أخبار

خطة عُشْب الحَبْل في الصين مبالغة شديدة

يقول الخبراء إن سور شانجهاي البحري يعطل الحياة الطبيعية بالأراضي الرطبة.

جين تشِو من شنغهاي
  • Published online:

<p>قُدِّمَ عُشْب الحَبْل أساسًا إلى الصين؛ للمساعدة في استصلاح الأراضي من البحر، ولكنه أصبح مجتاحًا.</p>

قُدِّمَ عُشْب الحَبْل أساسًا إلى الصين؛ للمساعدة في استصلاح الأراضي من البحر، ولكنه أصبح مجتاحًا.

Li Bo


على جزيرة في شانجهاي تقع بفم نهر يانجتسي بالصين، يُخطط لبناء سور عظيم في العصر الحديث لدحر الغزاة، لكن العدو هذه المرة هو عشب مُغير.وبدلًا من إبقاء الغزاة خارجه، سيعمل هذا السور ـ البالغة تكلفته 163 مليون دولار أمريكي ـ على تطويق الغزاة وإغراقهم.

النبات هنا من نوع سبارتينا Spartina alterniflora متعدد الأوراق، أو عشب الحبل الناعم، وهو عشب شرس، يغزو وينمو في الأراضي السبخة المالحة، وموطنه الأصلي شرقي أمريكا الشمالية. وقد استُقدم إلى الصين في عام 1979؛ لقدرة جذوره على احتجاز الرواسب، مما يجعله مثاليًّا لمنع تآكل التربة واستصلاح الأراضي. ومنذئذ، انتشر العشب سريعًا عبر أقاليم الصين الساحلية، مغطيًا حوالي 400 ألف هكتار (انظر: «غزو ساحلي»). غزا عشب الحبل بلادًا عديدة، لكن «أكبر غزو لعشب الحبل في العالم هو في الصين»، حسب قول دونالد سترونج، عالِم الإيكولوجيا بجامعة كاليفورنيا، ديفِيز. ويتابع بقوله: «كان استقدامه محاولة للهندسة البيئية، لكنها خرجت عن السيطرة».

أصبح تهديد عشب الحبل حادًّا بشكل خاص بجزيرة تشونجمنج، التي يؤوي طرفها الشرقي محمية شانجهاي تشونجمنج دونجتان الطبيعية الوطنية بمساحة 24 ألف هكتار، وأعلنت منطقة دولية مهمة إيكولوجيًّا باتفاقية رَمسار، وهي معاهدة دولية للحفاظ على الأراضي الرطبة. تشكل المحمية محطة لملايين الطيور المهاجرة شتاءً، وهي موقع مهم لتفريخ وتغذية أكثر من 60 نوعًا من السمك، من ضمنها سمك الحفش الصيني المهدد بالانقراض.

كبر الصورة

SOURCE: Li Bo

كان انتشار عشب الحبل هناك «مثل السرطان»، بحسب مدير المحمية تانج تشينجدونج، ملتهمًا حتى الآن %10 من الأراضي الرطبة. يستعمر العشب مساحة بتشكيل حزم كثيفة بجذور عميقة الاختراق، خانقًا النباتات المحلية، وخافيًا اللافقاريات، ملتهمًا سهول الطين ومجففًا الأراضي الرطبة. في دونجتان، تقول ما چيجون، عالمة الطيور بجامعة فودان في شانجهاي: «كانت لهذا عواقب مدمرة لأنواع كثيرة من الطيور». ففي ماضي المحمية، كان هناك الكثير من طيور منقار ببغاء القصب Paradox ornis heudei الذي يعشش في نبات القصب البلدي، ويُعدّ من أشهر أنواع الطيور المعروفة في تشونجمنج، لكن تراجعت أعداده بنسبة %40 خلال العقد الماضي، حيث استولى عشب الحبل على أكثر من نصف موطنه الطبيعي. كذلك يهدد انحسار السهول الطينية مئات آلاف الطيور الساحلية المهاجرة التي تعتمد على المحمية للتوقف فيها خلال رحلتها.

وأفضل طريقة للتخلص من عشب الحبل المنتشر بمساحة واسعة هي رش المنطقة الموبوءة بمبيدات عشبية من طائرة عمودية، مثلما تم بنجاح في غرب الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، لكن لم تحصل إدارة المحمية على موافقة بتحليق طائرات عمودية فوق تشونجمنج، حسب قول تانج، وتتخوف سلطات شانجهاي من أن تدمر المبيدات العشبية النباتات البلدية والحياة البرية ومصائد السمك المحلية. من هنا، جاء الباحثون الصينيون بنهج آخر.. فبعد سنين من دراسة عشب الحبل في تجارب ميدانية، وجد لي بو عالِم البيئة وزملاؤه بجامعة فودان أنه إذا جُزّت هذه النباتات وغُمرت بالماء 6 أشهر؛ فستموت كلها تقريبًا.

وهنا جاء دور السور. ففي أكتوبر، سيبدأ بناء سور بحري بارتفاع 8 أمتار، وبامتداد 27 كيلومترًا في قلب المحمية. وسيُوقِف هذا السور مد المياه من الوصول إلى منطقة مصابة بعشب الحبل، مساحتها 2400 هكتار، ستُقَسَّم إلى شبكات منفصلة بسدود طينية، وستتم معالجة كل شبكة بشكل منفصل. ومنذ بداية يوليو، قام الباحثون بجزّ عشب الحبل؛ لفحص كيفية تأثير حجم الشبكة وتضاريسها وأنماط مد وجزر المياه على كفاءة اجتثاث العشب.

ليست الأسوارُ جديدةً على جزيرة تشونجمنج، التي تبعد بضع عشرات الكيلومترات من مدينة شانجهاي المزدحمة، فكل بوصة من الأرض ثمينة، واستُخدمت الأسوار البحرية في العقود الماضية لاستصلاح أراضي البحر للزراعة، واستخدامات بشرية أخرى.

يقول خبراء الحفاظ البيئي أن خطة اجتثاث عشب الحبل ـ في ضوء تكلفته البالغة 163 مليون دولار، التي اضطلع بها مكتب غابات شانجهاي، وأُقِرّت في 2008 ـ تثير الاهتمام، لكن البعض يعتبرها مبالغة شديدة. ومن الناحية المالية يقول ديفيد ملفيل، خبير الحفاظ البيئي من نيلسون، نيوزيلندا، واستشاري المحمية حول المشروع: «إنه مشروع ضخم واسع النطاق» للتخلص من بعض الأعشاب. وعشب الحبل «بالتأكيد مشكلة كبيرة»، لكن «الأمر المهم هو ما إذا كان ضروريًّا حقًّا بناء مثل هذا السور البحري الهائل والدائم لحل المشكلة».

يلاحظ ملفيل وخبراء آخرون أن سورًا بارتفاع ثمانية أمتار ـ تتجاوز تكلفته %80 من إجمالي ميزانية المشروع ـ غير ضروري عندما يمكن قتل عشب الحبل بنصف متر من الماء فقط. وبشكل حاسم، يتخوف الخبراء من أن يعطِّل بناء حاجز دائم الجهودَ المبذولة لإعادة مواطن المد والجزر للطيور.. فمثلًا، بدون جزر ومد المياه، لن يكون باستطاعة نبات التيفا (عشبة ديس البِرَك) البحري Scirpus mariqueter النمو مجددًا، وهو عشب بلدي مثمر، يعيش بمناطق بين المد والجزر، وتعد ثماره وسيقانه مصدرًا غذائيًّا أساسيًّا لطيور كثيرة، حسب قول وانج تيانهو، إيكولوجي الأراضي الرطبة بجامعة الصين العادية الشرقية في شانجهاي.

يقول لي إن المشكلة الأساسية للخطة الحالية أنها لن تجتث عشبة الحبل من المحمية. بعد إقرار المشروع في 2008، تم تأجيل البدء به حتى انتهاء المعرض الدولي 2010 في شانجهاي، فلم يرد المسؤولون الإساءة لصورة المدينة بموقع بناء داخل محمية طبيعية. في تلك الاثناء، ازداد انتشار عشب الحبل الناعم بضع مئات الأمتار متجاوزًا الحدود المقترحة للسور البحري.

يقول لي: «سيواصل عشب الحبل الناعم التهام مسطحات المد والجزر والانتشار بمناطق المحمية الأخرى». لكن مشروعًا آخر لسور مختلف وتطويق أكبر سيكلف أكثر وسيتطلب جولة أخرى من الموافقات التي قد تأخذ سنوات—لذلك يشعر لي أنه يُستحسن المباشرة بالمشروع.

يجادل باحثون بأن سدودًا طينية مؤقتة يمكن أن تكون حلًّا: فستُكًلِّف أقل كثيرًا من سور بحري، وتكون الموافقة عليها أسهل، ويمكنها اجتثاث عشب الحبل بكامل المحمية، مع الاحتفاظ بأنماط المد والجزر، لكن ما چنجون تقول إن «عوامل أخرى، غير الحفاظ البيئي، ستؤخذ غالبًا في عملية اتخاذ القرار» التي أدت إلى خطة بناء السور البحري الدائم. ومع تحويل أراض زراعية أكثر إلى فنادق، وحدائق للملاهي، وملاعب جولف في تشونجمنج، تجد المسؤولين المحليون تحت ضغط كبير؛ لتعويض هذه الأراضي الزراعية، مثلما تشترط الحكومة المركزية. لذلك.. يُرى أن استصلاح أراضي البحر هو الخيار الأسهل والأرخص.

ينظر باحثون ـ مثل لي ـ ببراجماتية لإمكانية تحويل هذا الجزء من المحمية إلى أراضٍ زراعية يومًا ما. يقول لي إنه «ليس واقعيًّا الحفاظ على مواطن الأنواع الطبيعية بدون تسويات. ويحتاج المسؤولون أن يروا أن هناك منفعة لهم أيضًا في هذا المشروع». في هذه الأثناء، سيخفف المشروع انتشار عشب الحبل، كما سيوفر مواطن أكثر للطيور. يقول لي: «هذا أفضل خيار، إذا كان البديل هو عدم عمل أيّ شيء».