عمود

علـوم على جانـب الطـريق

أحيانًا تحدث أفضل توعية عندما يصادف عموم الناس أمورًا بحثيةً يجهلونها.. كارولين بينز

كارولين بينز
  • Published online:

في الوقت الذي يتناقص فيه التمويل الحكومي للعلوم، ويتزايد فيه ريب العامة في جدواها؛ يعمل العلماء بجد من أجل إيجاد طرق فعالة لشرح أبحاثهم للآخرين.

ورغم كون وسائل التواصل الاجتماعي والمجلات والمتاحف ومراكز الطبيعة، وسائلَ هامةً لتقريب العلوم إلى العامة- فإنني أخشى أنها تجتذب الذين يقدِّرون بالفعل الأبحاث العلمية فقط، لكن كيف يمكننا أن نصل إلى أولائك المعارضين أو غير المبالين؟

ولأنّي أهتم حقًّا بهذا الشأن، فأنا آخذ وظيفتي- عالِمةً أعمل على جانب الطريق- على محمل الجد.

CLAIRE WELSH/NATURE

أدرس أحد النباتات الغازية في شمال شرق الولايات المتحدة، فأجد نفسي أعمل على طول الطرقات التي تساعد على انتشارها. أنتعل حذاءً أحمرَ مضادًّا للماء، وسترة عاكسة، وحقيبة خصر عدَّلتها لتصير حزامًا للأدوات، وقبعة بيسبول يتدلى منها شِباكٌ مانعة للبعوض. يبدو مظهري- دعنا نقل- غريبًا. وغالبًا ما يتوقف راكبو الدراجات والمشاة والسائقون ليسألوني ما هذا الذي أفعله؟!

في لوبيك بولاية مين، أوقف كهربائي سيارته جانبًا وأتى إليَّ ليتفقد عملي. أشرت إلى نَبْتَتَيّ المجزاعة (jewelweeds) الأصلية والغازية التي أدرسها، ثم أريته النّبْتات التي كنت أضعها في أوراق الصحف. كانت ألوان أوراق العينات التي أحملها تشبه ألوان أوراق المجزاعة الأصلية، لكن شكلها كان يشبه شكل الأنواع الغازية؛ ما يشير إلى أن تلك العينات هجينة. وقد جعلني ذلك أفكر: هل تغزو المجزاعة الغازية الجينوم الخاص بالأصلية لا المساحات الخاصة بها فقط؟. تعجب الكهربائي من كون هذا هو شكل العلم: امرأة تقف على جانب الطريق تجمع نباتات في أوراق الصحف.

وفي كامدن بمين، سألني أحد الجيران حول الأكياس الشبكية التي كنت أضعها على الثمار الناشئة لنبات المجزاعة الأصلي. شرحت له أنني أحتاج إلى بذور من الأنواع الأصلية التي تعيش في أماكن مع النباتات الغازية وأخرى تعيش بدونها. بإمكاني أن أزرع تلك البذور في صوبات لمقارنتها بالنباتات الغازية؛ من أجل اختبار النبتات الأصلية التي نشأت في مجتمعات بها نباتات غازية؛ أتعيش أفضل من تلك التي نشأت بمجتمعات ليس بها نباتات غازية؟. انبهر الجار بمعرفة أن عملية التطور قد تحدث في شارعه، وأنه أمر يمكن قياسه حقيقةً.

في بعض الأحيان، أشعر بالرغبة في طرد المارَّة الفضوليين؛ فعندما يوشك موسم الحقل على الانتهاء، يبدو لي أي تشتيت خلال عملي قد يتسبب في فقدان كمٍّ من البيانات كافٍ لإفساد تجربة علمية، لكنني تبصَّرت أمورًا هامةً بتفاعلي مع الناس. قالت لي امرأة مسنة في كامدن، بعد أن أرتني مكتبة الأطفال المحلية؛ إنها تتذكر رؤية الزهور الأرجوانية للمجزاعة الغازية في الحي الذي تعيش فيه، منذ فترة تصل إلى 50 عامًا.

بيَّن لي هذا أن المجزاعة الأصلية كان لديها على الأقل نصف قرن لتتطوَّر استجابةً للغزو. وفي المقابل، أخبرتها أن ذلك النبات الذي تتأمله من نافذة غرفة نومها جاء من الهند أصلاً.

لا يمكث كل من يقف لسؤالي عما أفعل، وقتًا كافيًا لسماع جوابي؛ بعضهم يبتعد تمامًا بمجرد ذكر العلوم، وهناك آخرون يكونون مشغولين جدًّا بحيث لا يمكنهم الحديث، لكن إذا تمكنت من شرح أبحاثي بوضوحٍ كافٍ فهناك كثير من المارة يرغبون في سماع المزيد.

بحكم حالي عالِمةً على جانب الطريق، لديَّ فرصة للحديث مع أناسٍ بدون الحاجة إلى أن أدفعهم إلى زيارة مدونة علمية أو متحف؛ فالذين لا يسعون بتاتًا إلى المناقشات العلمية يأتون إليَّ غير مدركين أننا على وشك أن نتحدث عن الأنواع الغازية والتطور وعن الإحساس بأن تكون عالم أحياء في الحقل. وأنا أستقبلهم بدون أن أعلم أيقبلون فكرة التطور، ولا أعلم أيكون تسويق العلوم أمرًا شاقًّا. أقدِّم لهم شرحًا لعملي وهم يقدِّمون لي فرصة لأكسب تأييدهم العلومَ.

وتمامًا، كما تدرك حملاتُ الدعايةُ السياسية الناجحة أن طرق الأبواب يأتي بالناس إلى صناديق الاقتراع؛ أعتقد أن التواصل المرتجل وجهًا لوجه يأتي بالناس إلى تقدير العلوم. وبطريقة ما، نصبح كلنا علماء على جانب الطريق، في كل مرة نشرح أبحاثنا العلمية لغرباء في حانة أو لأقاربنا في حفلة عائلية. أنا محظوظة للغاية لامتلاكي فرصة إطلاع الناس على كيفية تطبيق العلوم في الشوارع التي يعيشون فيها، لا فرصة الحديث عنها فقط.