عمود

الموسيقى تلتقي بالعلوم

يرى ستيفان ديتورناي أن التأليف الموسيقي والبحث العلمي الناجح يشتركان معًا في صفات مهمة.

ستيفان ديتورناي
  • Published online:

ما الذي يشترك فيه بول مكارتني، وستيفين هوكينج؟ أحدهما يُعرف بأنه أحد أكثر المؤلفين الموسيقيين والفنانين الغنائيين نجاحًا على الإطلاق، والآخر عالِم فيزياء نظرية، مشهود له عالميًّا، ورائد في اكتشاف أسرار الكون الغامضة. وقد ملأ كلٌّ منهما مجاله إبداعًا.

NIHAT DURSUN/GETTY

إن العلاقة بين العلوم والموسيقى والفنون تم تناولها في سياقات متنوعة. فعلى سبيل المثال.. حاول الكاتب دوجلاس هوفستاتر في كتابه «جودل وإيشر وباخ» ـ من (الكتب الأساسية) ـ الصادر عام 1979 أن يستخدم مآثر أعمال كلٍّ من عالِم الرياضيات كورت جودل، والفنان موريتس كورنيليس إيشر، والمؤلف الموسيقي يوهان سباستيان باخ؛ لتوضيح الأسس المعرفية التي تشترك فيها مجالاتهم.

من الأمور التي لم تأخذ حظها من الذكر: اشتراك البحث العلمي والتأليف الموسيقي في خطوات رئيسة مهمة. وبالإمكان تصنيفها بشكل عام في أربع خطوات: البداية، والتنمية، والتحسين، والعرض.

تبدأ الأفكار في النشوء بطرق عدة. وغالبًا ما يقوم المتعاونون في مجال العلوم بالاشتراك في «زحام فكري»، فعلى سبيل المثال.. عندما يتفاعلون معًا من أجل اتخاذ قرار؛ لتحديد طريقة هيكليّة للإجابة على أحد الأسئلة. أحيانا يلاحظ الباحثون وجود روابط عبر المجالات المختلفة، ليدركوا بذلك أن أحد الأسئلة تمت الإجابة عليه باستخدام إحدى التقنيات، وأنَّ نهجًا مشابهًا يمكن الاستفادة منه في معالجة مشكلة أخرى، على غرار إدخال الثُّمانية الوترية، أو آلة السيتار إلى إحدى أغاني البيتلز، أو قد يفكر أحد العلماء بعمق في كيفية تحقيق هدف محدد. وتأتي لحظات التجلي في أي مكان وأي وقت: عند حضور مؤتمر، أو الوقوف في حفل غنائي، أو مشاهدة فيلم آسِر، أو حضور حديث ممل. الأمر ذاته صحيح فيما يتعلق بالموسيقى: قال مكارتني إن أغنية «البارحة» الصادرة في عام 1965 ـ التي تُعَدّ أفضل أغانيه على الإطلاق ـ أتته في حلم، وأنه نفسه لم يصدِّق أنه ألّفها.

بعد الاندهاش في البداية من الفكرة الجديدة تأتي المرحلة التالية: التطوير. بعد ذلك، وحالما يتم شحذ تلك الفكرة الضبابية، وتحديد ملامحها بشكل أفضل؛ يحين وقت التطبيق العملي. وبإمكان كلٍّ من العلماء والموسيقيين أن يعملوا منفردين، أو أنْ يتعاونوا مع آخرين. ولقد أدَّى تعاون هوكينج مع عالم الرياضيات رودجر بنروز إلى توصُّل الاثنين إلى أنّ الكون بدأ كوحدة منفردة. كما كان من الصعب الفصل بين إسهام مكارتني في فريق البيتلز، وإسهام جون لينون فيه، لكنْ كان لكلٍّ من هوكينج ومكارتني سجل طويل من الإسهامات الفردية اللامعة.

يأتي التحسين كآخِر مرحلة في المشروع. تعلم أنّ لديك بعض النتائج الجيدة، وأن ذلك العمل بإمكانه النجاح، ولكن يجب أن يتم تقديمه وتوصيله بدقة. هذه المرحلة قد تكون مُحبطة في بعض الأوقات. فقد تمت كتابة الأغنية، لكنها ما زالت تحتاج إلى التسجيل، وأعمال حسابية، ويجب أن تقدَّم إلى إحدى الدوريات للتقييم. وقد يقضي الموسيقيُّون ساعات في عمليات تنقية مفصّلة بالطريقة نفسها التي يراجع فيها العلماء نقاشاتهم بشكل متكرر؛ من أجل التخلص من نقاط الضعف، أو التخلص من الافتراضات الموجودة في غير محلها، أو صياغة الأفكار التي تم إغفالها.

حالما يتم إصدار الأغاني، وتنشر الأوراق البحثية، فهناك المرحلة الأخيرة: العرض. كيف سيحكم الناس على عملك؟ سيقوم جمهور متنوع بقراءة الأوراق البحثية وسماع الأغاني: سيلقي العلماء خُطَبًا، كما سيغني الموسيقيون في حفلات غنائية. وربما يبدأ المجتمع ببطء في تكوين رأي عن المادة التي كنت مهووسًا بها على مدى أسابيع، أو أشهر، أو أعوام. قد تشعر بفخر كبير، أو بالرضا، وقد تشعر بخيبة الأمل.

قد يصل الحظ ببعض الموسيقيين إلى توقيع عقود تسجيل ألبومات؛ ويصلون إلى النجاح، كما قد يحصل بعض العلماء على منصب أكاديمي، أو وظيفة ثابتة. أما بالنسبة إلى الباقين، فيبقى هناك دائمًا خيار وضع حلم هوكينج ـ الانتشار في الفضاء؛ والوصول إلى النجوم ـ في مساعيهم المهنية. سيبحث الكثيرون عن سيناريوهات بديلة، ثم يعثرون على الوسائل اللازمة لاكتشاف مكانتهم المهنية، وهي مساحتهم متعددة التخصصات، متعددة الأنواع، التي لم يتجرأ من قبل سوى قليل من الناس على اقتحامها.