تحقيق إخباري

ذاكرة مشوّهة

أمضت إليزابيث لوفتوس عقودًا من الزمن لكشف عيوب شهادات شهود العيان. وإنّ أفكارها لَتَلْقَى جاذبيةً جديدة في النظام القانوني الأمريكي.

محبّ قسطندي
  • Published online:

Brad Swonetz/Redux/Eyevine


في الساعات الأولى من صباح 9 سبتمبر 1984، دخل شخص غريب منزل السيدة «م» في كاليفورنيا من نافذة مفتوحة بغرفة المعيشة. وعندما وجدها نائمة، حاول اغتصابها، لكنه فرّ هاربًا لدى استيقاظ أشخاص آخرين بالمنزل. وصفت السيدة «م» المعتدي للشرطة: كان أسود اللون، يزن حوالي 77 كيلوجرامًا، يتراوح طوله بين 170 و175 سنتيمترًا، في شعره ضفائر صغيرة، ويرتدي قبعة بيسبول زرقاء اللون.

وجد الضباط الذين يجوبون الحي الذي تقيم فيه شخصًا بصفات تطابِق وصفها تقريبًا، يقف بجانب سيارته على بُعْد شارع من منزلها. قال الرجل، جوزيف بيسلي، إن سيارته تعطلت، وإنه كان يبحث عن أحد يساعده في إعطاء دفعة كهربية لتشغيلها، لكن السيدة «م» تعرّفت عليه باعتباره المعتدي، وتم اتهامه رسميًّا.

في محاكمة بيسلي بعد بضعة أشهر، شهدت الباحثة في الذاكرة، إليزابيث لوفتوس، لصالحه. وأبلغت هيئة المحلّفين كيف أن الذاكرة عرضة للخطأ، وكيف أن التوتر والخوف ربما أضعفا قدرة السيدة «م» في التعرّف على المعتدي، وكيف يجد الناس صعوبة في التعرّف على شخص من غير عِرقهم.

بُرِّئت ساحة بيسلي. وتقول لوفتوس: «حالات كهذه تعني لي الكثير»، «وهي التي ألعب فيها دورًا في جلب الإنصاف لشخص بريء».

في حياة مهنية امتدت أربعة عقود، عملت لوفتوس ـ خبيرة علم النفس بجامعة كاليفورنيا في إرڤاين ـ أكثر من أي باحث آخر لإثبات عدم الاعتماد على الذاكرة في الأوضاع التجريبية. وقد استخدمت ما تعلمته للإدلاء بشهادتها كشاهد خبير بمئات القضايا الجنائية ـ كانت قضية بيسلي تجربتها الأولى بالمجال الجنائي ـ وأخبرت المحلفين أن الذكريات هشّة، وأن روايات شهود العيان بعيدة عن كونها تسجيلات كاملة للأحداث الفعلية.

نال عملها استحسان أقرانها، لكنه سبّب لها عداوات أيضًا. يتهمها المنتقدون بأن حماستها في تحدّي صحة الذاكرة جعلتها تضرّ الضحايا، وساعدت القتلة والمغتصبين. وقد رُفعت ضدها دعاوى، وتعرّضت للاعتداء، بل وتلقت تهديدات بالقتل. تقول لوفتوس: «لقد ذهبت إلى ميدان الرماية؛ لأتعلم إطلاق النار»، مشيرةً إلى أنها تحتفظ في مكتبها بعدد قليل من الأهداف المستخدَمة في الرماية، كمثار للفخر.

ومؤخرًا، بدأت الأبحاث التي أجرتها هذه العالِمة ـ البالغة 68 سنة ـ بإحداث تغييرات دائمة في النظام القانوني. ففي يوليو من السنة الماضية، أصدرت المحكمة العليا بولاية نيوجيرسي حكمًا ـ يعتمد إلى حد كبير على نتائج أبحاثها ـ يقضي بوجوب تنبيه المحلّفين لطبيعة نقصان الذاكرة، وكون شهادات الشهود عرضة للخطأ كإجراء قياسي. وتتعاون لوفتوس مع قضاة بولايات أخرى لنشر هذه التغييرات بشكل أوسع.

يقول مارتن كونويه، خبير علم النفس الإدراكي بجامعة سيتي بلندن: «ما يحدث الآن في أمريكا هو حقيقةً نوع من الثورة». وكان عمل لوفتوس البحثي «مهمًّا للغاية» في تشكيل هذه التغييرات، حسب قول كونويه.


ذكريات طَيِّعَة

كانت بدايتها في علم النفس بلا موجِّه. فعندما كانت طالبة دراسات عليا في علم النفس الرياضي بجامعة ستانفورد، كاليفورنيا، تقول لوفتوس: «لم يكن الأمر يستهويني حقًا»، فقد «كنت أجلس في مؤخرة قاعة الحلقات الدراسية، يعتريني الملل، أخطُّ رسائل إلى عمي جو، أو أخيط حاشية ثوبي، أو أفعل أي شيء».

وأخيرًا، أثارت محاضرات علم النفس الاجتماعي اهتمامها، وبدأت تدرس كيفية تخزين معاني الكلمات في الدماغ، وكيف يسترجعها الناس.. لكن كان هناك شيء مفقود. تقول لوفتوس «في أحد الأيام كنت أتناول الغداء مع إحدى بنات عمي»، «وأخبرتها عن اكتشافنا الكبير بأن الناس أسرع إلى تسمية (طائر أصفر اللون) من (طائر أصفر)». وهنا، أشارت ابنة عمها مازحةً ـ غير معجبة ـ إلى إهدار أموال دافعي الضرائب. «عندئذ قررت أنني أريد أن أعمل شيئًا له تطبيقات عملية أكثر».

كانت لوفتوس تبحث عن طريقة مجدية لدراسة الذاكرة والحصول على تمويل لها عندما أخبرها مهندس سابق من ستانفورد يعمل بوزارة النقل أن مديره ربما كان مهتمًا بتمويل بحث حول حوادث السيارات.

 حصلت لوفتوس ـ مقتفيةً أثر ذلك الخيط ـ على التمويل في 1974 لمقترحها حول دراسة روايات الشهود عن الحوادث. وسرعان ما نشرت أول دراسة من ضمن دراسات عديدة مؤثّرة تكشف محدودية شهادات شهود العيان1. فقد عَرَضَتْ على الناس مقاطع من فيلم لحوادث سيارات، وطلبت منهم تقدير سرعة السيارات. وجدت لوفتوس أن صياغة الأسئلة كان لها تأثير عميق على هذه التقديرات. فالأفراد الذين سُئِلوا: «كم كانت سرعة السيارات عندما حطّمت بعضها؟» أعطوا تقديرات أعلى في المتوسط من أولئك الذين اسْتُخدِمَ فعل «صدمت» عند سؤالهم. أما الذين قيل لهم إن السيارات «احتكت»، فقد أعطوا أقل التقديرات.

كان الذين سُئِلوا عن تحطم السيارات أكثر ميلًا من غيرهم بمرتين للإبلاغ عن رؤية زجاج مكسور عندما طُرِحَ عليهم السؤال عن الحادث مرة أخرى بعد أسبوع، حتى لو لم يكن ذلك في الفيديو. تقول لوفتوس: «أدركت أن هذه الأسئلة توصِّل معلومات». و«بدأت أفكر في الأمر باعتباره عملية تلويث للذاكرة، وانتهينا إلى تسميته (تأثير المعلومات المضلِّلة)».

بدأت أفكر في الأمر باعتباره عملية تلويث للذاكرة

نشرت لوفتوس عدة دراسات أخرى2-4 تُظْهِر كيف يمكن تحريف الذكريات، وأنّ قدرة شهود العيان على التعرّف على المشتبه بهم من الصور قد لا تكون موثوقة. فأيّ وصف قد يسمعونه بإمكانه التأثير على مَنْ أو ما يعتقدون أنهم رأوه.

كانت لوفتوس حريصةً على ترجمة هذه النتائج إلى العالم الحقيقي، وبدأت تقدم استشارات للقضايا القانونية لتصبح علاقتها بشهود العيان «وثيقة وشخصية». كانت قضيتها الأولى ـ عن امرأة متَّهمةٍ بقتل صديقها الذي كان يسيء معاملتها ـمرتكزة على ما إذا كانت المرأة قد تصرّفت دفاعًا عن النفس، أم أنها قتلته عمدًا مع سبق الإصرار. لم يتمكن شهود العيان من الاتفاق على الوقت الذي انقضى بين التقاط المتهمة للبندقية وإطلاق النار عليه: فالبعض قال إنها كانت مسألةَ ثوانٍ، وقال آخرون إنّها دقائق. ألْقتْ لوفتوس بالشك على ذاكرة الشهود، وبُرٍّئت المرأة.

وصفت لوفتوس القضية ـ إلى جانب بحثها ـ في مقال نُشِر في 1974 بدوريّة «سيكولوجي توداي»5. تقول لوفتوس: «ما إنْ نُشِرَ هذا المقال؛ حتى بَدأْتُ أتلقى مكالمات من كل مكان.. من محامين يريدون مِنِّي أن أعمل لقضايا يتولّونها، وقانونيين محترفين يريدون مني إلقاء محاضرات في اجتماعاتهم».

كانت بعض المحاكمات بالغة الأهمية والشهرة، ومنها تلك التي تتناول السفاحَيْن المعروفَيْن باسم خانقَي جانب التل Hillside Stranglers، ومحاكمة ضباط الشرطة المتّهمين بضرب عامل البناء رودني كينج في 1992. كما استُشيرت لوفتوس في قضيّة تتعلق بطالب شاب بكلية الحقوق يُدعى تيد بندي، الذي كان متَّهمًا بخطف امرأة في عام 1974. وأدين بندي بذلك، لكنه هرب. وبعد القبض عليه ثانيةً في عام 1978، اعترف في نهاية المطاف بقتل 30 شخصًا.

إن احتمال مساعدة الأفراد المذنبين لا يرعب لوفتوس. تقول لوفتوس: «لم يسبق أن وجدت نفسي في موقف تم فيه تبرئة شخص بسبب شهادتي، ثم مضى يتابع ارتكاب جرائم بشعة». «سيكون شعوري رهيبًا لو حدث ذلك، لكنني مجرد جزء صغير من دعوى قضائية». وتقول إنها غالبًا تتقاضى أتعابًا لقاء عملها كشاهد خبير، تصل إلى 500 دولار في الساعة الواحدة.

نيتا فَرَهاني، أستاذ الأخلاقيات البيولوجية بكلية القانون بجامعة ديوك، دُرهام، نورث كارولاينا، تقول إن نشاط لوفتوس في المحكمة ليس فريدًا، وإن الشهادة لصالح متهمين لا يحظون بتعاطف أمر مهم. وهذا «يُظْهِر أنها تحاول أن تكون نزيهة حقًّا، وأن هدفها هو محاولة تقديم فهم دقيق للعلم، بِغضّ النظر عن شخصية المتورّطين»، حسب قول فرهاني.

ومع ذلك.. رسمت لوفتوس خطًّا فاصلًا بينها وبين بعض المدَّعى عليهم، مثل جون ديميانيوك، الذي وقف في عام 1988 بقفص الاتهام في إسرائيل، باعتباره «إيفان الرهيب»، الحارس الذين كان يشغِّل غرف الغاز بمعسكر اعتقال تريبلينكا في بولندا خلال الحرب العالمية الثانية. لوفتوس، اليهودية، رفضت الإدلاء بشهادةٍ، لأنها قلقت من أنّ ذلك قد يزعج العائلة والأصدقاء.

أدّت هذه القضية بالبعض إلى اتهامها بازدواجية المعايير، لكن تلك الانتقادات كانت معتدلة، مقارنةً بردود الفعل التي ستنطلق لاحقًا حول عملها القانوني الأكثر إثارةً للجدل.


نبش الماضي

في عام 1990، تلقّت لوفتوس مكالمة من محام بكاليفورنيا، يمثل جورج فرانكلين، الذي ادّعت ابنتُه أنها استعادتْ أثناء العلاج ذكرياتٍ عُمْرُها عقودٌ، عن قَتْلِه صديقتها سوزان نيسون. قررت لوفتوس تقديم مشورتها إلى فريق الدفاع. تقول لوفتوس: «اعتقدتُ أن الأمر مريب جدًّا، وبدأتُ أبحثُ في الأدبيات». ووجدت بحثًا قليل الإقناع يدعم الفكرة القائلة إنّ الذكريات الصادمة يمكن قَمْعُها لسنوات.

وأُدين فرانكلين رغم شهادتها؛ وأمضى خمس سنوات في السجن قبل أن تُراجِع محكمة الاستئناف القضيّة، ثم تُلغي إدانته، وسط شكوك حول تصريحات ابنته.

شهدت المحاكم صعودًا في القضايا المرفوعة استنادًا إلى ذكريات الطفولة المُسْتَعادة، المدعومة جزئيًّا بكتب رائجة واتهامات شغلت الرأي العام. أخذت لوفتوس تتساءل عمّا إذا كان ممكنًا اختلاق ذكريات معقّدة معقولة. تقول لوفتوس: «أردتُ أنْ أرى إنْ كان بإمكاننا غرس ذاكرة غنيّة لحدث مُختلَق برمّته». في النهاية خطرتْ ببالها فكرة وهي تقود سيارتها، متجاوزةً مركزًا للتسوق.

لدى عملها مع الطالبة جاكلين بيكريل، اختارت لوفتوس 24 شخصًا، وبالتعاون مع أعضاء أُسَرِهِم، قدمت لهم أربع روايات مفصّلة لأحداث من طفولتهم. ثلاثة من هذه الأحداث وقعت بالفعل، لكن الحدث الرابع ـ قصة مثيرة عن الضياع بمركز تجاري كبير ـ تم اختلاقه بشكل كامل بواسطة لوفتوس، وأكده أقارب المشاركين. أكَّد رُبْع المشاركين أنهم يتذكرون الحادثة المختلقة6.


ساحة معركة

أصبحت لوفتوس مقتنعة بأنّ المعالجين النفسيين يمكنهم ـ بقصد حسن، ودون تعمُّد ـ غرس ذكريات زائفة في عقول المرضى. وأدّت شهاداتها اللاحقة إلى نزاع بين معالجين نفسيين اعتقدوا أن مرضاهم يستعيدون ذكريات مفقودة، وباحثين اعتقدوا أن أمرًا آخر يجري على قدم وساق. وفي محاولة لتسوية «حروب الذاكرة» هذه، أصدرت جمعية علم النفس الأمريكية (APA) تكليفًا بوضع تقرير خبراء حول الموضوع، يكتبه ثلاثة باحثين في الذاكرة، بينهم لوفتوس، وثلاثة متخصصين في علم النفس الإكلينيكي.

لم تتوصل المجموعتان إلى اتفاق، وانتهى كل فريق إلى وضع تقرير منفصل. و«سبب الأمر استقطابًا شديدًا»، حسب قول ستيفن سَسي، أستاذ علم النفس التطوري بجامعة كورنيل في إيثاكا، نيويورك، وعمل مع لوفتوس بأحد التقارير.

يضيف سَسي: «هناك طرق يمكنها استرجاع ذكريات صادمة لأحداث حقيقية بعد دفنها سنوات، لكن بدون أدلّة دامغة.. يستحيل التمييز بين ذكريات زائفة وأخرى حقيقية في المحكمة». لذلك، يمكن أن تمضي بعض ادعاءات إساءة المعاملة بمرحلة الطفولة دون تبرير بسبب شهادة لوفتوس، وهذا ما سبّب لها عداء كثيرًا.

بدأ روس تشيت ـ عالِم السياسة بجامعة براون في بروفيدنس، رود أيلاند ـ «مشروع الذاكرة المستعادة» في 1995 لتوثيق ما يقول إنه نقاش أحادي الجانب والردّ عليه. هناك الآن أكثر من 100 حالة موثَّقة لذاكرة مستعادة على موقعه بالإنترنت (http://blogs.brown.edu/recoveredmemory)، حسب قول تشيت، من بينها قضايا استُشِيرَت فيها لوفتوس.

يقول تشيت: «غالبًا ما تكون لوفتوس في الجانب الخاسر، وأحيانًا تكون مخطئة بطريقة مذهلة». ويضيف قائلًا إن شهاداتها قد تلحِق ضررًا نفسيًّا بالضحايا. «إذا كنتَ تقول لشخص ما إنك تعتقد أن ذكرياته زائفة، عندما يكون لديه أدلة تعزِّز تعرُّضه لمعاملة سيئة، فالأمر مؤذ».

لا تعتقد لوفتوس أن موقع تشيت يعزّز الذكريات المستعادة. وتقول: «قد تكون لديه حالات لأفراد لم يفكروا فيما تعرضوا له من إساءة لبعض الوقت، وذُكِّروا بها، لكن بالنسبة لقَمْع فعلي، فلا». وتضيف: «أتضاءل إزاء فكرة إيذاء ضحايا حقيقيين، لكنْ لَدَى اتهام شخص بريء، ستكون لدينا مجموعة جديدة كاملة من الضحايا، وأنا أشعر بالرعب عند إصدار حكم على شخص بريء أكثر من تبرئة شخص مذنب».

إنّ شهاداتها وأبحاثها المتعلّقة بالذكريات المستعادة وتّرت علاقاتها المهنية. فقرب نهاية 1995، قدّمت امرأتان شكاوى رسميّة ضد لوفتوس لدى جمعية علم النفس الأمريكية. كانت لين كروكس، وجنيفر هولت قد كسبتا دعاوى مدنية في قضايا تتعلق بذكريات مستعادة للتعرض لاعتداء جنسي في مرحلة الطفولة، وادَّعت كلتاهما أن لوفتوس قد شوّهت حقائق قضيتيهما في مقالات ومقابلات. قدّمت لوفتوس استقالتها من جمعية علم النفس الأمريكية، ويَعتقِد النقّاد أنها أثارت زوبعة شكاوى؛ وغادرت قبل إجراء تحقيق رسمي، لكن لوفتوس تبرر استقالتها بخلافات سياسية، قائلة إنها لم تكن على علم بأيّ شكوى آنذاك.

في 1997، بدأت لوفتوس وعدد من الزملاء في سبر غور حالة دراسية منشورة تصف امرأة مجهولة الهويّة، «جين دو»، استعادت كما يبدو ذاكرة مكبوتة عن إساءة المعاملة في الطفولة7. ووجد الباحثون معلومات تُلْقِي بظلال الشك على إفادتها، لكنْ قبل التمكن من النشر، اتصلت دو بجامعة واشنطن في سياتل، حيث تعمل لوفتوس آنذاك، واتّهمت فريق العمل بانتهاك خصوصيتها.

عندئذ صادرت الجامعةُ ملفات لوفتوس، ووضعتها قيد التحقيق لمدة عامين تقريبًا ومنعتها من النشر. وفي النهاية، بُرّئت ساحتها، ونشرت عملها8 في 2002. في السنة التالية، رفعت دو دعوى قضائية ضد لوفتس ومعاونيها بتهمة الاحتيال، وانتهاك خصوصيتها، والتشهير بها، والتسبّب في إصابتها بكرب عاطفي.

كان ذلك في وقت انتقلت فيه لوفتوس إلى جامعة كاليفورنيا في إرفاين. وكانت قضية جين دو قد وصلت إلى تسوية في نهاية الأمر في 2007، عندما رفضت محكمة كاليفورنيا العليا كافة التهم، عدا واحدة فقط، ووافقت لوفتوس على دفع تسوية إزعاج بلغت 7500 دولار. تقول لوفتوس: «كانت فترة عصيبة، لكنني لا أستطيع القول إنها كانت ضارة إجمالًا».

انتقل عملها لاحقًا من محاولة التأثير على حالات فردية إلى الضغط لأجل تغييرات أوسع في النظام القانوني. وقد عملت لوفتوس مع جينين تُرجِن، قاضي المحكمة بولاية بنسلفانيا؛ لوضع مجموعة من المبادئ التوجيهية المماثلة لتلك التي وُضعت بولاية نيوجيرسي في السنة الماضية. وهي تعليمات للمحلّفين بأن الذاكرة «ليست مثل تسجيل فيديو»، وتطلب منهم أن يضعوا في اعتبارهم عوامل عديدة يمكنها تغيير الذكريات، كوجود السلاح، الذي يمكن أن يلفت الانتباه بعيدًا عن وجه الجاني.

تقول فرهاني: «يمكن لهذا أن يصبح مهمًّا حقًّا». فـ«استخدام الأبحاث العلمية المتطورة لتقويض فكرة ثبات ودقة الذاكرة كما يعتقدها الناس، يمكن أن يساعدنا حقًا للوصول إلى حيث نتمكن من تقصِّي الحقائق بشكل أفضل في القضايا الجنائية»، حسب قول فرهاني.

ترغب لوفتوس بتحقيق المزيد. فكل مرحلة من العملية القانونية—بدءًا بالتعرّف على المشتبه بهم وسؤالهم وحتى استجواب شهود العيان في قاعة المحكمة—تبقى عرضة للخطأ. ففي طابور عرض المشتبه بهم على الضحايا مثلا، يمكن لضباط الشرطة أن يؤثروا في عملية التعرّف، لكن يمكن تجنب هذا لو أدار طابور العرض شخص لا يعرف هويّة أبرز المشتبه بهم (انظر: Nature 453, 442-444; 2008). تقول لوفتوس: «أودّ أن أرى هذا الأمر موضوعًا قيد التنفيذ، وأن أستمر في تعليم الناس طريقة عمل الذاكرة».


السيطرة على العقل

في هذه الأثناء، انتقلت أبحاث لوفتوس إلى منطقة جديدة مثيرة للجدل.. فمع استيعاب درس إمكانية تصنيع الذكريات، بحثت دراسة إمكانية استخدام تلك الذكريات لتعديل السلوك9،10. تقول لوفتوس: «أظهرنا إمكان غرس ذكريات إصابة بالمرض، بسبب تناول أطعمة معينة في الطفولة»، «ويمكننا حمل الناس على التفكير بأن شرب الفودكا يصيبهم بالغثيان؛ فيحجمون عن شرب الكثير منها لاحقًا».

لا دليل على أن أيًّا من هذه الأفكار يمكن نقلها بنجاح من المختبر إلى العالم الحقيقي. ولو أمكن ذلك، ستمثل انتهاكًا لقواعد السلوك العلاجي، وربما أدت إلى عواقب غير متوقّعة. تقول جودي إليس، خبيرة الأخلاقيات العصبية بجامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر، كندا: «الكذب على الأطفال منحدر زلق، يشعرني بعدم الارتياح». «ألا يمكننا تغيير سلوكهم بطريقة إيجابية، بدلًا من استخدام الخدعة؟»، لكن لوفتوس تستبعد هذه المخاوف، مشيرةً إلى أنه حتى لو لم يتمكن المعالجون من القيام به، فإن الوالدين قد يرغبون فيه. تقول لوفتوس: «يكذب الوالدان على أطفالهم طوال الوقت، حول سانتا كلوز (بابا نويل)، وجنيّة الأسنان. هل تفضِّل ألّا يكون طفلك بصحة جيدة، أم أنْ يكون بصحة جيدة مع بضع ذكريات زائفة؟».

  1. Loftus, E. F. & Palmer, J. C. J. Verb. Learn. Verb. Behav. 13, 585589 (1974).

  2. Loftus, E. F. Cognitive Psychol. 7, 560572 (1975).

  3. Powers, P. A., Andriks, J. L. & Loftus, E. F. J. Appl. Psychol. 64, 339347 (1979).

  4. Loftus, E. F. & Greene, E. Law Hum. Behav. 4, 323334 (1980).

  5. Loftus, E. F. Psychol. Today 8, 116119 (1974).

  6. Loftus, E. F. & Pickrell, J. E. Psychiat. Ann. 25, 720725 (1995).

  7. Corwin, D. L. & Olafson, E. Child Maltreat. 2, 91112 (1997).

  8. Loftus, E. F. & Guyer, M. J. Skeptical Inquirer 26.3 (2002). Available at go.nature.com/pr8jxp.

  9. Bernstein, D. M., Morris, E. K., & Loftus, E. F. Soc. Cognition 23, 1134 (2005).

  10. Clifasefi, S. L., Bernstein, D. M., Mantonakis, A. & Loftus, E. F. Acta Psychol. 143, 1419 (2013).