أخبار

تحديـد سرعـة دوران الثقـوب السـوداء

توفر الحسابات سبيلًا لسبر غور التطور المجرِّي.

يوجيني صمويل رايش
  • Published online:

<p>الأشعة السينية المنبعثة من أقراص المادة الدوامة تشير لسرعة دوران الثقوب السوداء فائقة الضخامة.</p>

الأشعة السينية المنبعثة من أقراص المادة الدوامة تشير لسرعة دوران الثقوب السوداء فائقة الضخامة.

JPL-Caltech/NASA


يمكن وصف الثقوب السوداء وفقًا لسِمتين أساسيتين فقط: الكتلة والدوران الذاتي. فعلى مدى عقود، كان الفلكيون يستطيعون قياس كتل الأجرام بالبحث عن آثار الجاذبية على مدارات النجوم القريبة، لكن قياس الدوران ـ الذي يسجل القوة الدافعة الزاوية للمادة التي تسقط في الثقوب ـ قد أثبت صعوبته، خصوصًا بالنسبة إلى الثقوب السوداء فائقة الضخامة التي تقع بمراكز المجرات.. فلا ضوء ينبعث عند «نقطة اللاعودة» حيث تبلغ جاذبية الثقب الأسود قدرًا يجعل الهروب منه مستحيلًا. لذلك.. يبحث الفلكيون عن بدائل تصدِّر أشعة سينية، مثل أقراص المادة الدوامة التي تغذي بعض الثقوب.

مثل هذه القياسات غير المباشرة للدوران أجريت مؤخرًا لنحو 19 ثقبًا أسود فائقًا، معروفة كتلها جيدًا كذلك (انظر: «الدوران بعيدًا»). في 29 يوليو، ذكر الفلكيون أنهم قد حسبوا دوران ثقب أسود فائق آخر باستخدام تقنية جديدة، ورغم كونها غير مبرهنة، إلا أنها توفر طريقة بديلة لاستهداف تلك الكمية المراوغة. يقول أندرو فيبيان، الفلكي بجامعة كمبريدج بالمملكة المتحدة: «هناك كثيرون منا يعتقدون أننا حصلنا على صورة متماسكة لدوران الثقب الأسود».

<p><br></p>


كبر الصورة

Source: Christopher Reynolds, Univ. Maryland

تعود الطريقة التقليدية لقياس الدوران إلى 1995، رغم أن ذلك موضع جدل حتى عهد قريب. وتعتمد الطريقة على الكشف عن الأشعة السينية المنبعثة من الإكليل، وهي هالة كروية من الغاز الساخن المتأين، المتموضعة تحديدًا فوق وأسفل مستوى قرص تعاظم الثقب الأسود. بعض هذه الأشعة السينية يرتد عن القرص، مرتحلًا باتجاه الأرض. وفي هذه الأشعة، يمكن لبعض الفلكيين أن يتبيّن خط الانبعاث المميز للحديد، إذ كلما كان دوران الثقب الأسود أعلى؛ اقترب قرص التعاظم من «نقطة اللاعودة» بالنسبة إلى الثقب الأسود، وتمكنت الجاذبية القوية أن تشوه خط الحديد، وتنشره على نطاق أوسع من طاقات الأشعة السينية.

بدأ الشك يزول عن الطريقة. ففي فبراير، نشر الفلكيون حسابات الدوران (G. Risaliti et al. Nature 494, 449–451; 2013) التي تستخدم بيانات من بعثة ناسا «نوستار» NuSTAR، التي أُطلقت السنة الماضية (انظر: Nature 483, 255; 2012). يقول قائد الدراسة جويدو ريساليتي، الفلكي بمركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية في كمبريدج، ماساشوسيتس، إن «نوستار» يتيح إمكانية الوصول إلى الأشعة السينية عالية الطاقة، التي سمحت للباحثين بتوضيح تأثير جاذبية الثقب الأسود على خط الحديد. هذه الأشعة أقل عرضةً ـ من الأشعة السينية منخفضة الطاقة ـ للامتصاص بواسطة سحب الغاز الكائنة بين الثقب الأسود والأرض، والتي يتكهن البعض أنها السبب الحقيقي للتشويه.

في أحدث دراسة، حَسَبَ الفلكيون الدورانَ بشكل أكثر مباشرة (C. Done et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. http://doi.org/nc2; 2013). ووجدوا ثقبًا أسود يبعد 150 مليون فرسخ فلكي، وكتلته 10 ملايين كتلة شمسية. وباستخدام قمر وكالة الفضاء الأوروبية الاصطناعي XMM-Newton، لم يركز الباحثون على خط الحديد، بل على الأشعة السينية الأبهت منخفضة الطاقة المنبعثة مباشرة من قرص التعاظم. لقد وفّر الشكل الطيفي لهذه الأشعة السينية معلومات غير مباشرة عن درجة الحرارة بالجزء الأعمق من القرص، ودرجة حرارة هذه المادة، تتعلق بدورها بالبعد عن «نقطة اللاعودة» وسرعة دوران الثقب الأسود. وتشير الحسابات إلى أنه في أقصى الحالات تبلغ سرعة دوران الثقب الأسود %86 من سرعة الضوء.

تعتقد قائدة الدراسة، كريس دون، الفلكية بجامعة دورهام، بالمملكة المتحدة، أن نتائجها تلقي شكًّا على قياسات الدوران التي أجريت باستخدام خط الحديد، لأن هذه النتائج ترجح أن سرعة الدوران تتجاوز %90 من سرعة الضوء. تقول دون: «نحن على أقرب حافة مما يمكن عمله. ولدينا طريقتان مختلفتان، ونودّ أن تتوافق نتائجهما». يجادل آخرون بأن اختلافات النتائج قد تعكس تفاوتًا حقيقيًّا فيما بين الثقوب السوداء الفائقة، ويرون أن الدوران يتغير حسب الكتلة، أو عبر الزمن الكوني.

وإذا كان دوران الثقوب السوداء مرتفعًا، مثلما وجد البعض باستخدام طريقة خط الحديد، فيُرَجَّح أن هذه الثقوب السوداء تشكلت من اندماجات نادرة وهائلة بين مجرّات متصادمة، حيث سقطت كميات هائلة من المادة في الثقب الأسود المركزي من اتجاه واحد. وإذا كانت سرعة الدوران أقل ـ كما تشير دون ـ فربما تشكلت الثقوب السوداء من اندماجات صغيرة عديدة، مع كتل بحجم اللُّقَم من المادة تأتي من اتجاهات مختلفة. وبناء على ذلك.. قد يُحيط توزيع دورانات الثقوب السوداء الباحثين علمًا بتاريخ التطور المَجَرِّي، خصوصًا إذا تمكَّن الفلكيّون أخيرًا من رسم تغيُّرات الدوران عبر الزمن الكوني بالنظر في الثقوب السوداء الأبعد.

يريد الفلكيّون أن يفهموا ما إذا كانت الدورانات تُشغّل نفاثات المادة التي تقذفها بعض الثقوب السوداء، أم لا، لكنهم لا يستطيعون تناول هذه الأسئلة طالما بقي الخلاف حول تقنيات قياس الدوران، حسب قول ريساليتي. إنه متفائل بأن أرصادًا أكثر للأشعة السينيّة ستحلّ الجدل القائم. يقول ريساليتي: «إنه طريق طويل، لكن هذه هي البداية».