عمود

إرهاق بمجال الطب الحيوي

يقول وارنر هولمان، وإلين ر. جريتز إنَّ ضغط العمل، وعدد ساعاته الطويلة، وانخفاض الروح المعنوية لدي باحثي العلوم الطبيعية بالولايات المتحدة، كلها عوامل تهدِّد بالتأثير السلبي على أنشطتهم ووظائفهم.

وارن هولمان
  • Published online:

DAVI SALES BATISTA/SHUTTERSTOCK


تشير الدراسات إلى أن الإرهاق في أوساط الأطباء وصل إلى درجة وبائية حول العالم، مصحوبًا بمستويات عالية بشكل مزعج من الاكتئاب، والأفكار الانتحارية، والاستياء من العمل، وعدم الرضا عن فقدان التوازن بين العمل والحياة الشخصية1. هذه البيانات مُقْنِعَة للغاية، حتى إنّ المنظمات الصحية بدأت تستكشف ـ هي وفِرَق من الأطباء ـ طرقًا لمعالجة تلك المشكلات2.

هذا.. ولا توجد معلومات كافية عن مستويات الضغط والإرهاق بين علماء الطب الحيوي. ولإلقاء نظرةٍ عن قُرْب.. أجرينا مقابلات مع رؤساء أقسام العلوم في مؤسسة «إم دي أندرسون لعلاج السرطان» في هيوستن بتكساس، في الفترة ما بين يوليو 2011، وفبراير 2012.

طلبنا منهم أن يقيّموا تغيُّر الحالة المعنوية لأعضاء هيئة التدريس، وأنْ يحدِّدوا مصادر الإجهاد الأساسية، وأنْ يناقشوا مشاعر التفاؤل والتشاؤم الخاصة بهم حول المستقبل. ووجدنا أن عديدًا من أعضاء هيئة التدريس يقعون تحت وطأة مواجهة مشكلات التمويل والبيروقراطية والأعباء الإدارية، والتعارض بين مهام التدريس والإدارة.

دون قصد.. تَمَكَّنّا ـ من خلال إجراء تلك المقابلات ـ من رَصْد الحالة المزاجية لمؤسسة على وشك أنْ تواجه فترة عصيبة تفاقم من تأثير تلك الضغوط. فبعد أشهر من جَمْعِنا لهذه النتائج، تعرضت قيادة مؤسسة «إم دي أندرسون لعلاج السرطان» للهجوم، وقام مجلس الجامعة بعمل مسح منفصل؛ لتقييم مخاوف أعضاء هيئة التدريس (انظر: go.nature. com/jcmgv2). زادت نتائج ذلك المسح من انزعاج أعضاء هيئة التدريس؛ إذ أظهرت النتائج ارتفاع أعباء العمل بالتجارب الإكلينيكية، والاستياء من مغادرة قيادات ذات قيمة كبيرة، والغضب من القيادات العليا للجامعة، بسبب اتهامات بمحاباة الأقارب، وتضارب المصالح.

إضافة إلى إجراء مَسْحنا الخاص، فقد تحدثنا مع أشخاص في مؤسسات أخرى، وفحصنا منشورات متعلقة بالأمر3،4. ونتيجة لذلك.. استنتجنا أن الاستياء داخل مؤسسة «إم دي أندرسون لعلاج السرطان» أمرٌ مُعَبِّر عن انخفاض المعنويات بشكل خطير في المراكز العلمية في أنحاء البلاد. وقد زادت عواقب تقليص الميزانية الفيدرالية هذا العام من كآبة المشهد (انظر: Nature 498, 527–528; 2013). وتُعَدّ الدراسة التي أجريناها جهدًا تجريبيًّا، نأمل أنْ يصبح أساسًا لاستكشاف أوسع، ودراسة تتعمق في معرفة مستويات الإجهاد بين علماء الطب الحيوي. وقد عَقَدْنا بالفعل نقاشات أوّلية حول دراسة مراكز متعدِّدة.

«تزايدت حدة الضغوط المالية وغيرها، وفاقَمَ كلٌّ منها الآخر؛ مما جعل بيئة البحث العلمي مُجهِدَة».

بالتأكيد، فإن الضغوط المالية وغيرها ليست بجديدة على المؤسسات الأكاديمية، لكن بياناتنا تشير إلى أنه خلال الأعوام القليلة الماضية تزايدت حدة هذه الضغوط، وفاقَمَ كلٌّ منها الآخر؛ مما جعل بيئةَ البحث العلمي مُجْهِدَة. 

مقياس للحالة المعنوية

تواصلنا ـ من خلال المسح الذي أجريناه ـ مع 21 رئيسًا من رؤساء الأقسام. وقمنا بإجراء مقابلات مع 19 منهم، حيث ركز ثلاثة منهم على الظروف الفريدة لأقسامهم، لكنّ الآخرين شاركونا ملاحظاتهم وآراءهم ومشاعرهم حول الحالة المعنوية عمومًا. وقد عكست إجاباتهم القضايا المُلِحَّة في هذه المؤسسة، لكنها أشارت كذلك إلى وجود صراعات في مجتمع أبحاث الطب الحيوي.

ذكر معظم رؤساء الأقسام أنّ الحالة المعنوية للعلماء من أعضاء هيئة التدريس ساءت في الأعوام الأخيرة، وذكر سبعة منهم أنها ساءت بدرجة كبيرة. وقال واحد ممن أجرينا معهم المقابلات: «الكثير من أعضاء هيئة التدريس محطَّمون ومشوَّشون ومُحْبَطون. هناك شعور عام بفقدان الأمل.. لقد استسلموا. وهناك حالة من الغضب العارم، فقد أمضوا وقتًا طويلًا في بناء مساراتهم المهنية، والآن لا يبدو أن هناك طريقًا للاستمرار في عمل ما يحبون عمله». وألمح آخر إلى المستقبل الغامض الذي يواجه صغار الباحثين، قائلًا: «عندما كنتُ أجري أبحاث ما بعد الدكتوراة، كان المعروف حينها أنك إذا كان مستواك جيدًا؛ فستجد عملًا، لكنني لا أستطيع أن أقول هذا بعد الآن».

إنّ عوامل الضغط الرئيسة تبدو متشابهة في كافة الأقسام. وكما هو متوقَّع.. فإن أزمة التمويل تُعَدّ عاملًا كبيرًا. وقد وصف عددٌ من رؤساء الأقسام العلماءَ الأكاديميين بأنهم عالقون في «عاصفة».. ففي الوقت الذي انخفضت فيه معدلات التمويل في معاهد الصحة القومية الأمريكية، تطالب بعض المؤسسات أعضاء هيئة التدريس فيها برفع نسبة رواتبهم من المِنَح المالية. ويصارع العلماء العاملون في المستويات المتوسطة وحتى العليا من أجل الإبقاء على وظائفهم. يقول واحد ممن أُجريت معهم المقابلات: «هؤلاء علماء أساسيون، وليسوا هامشيِّين. إنني لا أذكر وقتًا في الماضي كانت فيه الأحوال شبيهة بهذا الوضع الحالي. وهذا أمر يخفِّض من معنوياتنا».

يشعر رؤساء الأقسام بأنّ المؤسسات تَعتبر الإنتاجيةَ المتزايدة هدفًا رئيسًا. وينتظر القادة التنفيذيون من أعضاء هيئة التدريس السعي للحصول على المزيد من المِنَح التمويلية بشكل مستمر، وإتمام منشورات ذات جودة أعلى (طبقًا لمقاييس محددة، مثل عوامل تأثير الصحف) وتلبية معايير أعلى للتميز الأكاديمي عمومًا في مجالات معينة، مثل التدريس، والتعاون. وبالرغم من كون هذه الأهداف مثيرة للإعجاب، إلا أن المتحاورين أشاروا إلى أنّ الاستمرار في رفع معايير أداء أعضاء هيئات التدريس من شأنه أن يزيد حدة المقارنة والتنافس الضمني.

هناك أيضًا ضغط يواجهونه؛ ليكونوا مبدعين باستمرار، خاصة فيما يتعلق بكتابة مقترحات الأبحاث، والنتائج والمنشورات، وفي بعض الحالات.. إمكانات التسويق التجاري. وقد عَبَّر عددٌ ممن أُجريت معهم المقابلات عن قلقهم الشديد من أنّ هذه الضغوط القاسية قد تسبِّب لهم الإجهاد والإرهاق، وقال أحدهم إن رؤساء الأقسام قَلِقُون من التأثيرات الخطرة لهذه الضغوط، مثل الانتحار، أو سوء الأداء البحثي الذي يدفع إلى المقامرة بالنظام.

وقد ناقش بعض رؤساء الأقسام الدوّامة التي يعانون منها؛ حيث يخسر العلماءُ التمويل، ونتيجة لذلك.. يضطرون إلى تقليل مساحة المختبر، وتقليص عدد العاملين فيه، وهو ما يجعل الحصول على تمويل أمرًا أصعب. ولا شك أنّ هذه الضغوط تقضي على فُرَص العالِم ليكون باحثًا مستقلًّا. وحتى عندما يتم إنقاذ المسار المهني، فغالبًا ما يعاني الباحث من توتر عاطفي مستمر، كنتيجة لخسارة الوقت الثمين والموارد، كما يشعر بالذنب والخزي من التأثير السلبي لذلك على حياة العاملين في المختبر، ومساراتهم المهنية.

تُعتبر المهام الإدارية سببًا آخر في الضغوط. وقد اشتكى عشرة من رؤساء الأقسام الذين أُجريت معهم المقابلات مِنْ أنّ إعداد التقارير، والأعمال الورقية، وتقييم العاملين، وإجراءات المِنَح، ومتطلبات التدريب، واجتماعات الأعمال والمتابعة اليومية لتفاصيل البريد الإلكتروني، كلها مهام أصبحت أثقل مما كانت عليه في الماضي، وتؤدي إلى تشتيت العلماء بعيدًا عن الأبحاث، وتستنفد طاقاتهم وقدراتهم الإبداعية والإنتاجية. وكما ذكر أحدهم: «هناك المزيد من متطلبات الإدارة وكتابة التقارير، إلى حدٍّ تصبح فيه هذه المتطلبات متكرِّرة ومتداخلة، ودائمًا ما تكون على جدول زمني عاجل». وعَبَّر آخر عن ذلك بقوله إنهم «يمضون وقتًا أطول في مهام غير أساسية؛ ليتمكنوا من القيام بمهامهم الأساسية».

نَهْج جديد

كل تلك الأمور ترسم معًا صورةً أكثر كآبة.. لكننا نعتقد أن مؤسسة «إم دي أندرسون لعلاج السرطان» تمكنت من إيجاد سبل للتعامل مع المشكلة، حتى في ضوء التحديات الأخيرة. فمنذ اثني عشر عامًا، وفي أعقاب انتحار أحد الزملاء، قامت مجموعة من أعضاء هيئة التدريس والقيادات التنفيذية بالمؤسسة ـ الذين شعروا بالقلق البالغ ـ بتشكيل لجنة صحيّة جامعيّة (بالتعاون مع السيدة إلين ر. جريتز، كرئيس مؤسِّس)؛ من أجل تطوير بروتوكول للتعامل مع الأزمات، وللتفكير في طرق أخرى للحفاظ على مكتسبات هيئة التدريس، وزيادتها. وقد طوَّرت اللجنة برنامج «صحة ورفاهية هيئة التدريس»، الذي يرأسه السيد وارن هولمان.

إن العديد من أنشطة هذا البرنامج، مثل المحاضرات والندوات الخاصة بكل قسم، هي أنشطة تعليمية، بينما بعضها الآخر مصمَّم لتعزيز دعم الأقران، باعتباره حائلًا ضد الضغط والإرهاق. العديد منها أنشطة خارج نطاق الطب الأكاديمي، مثل: اللقاءات الاجتماعية، ودروس الرقص، ومجموعات دعم الأبوة والأمومة، وعروض الأوبرا، وعروض الفن الجامعي، والفنون الروحية، كالتأمل، واليوجا، والتاي شي. لقد أطلقنا برنامج دعم لهيئة التدريس؛ لزيادة القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية النفسية. كما قمنا أيضًا بتنظيم حلقات نقاش حول التوازن بين العمل والحياة الشخصية، وعمل محادثات مع القادة التنفيذيين، ومؤتمر عمل حول صحة ورفاهية أعضاء هيئة التدريس، استمر لمدة ثلاثة أيام. وكان من نتائج تلك الأنشطة تأليف كتاب «صحة أعضاء هيئة التدريس في الطب الأكاديمي: الأطباء والعلماء وضغوط النجاح»5. وتُظْهِر نتائج المسح الذي أجريناه أنه ما زال أمامنا عمل نقوم به، لكنْ لدينا الآن إطار عمل للتعامل مع المشكلات، وتقديم الدعم لهيئات التدريس.

يقوم مجلس أعضاء هيئة التدريس الخاص بنا بجمع المدخلات من علماء مؤسسة «إم دي أندرسون لعلاج السرطان»، ويتواصل بشكل مستمر مع القادة المؤسَّسِيِّين من خلال قنوات متعددة، ويهتم بالقضايا المرتبطة بالحالة المعنوية للعلماء؛ ويقترح حلولًا. وفيما يخص المخاوف والخلافات حول صناعة القرارات المالية في المؤسسة، والعمليات الإكلينيكية، وسياسات تضارب المصالح في الأعوام القليلة الماضية، فقد قام المجلس بتنظيم لقاءات مع القيادات التنفيذية؛ من أجل تحسين التواصل، والثقة، والشفافية، والاشتراك في صناعة القرار.

وفي مثل تلك اللقاءات، اطَّلعت القيادات على أسباب الإجهاد الذي يعاني منه أعضاء هيئة التدريس، كما أسهموا باقتراحات بنّاءة؛ لإيجاد طرق للتقليل من آثارها. لقد طبَّقنا مبادرات لتقليل العمل الورقي من خلال تعديل فِرَق العمل، وإصلاح نظام تقنية المعلومات. وقمنا بدعم الآليات المؤسسية؛ لإيجاد المزيد من الدعم المالي، من خلال التمويل المؤقت، والتمويل الأوّلي، وصناديق تمويل الإدارات الرئيسة.

من خلال الحوار مع القيادات، اطَّلع أعضاء هيئة التدريس على الحقائق المالية والتنظيمية للمؤسسة. وكان إحراز التقدم في بعض الأحيان بطيئًا، ولم نتمكن من إزالة كافة العوائق. وكلما كان لدينا المزيد من المحادثات، وتَعَاوَنّا بشكل أكثر فعالية؛ تَفَهَّمَ أعضاءُ هيئة التدريس التحديات؛ وقدّروا المجهودات؛ وتفاعلوا مع عملية التفاوض؛ وتوصَّلوا إلى تسويات؛ وظل لديهم أمل في تحقيق إنجاز في المستقبل.

السؤال الآن.. هل بإمكان مؤسسات أخرى تطبيق استراتيجيات مماثلة؟ نعم، بدعمٍ دائم من القيادات. الأمر يتطلب ـ في بعض الأحيان ـ وقوع حدث مأساوي، مثل أزمة مالية أو مؤسسيّة؛ لتجاوز القصور المؤسسي، ولجمع القادة التنفيذيين وأعضاء هيئة التدريس معًا؛ لمناقشة مصالحهم المشتركة. كما تفيد البيانات في هذا الأمر.. فلقد عمل المسح الذي أُجري حول معنويات مجلس أعضاء هيئة التدريس في مؤسسة «إم دي أندرسون لعلاج السرطان» على توثيق الحاجة لبرنامج «صحة ورفاهية هيئة التدريس»، كما أعطى قياداتنا محفِّزات، ووجهها لتغيير ثقافة المؤسسة.

إنّ هذه الجهود مجرد بداية، ونعتقد أنها جهود جيدة. لقد أصبح من الأهمية بمكان أنْ نُبْرِز إنجازًا فارِقًا الآن، أكثر من أيّ وقت مضى. 

  1. Shanafelt, T. D. et al. Arch. Intern. Med. 172, 13771385 (2012).      

  2. Kuerer, H. M. & Holleman, W. L. Ann. Surg. 255, 634636 (2012).      

  3. National Research Council Research Universities and the Future of America (National Academies Press, 2012).     

  4. Ginsberg, B. The Fall of the Faculty (Oxford Univ. Press, 2011).     

  5. Cole, T. R., Goodrich, T. J. & Gritz, E. R. (eds) Faculty Health in Academic Medicine (Humana, 2009).