتب الخدمات الاستراتيجية للتدريب في الأدغال.

US Natl Archives

درّس تايلور مهارات البقاء بالغابة في معسكر Y، وهي مستوطنة رطبة على الساحل. وبتحديقه النفاذ وفكّه حادّ الخطوط، بدا أبلغ تأثيرًا من طوله البالغ 180 سم. وفي وقت فراغه، كان أحيانا يطلق النار لجمع العيّنات، التي كتب عنها في دراستين نُشِرتا بعد الحرب. «لقد انتهيت للتو من وضع أوصاف خمسة أشكال جديدة من الثعابين العمياء في الجزيرة»، هكذا كتب تايلور إلى س. ديلون ريبلي، عالِم الطيور الشاب الذين خدم معه، وأصبح لاحقًا رئيسًا لمؤسسة سميثسونيان بواشنطن العاصمة. وفي رسالة لاحقة، عرض تقديم «نحو 500 نوع» من أصداف الرخويات إلى متحف سميثسونيان.

بعد انتهاء الحرب، ساعد تايلور البريطانيين بماليزيا في التحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبها اليابانيون ضد المدنيين. وربما يكون عمله في توثيق حالات الاغتصاب والتعذيب والقتل قد أسهم بتأجيج كراهيته للشعب الياباني. لم يكن سهل المِراس مطلقًا، ويبدو أن خبراته في الحرب أثّرت فيه. وفشل مسعاه لرئاسة متحف كانساس، وتعاظم لديه جنون الارتياب في الحياة اليومية. دَرَس اللغة الروسية، واستطلع آفاق العمل بوكالة المخابرات المركزية. وكان سميث ـ الذي توفّي في مارس الماضي ـ قد أبلغ «نيتشر» أن تايلور يرشّ الدقيق على أرضية مكتبه؛ لكشف المتسللين أثناء غيابه. يقول سميث: «كنت أحذر منه». ويعتقد وليام دوِلمَن ـ عالِم الزواحف والبرمائيات بجامعة كانساس، الذي التقى بتايلور لأول مرة في 1951 ـ أن أعراض تايلور تطابق اليوم معايير تشخيص اضطراب إجهاد بعد الصدمة (PTSD). ومع ذلك.. استمر تايلور في العمل. وفي سنواته اللاحقة، درس مجموعة غير معروفة جيدًا من البرمائيات عديمة الأرجل، يطلق عليها اسم البرمائيات الثعبانية. وقد نشر عنها مراجعة تصنيفية موسّعة8 تجاوزت 800 صفحة في عام 1968.


على شفير الهاوية

اكتسب إرث تايلور في دراسة زواحف وبرمائيات الفلبين أهمية جديدة الآن، لأن البلاد فقدت أكثر من %95 من غاباتها الأصلية. ويدرك المهتمون بجمع الأنواع مثل براون أن لعملهم ملابسات متصلة بالحفاظ على الأنواع، لكن هناك غالبًا اختلافات بين الدراسات العلمية وتصنيفات الحفاظ. ففي أواخر التسعينات الماضية، مثلًا، وصف الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) ضفدع جزيرة بوليلو، الذي كان تايلور أول مَنْ وصف أنه مهدّد بشدّة بالانقراض، لكن غابات جزيرة بوليلو قد جرِّفت لزراعة جوز الهند، باستثناء 4 كيلومترات مربعة.

«هناك مخلوقات كثيرة، اعتقد الناس أنها انقرضت، لكنْ إذا توجّهت إلى المكان الذي ذكره تايلور بالضبط؛ فسيمكنك العثور عليها»

وفي 2004، كان براون يصغي إلى تسجيلاته عندما لاحظ أن ضفدع بوليلو كان يطلق نداء تزاوج مماثلًا لنداء يطلقه ضفدع كان قد أتى به من لوزون. طلب براون إذنًا بأخذ عينات وراثية من موقع تايلور الأصلي، وتأكد من حدسه: الضفدع منتشر بشكل واسع. وفي السنة الماضية، أبلغ9 عن وجود واسع النطاق لسبعة أنواع من الضفادع في لوزون، يعتبرها «الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة» هشة، أو مهدّدة بالانقراض.

والتحدّي الذي يواجهه المصنِّفون أنه رغم إقرار العديد بأزمة التنوع الحيوي العالمي، يصعب قياس مستويات التهديد بدقة، لأن المدافعين عن كل صنف ونظام إيكولوجي يصخبون طلبًا للاهتمام، بينما البيانات الحقيقية نادرة. يقول والتر جيتز، خبير البيئة بجامعة ييل في نيوهيفن، كونيتيكت: «تقديرات التهديد العالمي للمجموعات التصنيفية الكبيرة عِلْمٌ يفتقد الدقة جدًّا». إننا «نحتاج إلى باحثين أكثر على الأرض».

يشكّك براون في تقييمات الحفاظ عمومًا، لكنْ هناك أمر واحد يهدّد البرمائيات الفلبينية، ويبعث في نفسه القلق: فطر خيتريد، المرتبط بتراجع أعداد أو انقراض مئات الأنواع البرمائية في أنحاء العالم (انظر: Nature 465, 680–681; 2010). وفي 2009، تعرّف براون على وجود هذا الفطر لدى خمسة أنواع بالفلبين، ومنذئذ عثر عليه لدى المزيد. يقول براون إن تهديد فطر خيتريد ـ بجانب تدمير الموطن الطبيعي وتغير المناخ ـ قد يدفع ببرمائيات الفلبين إلى شفير الهاوية.

إنّ الوقت المتاح لتوثيق التنوع الحيوي بالفلبين، ولتحديد مكانة تايلور التاريخية أيضًا قارب على الانتهاء. وجد براون أن توصيفات تايلور للأنواع ـ رغم إيجازها ـ تركز غالبًا على سمات دقيقة تميِّز مجموعة عن قريباتها. يقول براون: «لقد كان ثاقب النظر». شطب إنجر أسماء أكثر من 12 نوعًا، وأثبت الآخرون صلاحيتها لاحقًا.

أُعجب إنجر، 93 عامًا، بالأدلة المستجدة وبطريقة مقاربة براون للموضوع. يقول إنجر: «أعتقد أنه ربما كان محقًا»، لكنه يضيف: «لكن لا زلت أشعر بعدم الارتياح إزاء الإفراط في التقسيمات».

في جامعة كانساس، يأخذ براون مقعدًا داخل مكتبة الأرشيف، وينهمك مرة أخرى في بعض أعمال تايلور، بما في ذلك الكتب المجلدة المهترئة التي استعملها الرجل لتسجيل ملاحظاته الميدانية، وفهرسة عيِّناته. وبينما كان يقلب صفحات أحد هذه الفهارس لأول مرة، دُهش براون عندما وجد أن تايلور قد شطب الاسم المرتبط بالضفدع مِسحاتي القدم الآسيوي الذي حصل عليه من جزيرة مِندورو (مخلوق غريب طويل، يزحف بدلًا من أن يقفز)، وبجانبه كتب تايلور: «نوع جديد!!». ومؤخرًا في 2009، كان براون قد وصف ضفدعة Leptobrachium mangyanorum بأنها نوع جديد، لأنها كانت مختلفة جدًّا عن قريباتها الموصوفة سابقًا10.

يقول براون: «لقد سبقَنا إدوارد بشوط طويل».. «أما لماذا لم يسمّها، فهذا ما لن نعرفه مطلقًا، لكن سيكون مُرضِيًا جدًّا أن تأتي بعد 90 أو 100 سنة لتتوصل إلى الاستنتاج نفسه».

  1. Brown, R. M., Ferner, J. W. & Diesmos, A. C. Herpetologica 53, 357373 (1997)

  2. Webb, R. G. Herpetologica 34, 422425 (1978).

  3. Inger, R. F. Fieldiana Zool. 33, 183531 (1954).

  4. Savage, J. M. The Amphibians and Reptiles of Costa Rica (Univ. Chicago. Press, 2002).

  5. Merrill, E. D. Science 101, 401 (1945).

  6. Diesmos, A. C., Brown, R. M. & Gee, G. V. A. Sylvatrop 13, 6380 (2003).

  7. Taylor, E. H., Leonard, A. B., Smith, H. M. & Pisani, G. R. Monogr. Mus. Nat. Hist. Univ. Kansas 4, 1160 (1975)

  8. Taylor, E. H. The Caecilians of the World (Univ. Kansas Press, 1968).

  9. Brown, R. M. et al. Check List 8, 469490 (2012).

  10. Brown, R. M., Siler, C. D., Diesmos, A. C. & Alcala, A. C. Herpetol. Monogr. 23, 144 (2009).