س و ج

مصــوِّر دورة الحيـاة

لقد وضع مارك كيسيل الطبيب السابق الذي تحوَّل لاحتراف فن التصوير بصمته ا إ لبداعيّة في تصوير نشأة وتطوّر ا إ لنسان باستخدام النمط القديم للتصوير الدّاجيريّ. وبالنسبة إلى آخِر معارضه الفنية الذي أقيم في نيويورك، فإنّه يتحدث عن التقاطه لصور الرئيسيّات، وملاقط الجراحة، والحالات المُشَارِفَة على الوفاة، والمواليد الحديثة.

جاشا هوفمان
  • Published online:

مارك كيسيل: العيِّنات المثالية

معرض «لاست رايتس» الفني، مانهاتن، نيويورك، 17 أغسطس ـ 21 سبتمبر.


ما هي مجموعة «العيِّنات المثاليّة»؟

إنها بمثابة مشروع تصوير فوتوغرافي لدورة حياة الجنس البشري. وقد حاولتُ أنْ أجعل الصورَ سهلة الفهم، بحيث يستطيع أي شخص ملاحظة الإنسان فيها بشكل مميز.. فعرضتُ فيها فترة الحَمْل، وتطوّر الجنين، والولادة، والشيخوخة، والوفاة. أردتُ من هذه الصور أن تثير تساؤلات لدى مشاهديها عن معنى أن نكون بشرًا من منظور بيولوجي.


هل تستطيع أن تخبرني عن نماذج الأجنة؟

هناك هيكل عظمي غريب لإنسان صغير، يعود إلى حوالي عام 1890، لديه محجران واسعان، وليس لديه دماغ. تُظْهِر طريقة تثبيته داخل الزجاجة وهو مبتسم لأعلى وجاثِم على رأس مسمار حجمَ المأساة التي تَعَرَّضَ لها هو وأمه. وهناك أيضًا جنين طبيعي يبلغ من العمر أربعة أشهرٍ، غير مُلْتَوٍ، يقف باعتدال، ويبدو كمخلوق فضائيٍّ صغيرٍ. بإمكانك رؤية أوعيته الدموية تحت جلده الرقيق الشفاف، وقطع جمجمته التي لم تندمج بعد. في زجاجة أخرى، توجد ثلاثة أجنة متطابقة، حيث تعرَّضَتْ هذه الأَجِنّة لإجهاض تلقائي. وكانت هذه الأجنة مشترِكة في الدم نفسه في يومٍ ما، لكنْ الآن انفصل كل جنين عن الآخر، وأصبح كل منهم وحيدًا إلى الأبد.

<p>الإنفصال الأبدي، إحدى صور مارك كيسيل من مجموعته «العينات المثالية».</p>

الإنفصال الأبدي، إحدى صور مارك كيسيل من مجموعته «العينات المثالية».

MARK KESSELL



كيف تَلتقِط صورَ الميلاد والموت؟

بالنسبة إلى الولادة، عليك أن تجد امرأةً شجاعةً وزوجًا كريمًا... وعند لحظة خروج الطفل عليك أن تقف بالكاميرا الخاصة بك بين ساقي السيدة. إنها لحظة مثيرة، ولا يمكن نسيانها، ولكنها في الوقت ذاته مُرْبِكَة!.. حيث تشاهِد خروج رأس كبير من منفذ صغير. أما بالنسبة إلى الوفاة، فإنني أحصل على إذْنٍ من أقارب الشخص الذي أوشك أنْ يفارق الحياة؛ لتوثيق اللحظات الأخيرة في حياة مَنْ يحبون. وتُظْهِر إحدى الصور شفاهَ سيدة تلفظ كلماتها الأخيرة. هناك أناسٌ كثيرون يتجنّبون الخوض في هذا الموضوع، لكنّ الموت عملية بيولوجية، فلماذا التظاهر بغير ذلك؟


ما الدور الذي يلعبه تدريبك الطبي؟

لم ألتقط صورًا حتى بلغت التاسعةَ والثلاثين. وعندما كنتُ ذات مرة في رحلة برية مع صديقتي في أرجاء أستراليا، قدّمَتْ لي كاميرا بلاستيكية تصلح للاستخدام لمرة واحدة فقط. وفي غضون عامٍ واحد، اعتزلتُ الطب؛ والتحقتُ بكلية للفنون في مانهاتن. في البداية، تخيّلتُ نفسي ألتقط صورًا لمناظر طبيعية نائية ‹‹لناشيونال جيوجرافيك››، لكنني فكرتُ مليًّا.. لماذا عليَّ أنْ أحاربَ الماضي الذي يخصُّني؟.. لقد تذكرتُ «إيجبرت»، تلك الجثة التي قمتُ بتشريحها في أثناء دراستي للطب. لقد شُرِّحَت الجثة طوليًّا، بحيث تستطيع رؤية الدماغ داخل جمجمته. كَمْ يبدو هذا المصدر الإنساني ضعيفًا للغاية! وعندما تَوَجَّبَ علينا تشريح الذراع البشرية، كنتُ مرتعبًا من الدقة البالغة في اليد.. فقد خُلِقَتْ ببراعة تَفُوقُ بشكلٍ بعيد أيَّ براعة تكنولوجية.


هل لديك شك في أنّ الإنسان مخلوقٌ مميزٌ؟

إنّ معظم التصرفات التي اعتُقِدَ أنّ الإنسان ينفرد بها حتى عهد داروين كانت لدى كائنات أخرى أيضًا. فلدى الغِرْبَان روح اللعب واللهو، وتكوين القرابات الاجتماعية، والتأمل في المستقبل، ويبدو ذلك جليًّا في سلوكها. وفي مجموعتي التي تحمل عنوان ‹‹أصدقاء متفرقون››، حاولتُ دراسة مدى استيعابنا للمخلوقات الأخرى من خلال عرض صورٍ لحيوانات رئيسة، وطيورٍ وزواحفَ في وضعيّات تبدو معبِّرة عن العواطف الإنسانية. وفي مجموعة ‹‹صندوق العيّنات›› هناك الآلاف من الصور لعيّنات من الحيوانات مثبَّتة على جدران وسقف وأرضيّة غرفة صغيرة. كل ما يملأ الغرفة ميّتٌ، عدا الوجوه الفضولية لمشاهدي الصور التي تصوِّرها كاميرات مخفِيّة في تلك الغرفة.

ILLUSTRATION BY JIM SPENCER BASED ON PHOTO BY MARK KESSELL


ما هي الموضوعات الأخرى التي قمتَ بتغطيتها؟

مجموعة «الأدوات الجراحية»، التي صوَّرْتُ فيها أدوات معينة، كمقص عمليات التجميل، والمُوَسِّعات الإحليليّة لتبدو في الصور حيةً. هذه الصور هي الأكثر عدوانيّة بين صُوَرِي. فقد استُخدِمَت إحداها كمُلْصَقٍ لفيلم الرعب ‹‹النُّزُل›› الذي أُنتِج وعُرض في عام 2005، والذي لا أمتلك الجرأة الكافية بَعْدُ لمشاهدته. لست متأكدًا من أنني كنتُ مدركًا كَمْ كانت هذه الصور مرعبةً خلال تصويري لها. فقد صُمِّمَت هذه الأدوات لتمزيق وتقطيع اللحم البشري، وتغيير الجسد الذي يحدِّد هويتنا بشكل كبير.


هل تدفع أعمالُك الناسَ إلى إسقاط الافتراضات المسبقة؟

إنني أرغب في جَعْل الناس يختبرون افتراضاتهم بطريقة تشبه تلك التي يقوم بها العلماء. ففي كل مجموعة هناك شيء يظهرعلى خلاف حقيقته. والعديد من المشاهدين يرون مجموعة «الأدوات الجراحية» كنماذج وقطع نباتية. في مجموعة ‹‹أصدقاء متفرقون›› قد يظن البعض أن صور الحيوانات تمثّل وجوهًا بشريةً، والعكس صحيح. في مجموعة ‹‹العيّنات المثالية›› يصعُب تمييز الأجسام الميّتة من الحيّة. أريدُ أنْ يتساءل الناسُ «لماذا يريد هذا الفنّان أن يُرِينا هذا؟»


لماذا استخدمتَ عملية التصوير الدّاجيريّ؟

إنها طريقة مميزة بشكل فاتن، لكنها صعبة التحكم. تعتمد النتائج فيها على كيفية صَقْل صفائح الفضة، وعلى كثافة المواد الكيميائية المستخدَمة، وشدة الضوء. فالمناطق التي تتعرض للإضاءة المفرطة تُظهِرُ ظِلالاً زرقاء رائعة. وأنا كطبيب، تعلّمتُ أن أفحص وأُعايِر.. لكن الأمور مختلفة في التصوير الداجيري، فالتكرار الدقيق أمرٌ صعب للغاية. فلأنها فضة نقيةٌ، وهي أيضًا مرآةٌ، يمكنك رؤية صورة وجهك تنعكس من خلالها، مثلما أرى وجهي فيها.