تأبين

مايكل جون موروود (1950 - 2013)

عالِم آثار متخصص في الفنون الصخرية، ورائد الكشف عن الهوبيت.

  • ريتشارد ج. روبرت
  • توماس سوتيكنا
  • Published online:

كان مايكل جون موروود – الذي اعتاد زملاؤه أن يلقبوه بمايك – مشاكسًا ـ على حد قول الأستراليين ـ قلبًا وقالبًا. وكان يطيب له أن يضع فوق رأسه قبعته المجعدة التي تنتمي إلى قبائل البوشمن خلال رحلاته الميدانية، ولم يضيع وقته في الثرثرة قط. ولقد أضفت نظرته الفاحصة الساخرة على هيئته مظهرًا حماسيًّا بعض الشيء. وقد أفضت كلٌّ من رؤيته، وبديهيته، وقيادته إلى كَشْفه في عام 2003 لجنسٍ قديم من البشر، اسمه العلمي Homo floresiensis، عثر عليه ضمن حفريات شرقي إندونيسيا. وبالنظر إلى الهيئة القصيرة لهذا الجنس، أطلق عليه موروود اسم «هوبيت»، تَيَمُّنًا بالسكان الخياليين للأرض الوسطى في رواية «ملك الخواتم» للكاتب جيه. ر. ر. تولكين.

OTAGO DAILY TIMES

وُلد موروود في عام 1950 في مدينة أوكلاند بنيوزيلاندا، وتوفي متأثرًا بمرض السرطان في مدينة داروين بأستراليا في الثالث والعشرين من يوليو الماضي، وهو في طريقه إلى إندونيسيا. وقد انبهر موروود بالفن الصخري لسكان أستراليا الأصليين، الذي يؤرخ لصلاتهم العتيقة بجنوبي شرقي آسيا. وانطلاقًا من كونه عالم آثار بالقطاع الحكومي في مدينة كوينزلاند، وخلال إعداده لأطروحة الدكتوراة الخاصة به في الجامعة الأسترالية الوطنية بمدينة كانبيرا، كان موروود على رأس القائمين على دراسات تمزج ما بين الفنون الصخرية والأدوات الأثرية المصنوعة يدويًّا التي استُخرجت من أعمال التنقيب في كوينزلاند. وبعد أن انضم إلى جامعة نيو إنجلاند بمدينة أرميديل، بولاية نيو ساوث ويلز في عام 1981، ركّز في دراساته على المواقع الأثرية في شمال كوينزلاند؛ مما أثمر عن دراسة أحادية الموضوع، تتناول «الفن الصخري في حقبة ما قبل التاريخ»   Tempus, 1995) Quinkan prehistory). يعطي هذا العمل الشمولي ـ الذي نقّحه زميل عمره دوجلاس هوبس ـ منظورًا متعدد التخصصات عن 50 ألف سنة من النشاط البشري في سياق بيئي، ويحدد الإطار العام للمشروعات التالية لموروود في غربي أستراليا وإندونيسيا.

عمل موروود رئيسًا لجمعية أبحاث الفنون الصخرية الأسترالية خلال الفترة من 1992 إلى 2000، وفي عام 2002 نشر كتابه «رؤى من الماضي» Visions from the Past (ألين وأنوين). وفي هذا الكتاب ـ الذي نال تقدير النقاد ـ قدَّم لنا موروود تحليلاً قارِّيًّا للفنون الصخرية وآثار أستراليا القديمة، مستعينًا بتجاربه الأولى التي امتدت إلى ثلاثة عقود كاملة. وفي عام 2007، صار موروود شخصية لامعة في مركز علوم الآثار الناشئ بجامعة ولونجونج في نيو ساوث ويلز، حيث خطَّط لبعثات جديدة إلى إندونيسيا، وقادها، وتَبَنَّى الجيل الجديد من علماء الآثار بالرعاية والتعليم.

في أواسط التسعينات، أدى وجود دليل على الاتصال القديم بين سكان شمال أستراليا وإندونيسيا بموروود إلى تدشين سلسلة من المشروعات على جزيرة فلوريس الإندونيسية، التي تفصلها عن قارة آسيا معابر بحرية كثيرة. انطلق موروود أولاً إلى وسط جزيرة فلوريس، حيث صرَّح عالِم الآثار والقس الهولندي ثيودورس فيرهوفين مرارًا وتكرارًا في الستينات بالعثور على أدوات حجرية ترجع إلى 750000 سنة. تعاوَنَ موروود مع باحثي معهد المسح الجيولوجي في باندونج بإندونيسيا، وكذلك مع علماء التقويم الجيولوجي؛ بغيةَ إثبات أن النتائج التي توصل إليها فيرهوفين صحيحة. وعلى ذلك.. فقد توسَّع فريق موروود في ذِكْر أنّ قِدَم صناعة الأدوات الأثرية على جزيرة فلوريس يعود إلى مليون سنة (ربما على يد أسلاف الجنس البشري H. floresiensis)، وهو أقدم دليل على وجود البشر شرقي خط والاس البحري الذي يفصل ما بين حيوانات إقليم آسيا وأستراليا.

بعدها، زار موروود مجددًا موقعًا آخر من مواقع فيرهوفين، وهو عبارة عن كهف من الحجر الجيري في غرب جزيرة فلوريس، بحثًا عن آثار لأسلاف الأستراليين الأوائل. وقد نجح أسلوبه المباشر والمثابر في التفاوض مع علماء الآثار في معهد المسح الجيولوجي والمركز الوطني للآثار في جاكرتا، فيما فشل في تحقيقه من قِبَل علماء الآثار الأستراليين، وقاد فريقًا أستراليًّا-إندونيسيًّا مع آخرين إلى الكهف في عام 2001. وبعدها بعامين، وبعد أن عاد موروود من رحلته إلى جاوة، تاركًا واحدًا منّا (توماس سوتيكنا) لاستكمال أعمال التنقيب في حفرة عمقها ستة أمتار بالموقع، اكتشف «الهوبيت» هناك، على عكس جميع التوقعات. ونُقلت الأخبار مباشرة إلى موروود، الذي دَبَّرَ وسيلةَ نقل آمنة للحفريات الهشة إلى جاكرتا؛ تمهيدًا لفحصها فحصًا دقيقًا. تمخَّض الكشف عن ملحمة سياسية وعلمية سجلها موروود وبيني فان أوسترزي في كتابهما «اكتشاف الهوبيت» The Discovery of the Hobbit (دار نشر راندوم هاوس، 2007). ولمَّا اصطدم باحثون آخرون بأجزاء الهيكل العظمي؛ تحطَّمت العظام، وتبدَّلت، واستُخلصت كعَيِّنة للتعرف على الحمض النووي؛ مما أدى إلى اتهامات صارخة بانعدام الكفاءة، وسوء الخلق، وإنكار شديد لتلك الاتهامات.

نُشر هذا الكشف في دوريّة «نيتشر» في عام 2004؛ واستقطب تمحيصًا علميًّا شديدًا، وتغطيةً إعلامية واسعة؛ مما أفضى إلى تسليط الضوء الإعلامي على موروود ـ ولو على استحياء ـ في بعض الأحيان. أمّا بخصوص الكشف عن أنّ هناك بَشَرًا، أطوالهم لا تتعدى المتر الواحدة، بملامح عتيقة، عاشوا حتى بعد وصول البشر الأوائل Homo sapiens إلى جنوب شرق آسيا وأستراليا، فقد قُوبل بالترحاب الشديد من جانب البعض، بينما شَكَّك فيه البعض الآخر. واستجابة إلى المخاوف من ألّا يكون H. floresiensis جنسًا جديدًا، دعا موروود باحثين آخرين معنيين بالتطور البشري لدراسة الحفريات، وأخْذ عينات منها. وأكَّدت روح الاستقصاء الحر هذه على نزاهة موروود، وإصراره على الشفافية. ويُعترف حاليًا بـ H. floresiensis كجنس حقيقي، لكن نسله التطوري وتوزيعه الجغرافي، والفترة التي عاش خلالها ما زالت تمثل أسئلة مُعَلَّقة، أمضى موروود العقد الأخير من حياته في البحث عن إجابات لها.

أًجَلَّ موروود التعاونَ طويل الأجل في إندونيسيا بينه وبين الإندونيسيين، ولطالما كان يُكِنّ احترامًا للمجتمعات الأصلية، ويتحرى النزاهة في تعاملاته؛ فكان يعامل زملاءه الخبراء وطلابه معاملة واحدة. وحرص موروود على تعليم طلاب الآثار وصغار الباحثين، وتلقينهم، وبث الحماس في نفوسهم، سواء في أستراليا، أم في إندونيسيا، وأَلْهَمَ المتعاونين معه الإخلاص في العمل.

كانت الرحلات الميدانية مع مايك لا تُنْسَى، نظرًا إلى فضوله الذي لا يفتر، وتعطُّشه للكشف (خاصة عن جنس آخر من البشر، لم يصل إليه العِلْم بعد)، وحِسّ الدعابة اللاذع لديه (فقد مزح ذات مرة قائلاً إن جنس الهوبيت من المفترض أن يُسمَّى Homo hobbitus)، وسعادته الغامرة بإضافة سيف جديد إلى مجموعة التحف التي يتباهى بها. قد يكون مايك أيضًا مزعجًا؛ فهو لم يهتم بأي شيء ـ أو حتى أي إنسان ـ خارج مجال رؤيته الشخصية، ولم يكن يصبر على الأعمال الورقية الإدارية التي قد تعرقل تقدُّمه. لقد مَكَّنَتْهُ تلك النظرة الأحادية، وكذلك الإصرار الشديد على تحقيق الكثير في مشواره. إننا سنفتقد ـ نحن علماء الآثار في أستراليا وإندونيسيا ـ بمرارة رفقة مايك، وحماسه الذي لا يهدأ، وعشقه للمغامرة.