افتتاحيات

رسالة مهمة

لم يعد الإعلام العلمي مثلما كان في الماضي، لكنْ تظل للتحقيقات الاستقصائية أهميتها.

  • Published online:

تعجّ هِلْسِنْكِي في منتصف فصل الصيف بالحياة.. فالليالي صاخبة، والمقاهي على أرصفة الطرق مزدحمة. وفي شهر يونيو الماضي امتزج بالخليط عنصر غير معتادٍ، وهو مجيء أكثر من 800 صحفي ومراسل علمي وعالِم من 77 دولة؛ لحضور المؤتمر الدولي للصحفيين العلميين، الذي يُعقَد كل عامين.

يجد الحضورُ في هِلْسِنْكِي أنفسهم ــ كل الصحفيين العلميين في الواقع ــ بين ماضٍ مثالي، ومستقبَل قلق. فقد كانت معظم الصحف حتى العقد الماضي توظِّف مراسلًا صحفيًّا علميًّا متخصصًا، أو ثلاثة مراسلين، وكانت لدى الشبكات التليفزيونية فِرَق كاملة من الصحفيين العلميين. أما في هذه الأيام، فقد أصبح المراسلون الصحفيون العِلميّون المتخصصون فئةً مهدَّدة بالانقراض.

بينما أصبحت الصحافة العلمية السائدة تواجه مستقبلاً غير واضح، ازدهر مجال الإعلام العلمي الموازي؛ فالمدوَّنات، والتمبلر، وصفحات موقع «بينترست» توفر تغطية مشوقة لكل ما يمكن تخيُّله من موضوعات لمجموعات من الجماهير متوسطة العدد. ويُطلق مموِّلون ـ مثل صندوق «وِيلْكَم ترست» في لندن، و«مؤسسة جون تمبلتون» في كونشوكن الغربية ببنسلفانيا ـ مطبوعات علمية مبهرة بإنتاجٍ جيد بشكل أسبوعي ـ على ما يبدو ـ لدعم الكُتّاب الموهوبين. وقد تقوم مواقع التقييم ـ مثل reddit.com ـ بتركيز حركة مرور هائلة على مواقع غير معروفة بشكل كبير. إذ لم يكن وصول الإعلاميين العلميين للجمهور بمثل هذه السهولة من قبل.

بعض هذا الإنتاج هو من العلماء وإليهم. فمن غير عالِم الأحياء الحاسوبية سيقرأ تحليلًا من 2000 كلمة عن نقاط الضعف بخوارزميات تحليل بيانات تسلسل الحمض النووي الريبي؟ بينما تميل الكتابة للعامّة إلى التركيز على الشرح بشكل احتفالي للكشوف العلمية.

رغم كل شيء.. تبقى وسائل الإعلام ـ أيًّا كان شكلها الذي أصبحت عليه في 2013 ـ القناة الرئيسة للمعلومات العلمية عندما يكون الأمر جادًّا جدًّا.

على سبيل المثال.. قدمت المدونات تغطيةً فنية وتقنية متميزة لانصهار مفاعل فوكوشيما في عام 2011، إلا أن عامة الجمهور حول العالم علم عن الكارثة، وكيف يمكن أن تؤثر عليه من خلال وسائل الإعلام التقليدية. إن العلاقة بين الساسة ووسائل الإعلام عادةً تحرِّك السياسات العامة.

إن «مركز الإعلام العلمي البريطاني» SMC في لندن، والمدير المؤسِّس له ـ فيونا فوكس ـ على دراية بذلك. ولذا.. يعمل المركز على إيصال الأصوات العلمية إلى داخل المقالات المهمة في الصحف والأخبار المُذَاعَة. ويهاجم الكثير من مراقبي الأداء الإعلامي نهجَ المركز في السعي لتوطيد العلاقة بالمراسلين الصحيين والعلميين، وإمدادهم باستشهادات وقصص من العلماء. ويرى النقاد أن ذلك هجومٌ على إجراء التحقيقات والتغطية الصحفية المستقلة التي ازدهرت خلال ما يُفترض أنه العصر الذهبي للصحافة العلمية.

من المؤكد أنه كانت تُوجد صحافة جيدة تغطي المسائل العلمية في الماضي، ولكن كانت الأقسام العلمية بالصحف ـ في ذلك الوقت ـ مثل الصحافة الآن.. تمتلئ بالمقالات، التي بالرغم من أنها مكتوبة بشكل جيد، إلا أنها لا تخرج عن أبحاث علمية صدرت في بيانات صحفية. إنّ إجراء التحقيقات الفعلية في القضايا العلمية يخرج في العادة عن نطاق مكتب القسم العلمي، وذلك مثل تفنيد الادعاء الذي قام به بريان دير بأنّ التطعيمات لها علاقة بمرض التوحد، أو التقرير الذي ورد بصحيفة «فايننشال تايمز» هذا العام عن الوفاة الغامضة للعالِم الأمريكي الذي يعمل لدى حكومة سنغافورة على تكنولوجيا ذات تطبيقات عسكرية.

إنّ الصحافة العلمية بطبيعتها مكلفة، وتستغرق وقتًا طويلًا لإنجاز أخبارها، وتكون في العادة غير مفضَّلة لدى القراء، ويمكن أنْ تتعرض لأخطار كبيرة، ولكنها يجب أن تظل على قيد الحياة، وأنْ تكون كما ينبغي، إذا كانت لتوعية العامة، وأن يكون أصحاب السلطة فيها عرضةً للمحاسبة.