أنباء وآراء

علم البيئة: الوفرة تساوي تَدَاخُل الأنواع

إنّ تأثُّر بِنَى الشبكات الإيكولوجية بتعايش الأنواع واستقرار واضطراب التجمعات الحيوية مسألة مطروحة للنقاش. ويبدو أن ارتباطًا مهمَلًا في البِنَى المتداخلة هو وفرة الأنواع.

  • Published online:

أحد أهداف علم البيئة الرئيسة فَهْم آليات تشكيل التنوع الحيوي. فمناهج دراسة الشبكات، التي تُكَامِل بين الأنواع وتفاعلاتها فيما بينها في إطار عمل واحد، قدمت تبصرًا مهمًّا بالموضوع، فكشفت أنماطًا (معمارية) متميزة ترتبط بقوة مع تفاعلات إيكولوجية معينة. وبالنسبة للشبكات التعاونية ـ حيث تفيد التفاعلات طرفي العلاقة، كعلاقة النبات بالكائنات الملقِّحة، أو علاقة السمكة بالسمكة المنظِّفة ـ فإن النمط الأكثر انتشارًا يبدو هو التداخل، بحيث يتفاعل نوع متخصص إيكولوجيًّا (له شركاء قليلون) مع مجموعة فرعية لشركاء كثيرين من أنواع أكثر عمومية إيكولوجيًّا تزدهر بمختلف البيئات، وتستفيد بالموارد المتاحة. لا يزال أصل وتداعيات تداخل الأنواع قيد نقاش قوي. وكان سوفايس وزملاؤه1 قد نشروا مؤخرًا بدوريّة «نيتشر» إسهامًا مبتكرًا ومثيرًا حول هذا الموضوع بإظهار العلاقات القوية فيما بين وفرة الأنواع، ومعمار التداخل، واستقرار التجمعات.

والتداخل بين الأنواع نمط يتميز بعدة سمات (الشكل 1)، منها وجود توزيع منحرف (إحصائيًّا) لعدد الشركاء المتفاعلين بالنسبة لكل نوع، مع كثير من الأنواع المتخصصة، وقليل من الأنواع العمومية. وتداخل الأنواع يعني أيضًا تخصصًا غير متماثل، بحيث تميل الأنواع المتخصصة للتفاعل مع الأنواع العمومية. وأخيرًا، تشكل الأنواع العمومية في شبكة التداخل قلبًا مفردًا شديد الترابط، مما يجعل الشبكات متماسكة جدًّا.

<p><b>الشكل 1| شبكة تداخليّة.</b> تتخذ التفاعلات بين مجموعتين من الأنواع المتنافعة غالبًا بِنْيَة تداخلية، حيث تكون للأنواع المتخصصة (s) قليل من الشركاء، وتتفاعل مع مجموعات فرعية من عدة شركاء من الأنواع العمومية (g). وهنا يتم تلوين التفاعل ما بين صف وعمود بالأزرق، إذا كانت الأنواع تتفاعل. تتميز الشبكات التداخلية بسمات معينة، كالاستمرارية من الأنواع بالغة العمومية إلى الأنواع المتخصصة، وقلب من الأنواع الأشد ترابطًا (مربع أحمر) وميل الأنواع المتخصصة للتفاعل مع الأنواع العمومية (مثلًا، يتفاعل النوع المتخصص i مع النوع العمومي α). وتُظْهِر دراسة سوفايس وزملائه<sup><a href="#ref1">1</a></sup> أن وفرة الأنواع في شبكة تبادلية ترتبط إيجابيًّا مع تداخل الشبكة. </p>

الشكل 1| شبكة تداخليّة. تتخذ التفاعلات بين مجموعتين من الأنواع المتنافعة غالبًا بِنْيَة تداخلية، حيث تكون للأنواع المتخصصة (s) قليل من الشركاء، وتتفاعل مع مجموعات فرعية من عدة شركاء من الأنواع العمومية (g). وهنا يتم تلوين التفاعل ما بين صف وعمود بالأزرق، إذا كانت الأنواع تتفاعل. تتميز الشبكات التداخلية بسمات معينة، كالاستمرارية من الأنواع بالغة العمومية إلى الأنواع المتخصصة، وقلب من الأنواع الأشد ترابطًا (مربع أحمر) وميل الأنواع المتخصصة للتفاعل مع الأنواع العمومية (مثلًا، يتفاعل النوع المتخصص i مع النوع العمومي α). وتُظْهِر دراسة سوفايس وزملائه1 أن وفرة الأنواع في شبكة تبادلية ترتبط إيجابيًّا مع تداخل الشبكة.


طُرحت ثلاث فرضيات رئيسة لتفسير البيولوجيا الكامنة وراء هذه البنية شديدة التنظيم كما تبدو. إحداها أن تداخل الأنواع «محايد»، أي كافة التفاعلات بين الأفراد محتمَلة بالتساوي. وتخضع وفرة الأنواع بعدة تجمعات لمنحنى ناقوسي الشكل قياسي التوزيع مع عدة أنواع نادرة وبضعة أنواع واسعة الانتشار. وضمن هذه الفرضية، تؤدي الاختلافات في وفرة الأنواع إلى اختلافات في التفاعلات على مستوى الأنواع: يُتوقع أن تتفاعل الأنواع الوفيرة أكثر بكثير، ومع أنواع أكثر، مقارنةً بالأنواع النادرة، وتميل الأنواع النادرة إلى التفاعل مع الأنواع عالية الوفرة، بدلًا من الأنواع النادرة الأخرى. وبرغم ذلك.. ليس سهلًا تفسير الارتباط التجريبي بين وفرة الأنواع وعمومية الأنواع2. هل تصبح الأنواع عمومية لأنها أكثر وفرة أم أنها أكثر وفرة لأنها أنواع عمومية، ولذلك تتمكن من الوصول إلى موارد أكثر؟

تشير الفرضية الثانية إلى أن تداخل الأنواع يؤثر على الديناميّات الإيكولوجية، وخاصة تعايش الأنواع واستقرار التجمع. وهناك حجة بسيطة تدعم هذه الفرضية تقول إنّ الأكثر أمانًا للأنواع المتخصصة أنْ تتفاعل مع الأنواع العمومية، بدلًا من التفاعل مع أنواع متخصصة أخرى، لأنه يُتوقع أن تتميز الأنواع العمومية بتقلبات أقل في ديناميات التجمع، وبالتالي تصبح شريكًا أكثر موثوقية. مثل هذه القيود على تواصُل واستقرار التجمعات يمكن أن تكون قوة دافعة تُشكّل طبيعة شبكات التفاعل. ومع ذلك.. ليس هناك إجماع بخصوص هذه المسألة ـ في السنوات الأخيرة ـ بين عدة أبحاث3-6 حول ارتباطات تداخل الشبكات بديناميّات التجمعات في الأنواع المتنافعة.

وحسب الفرضية الثالثة، قد يتشكل معمار التداخل بالديناميات التطورية المشتركة للأنواع المتفاعلة ضمن تجمع. وهناك عدة أمثلة لتفاعلات فيما بين الأنواع تؤثر بدورها في صحة الأفراد وتطور صفات الأنواع المحدِدة لماهيّة شركاء التفاعل المحتملين. تميل الأنواع وثيقة الارتباط في شبكات التفاعل التنافعية لأنْ يكون لها شركاء تفاعل متماثلون، وهو ما يؤكد فكرة أن التاريخ التطوري يؤثر على بنية الشبكات التنافعية7، لكن حتى الآن لم يتم ربط عملية تطورية محددة مباشرة ببنية التداخل.

ربط سوفايس وزملاؤه هذه الفرضيات الثلاث معًا بإظهار علاقة ذات خطوتين بين وفرة الأنواع في تجمع وتداخل شبكة التفاعل التي تصور ذلك التجمع. باستخدام مقاربات تحليلية ومحاكاة، أظهر المؤلفون أولًا أنه ضمن ظروف ثابتة لها عدد وقوة ثابتان من التفاعلات التبادلية فإن ‘مقايضات التفاعل’ (تبادل التفاعلات بين زوجين من الأنواع) الذي يؤدي إلى زيادة في وفرة النوع يزيد أيضًا الوفرة الكلية للتجمع. ثانيًا، أظهر الباحثون أن الوفرة الكلية للتجمع ترتبط إيجابيًا بتداخل الشبكة. وهذا الارتباط يفتح آفاقًا مذهلة.

ولتوضيح مغزى نتائجهم، أظهر المؤلفون أنه تحت ظرف تؤدي فيها التبادلات إلى زيادة وفرة الأنواع، تؤدي المقايضة التكرارية في النهاية إلى تحويل الشبكات العشوائية ذات التفاعلات الموزعة عشوائيًّا بين الأنواع إلى شبكات متداخلة. تفسير هذا أن أي عملية تُعَظِّم وفرة الأنواع عبر تغيرات في التفاعلات بين الأنواع ستقود إلى شبكة تداخل. هكذا يصبح السؤال: أي العمليات البيولوجية يمكن انتقاؤه لأحجام تجمعات أكبر؟ ينطوي الانتقاء على مستوى التجمع على عمليات انتقاء المجموعات كالانتقاء الشاق9،8. هناك حاجة إلى أبحاث أكثر لكشف العمليات التطورية المجهرية التي تؤثر في معمار الشبكة، لكن هذا المسار البحثي يبدو واعدًا.

يُظْهِر سوفايس وزملاؤه أيضًا أن حجم جماعات الأنواع الأكثر ندرة في التجمع مرتبط إيجابيًّا بمرونة التجمع، وهي سرعة عودة ديناميات التجمع إلى التوازن بعد اضطراب بسيط. هذه النتائج تشعل النقاش الراهن حول العلاقة بين معمار الشبكة واستقرار التجمع3-6 10،11 بإدخال توزيع وفرة الأنواع كعنصر رئيس. ومرة أخرى، تبقى العمليات التي من خلالها ترتبط وفرة الأنواع الأكثر ندرة بمرونة التجمع بحاجة إلى تحديد. فقد تتضمن تلك العمليات الأنواع الأكثر ندرة مباشرةً، أو أنْ تظهر من آليات وعمليات أخرى تؤثر في الأنواع الأكثر ندرة، وفي مرونة التجمع معًا.

وأخيرًا وليس آخرًا، فالعلاقة التي وجدها سوفايس وزملاؤه بين تداخل الشبكة والوفرة الإجمالية للتجمع ذات اتجاهين. فالوفرة مرتبطة بالكتلة الحيوية، وهي أحد المتغيرات الرئيسة المستخدمة في دراسات التنوع الحيوي ووظائف النظم البيئية. لهذا.. توفر العلاقة ذات الاتجاهين جسرًا بين نتائج المؤلفين والأدبيات الثرية حول هذه الموضوعات. نحن نعلم بالفعل أن بنية الشبكات الغذائية، مثلًا، يمكن أن تؤثر في العلاقة بين التنوع الحيوي ووظائف النظام البيئي12، لكنّ المعلومَ قليلٌ حول تأثير الشبكات التعاونية على وظائف التجمعات الإيكولوجية. وشأن كل الأبحاث المثيرة، يثير عمل سوفايس وزملائه أسئلةً أكثر مما يقدِّم من إجابات.

  1. Muséum National d'Histoire Naturelle, Paris UMR7204 CESCO, France

    • كولن فونتين
  1. Suweis, S., Simini, F., Banavar, J. R. & Maritan, A. Nature 500, 449–452 (2013).
  2. Santamaría, L. & Rodríguez-Gironés, M. A. PLoS Biol. 5, e31 (2007).
  3. Bastolla, U. et al. Nature 458, 1018–1020 (2009).
  4. James, A., Pitchford, J. W. & Plank, M. J. Nature 487, 227–230 (2012).
  5. Thébault, E. & Fontaine, C. Science 329, 853–856 (2010).
  6. Allesina, S. & Tang, S. Nature 483, 205–208 (2012).
  7. Rezende, E. L., Lavabre, J. E., Guimarães, P. R., Jordano, P. & Bascompte, J. Nature 448, 925–928 (2007).
  8. Saccheri, I. & Hanski, I. Trends Ecol. Evol. 21, 341–347 (2006).
  9. Goodnight, C. J. Phil. Trans. R. Soc. B 366, 1401–1409 (2011).
  10. Saavedra, S. & Stouffer, D. B. Nature 500, E1–E2 (2013).
  11. James, A., Pitchford, J. W. & Plank, M. J. Nature 500, E2–E3 (2013).
  12. Thébault, E. & Loreau, M. Proc. Natl Acad. Sci. USA 100, 14949–14954 (2003).