تأبين

كريستيان دي دوف (1917 - 2013)

عالِم الأحياء الحاصِل على جائزة نوبل؛ لسبره أغوار تركيب الخلية.

جونتر بلوبل
  • Published online:

إنّ طريق التميُّز في علم الأحياء طويل وشاق، وقد كان «كريستيان دي دوف» من القلة التي وصلت إلى قمة عالية؛ فتحت آفاقًا جديدة لرؤية مناطق مجهولة في هذا العلم.. تقاسم «كريستيان دي دوف» في عام 1947 مع كل من «ألبرت كلاود»، و«جورج بالاد» جائزة نوبل، التي تُمنح في علم الفسيولوجيا أو الطب على اكتشافاتهم «المتعلقة بالنظام التركيبي والوظيفي للخلية».

INGBERT GRUTTNER/THE ROCKEFELLER UNIV.

وُلد «دي دوف» في عام 1917 بالقرب من لندن، حيث انتقل والداه أصحاب الأصول البلجيكية-الألمانية إلى هناك، هربًا من أهوال الحرب العالمية الأولى.

بعد انتهاء الحرب بقليل، عادت العائلة إلى مدينة إنتويرب ببلجيكا، حيث ذهب كريستيان إلى المدرسة، وتفوَّق فيها، ثم التحق بالجامعة الكاثوليكية بمدينة لوفيان في عام 1934 كطالب للطب، وانضمّ إلى معمل الفسيولوجيا الذي كان يديره «جي بي بوكارت».

تزوج في عام 1943 من «جانين هيرمان»، التى أصبحت فيما بعد رسّامة معروفة، وظلت داعمةً له طيلة حياتها. وتطلّبت تنقلاته المتعددة تضحيات جِسَام من زوجته وأبنائهما الأربعة، على نحو أعطى لدوف المجال للتركيز في جهوده العلمية.

قام دي دوف في تلك السنوات باكتشافات مهمة عديدة عن سُبُل تخزين واسترجاع الجلوكوز، وهو الوقود الأساسي في الجسم، عند تأثره بهرمونات البنكرياس، والإنسولين، والجلوكاجون.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فَتحت معامل دولية رفيعة أبوابها له، وذهب في البداية إلى معمل «هوجو ثيوريل» في معمل نوبل الطبي باستوكهولم، ثم انتقل إلى معمل «جيرتي وكارل كوري» في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس.

دفعته بعض الروابط العائلية في عام 1947 إلى العودة إلى مدينة لوفين كأستاذ بكلية الطب. وفي طريق عودته من سانت لويس، قام بزيارة إلى معهد روكيفيلير للأبحاث الطبية (جامعة روكيفيلير الآن) بنيويورك، غيَّرت مجرى حياته، حيث قابل فيها ألبرت كلاود.

ذهب كلاود إلى روكيفيلر في عام 1929 لعزل ما يُعرف اليوم بفيروس «ورم روس» Rous sarcoma، وفي سبيله لتحقيق ذلك، أحدث ثورة في أبحاث الخلايا باستخدام جهازين، كان قد تم تطويرهما حديثًا، وهما المجهر الإلكتروني، وجهاز الطرد المركزي فائق السرعة، حيث مكَّن المجهر الإلكتروني كلاود مع كيث بورتر من الرؤية داخل الخلايا المستزرعة، بمقدار تكبير يفوق بكثير ما يمكن أن يوفره المجهر الضوئي.

وقد كان اكتشافهما التاريخي الذي أُعلن عنه في عام 1945 هو تلك الشبكة التي تشبه الدانتيل المحيطة بالنواة والتي يطلق عليها «الشبكة الإندوبلازمية»، كما تمكن كلاود وزملاؤه من فصل وتجميع مكونات الخلية المختلفة على أساس أحجامها وكثافتها باستخدام أجهزة الطرد المركزي فائقة السرعة.

استمر دي دوف في أبحاثه على الإنسولين والجلوكاجون كرئيس لمعمله بلوفين، متأثرًا بما تعلَّمه من كلاود. وكانت أولى ملاحظاته أن نشاط الإنزيم جلوكوز 6 فوسفاتيز يرتبط في الغالب بجزء من الخلية، يترسب عند قُوَى طرد مركزي مرتفعة.. وقد برهنت التحليلات الأكثر تفصيلا من قبل دي دوف، وفيليب سيكيفيز، وبالاد على أن الجلوكوز 6 فوسفاتيز هو أول إنزيم دال على الشبكة الإندوبلازمية. ودعمت تلك النتائج فكرة أن الخلية تحتوى على مكونات مستقلة ذات نشاط إنزيمي متمايز.

نَحَّى دي دوف على الفور أبحاثه عن الإنسولين جانبًا، للتنقيب في تلك المكونات الخلوية غير المُخصَّصَة. ووقع اختياره على إنزيم «الفوسفاتيز الحمضي»، لسهولة قياسه. وبدت ملاحظاته لمعاصريه نوعًا من الفضول الساذج عن هذا الإنزيم وأماكن وجوده في الخلية، لكنها كانت دلائل مهمة بالنسبة إلى دي دوف.

تساءل دي دوف: هل من الممكن أن يكون إنزيم الفوسفاتيز الحمضي دالًّا على أجزاء أخرى في الخلية؟ ربما كان هذا الإنزيم جزءًا من القطاع الهاضم في الخلية، يتم تخزينه مع غيره من إنزيمات التحلّل المائي؛ لتفتيت عديد من الجزيئات التى تتناولها الخلية؟

وللإجابة على هذه الأسئلة، قام دي دوف بتمشيط الأبحاث المنشورة؛ بحثًا عن إنزيمات تحلل مائي أخرى. وبعد أن حصل على عديد من النتائج المطمئنة، قام بالإعلان عن مفهوم الليسوزوم (C. de Duve et al. Biochem. J. 60,604–617; 1955)، المعروف حاليًا كمركز الجهاز الهضمي للخلية.

كما اكتشف فريقه ـ باستخدام طرق مشابهة ـ مكونًا خلويًّا آخر، يسمى البيروكسيسوم، يحتوي على إنزيمات ضالعة في عمليات الأكسدة. وبعد ذلك اكتشف علماء آخرون أمراضًا مرتبطة بالليسوزوم والبيروكسيسوم. ويمكن علاج بعض تلك الاضطرابات التي يسببها فقدان أو خلل في أحد إنزيمات الليسوزم من خلال إعطاء المريض ذلك الإنزيم.

بعد ذلك توسَّع دي دوف في تلك النتائج وجمَّعها، كما أثبتَ أيضًا أنه إداريٌّ بارع، فقد أدار معملًا بجامعة روكيفيلر (1962-1987)، وأسَّس وأدار (1975-1985) المعهد الدولي لعلم الأمراض الخلوي والجزيئى في مدينة بروكسل (كاستشراف لفكرة الطب التطبيقي)، الذي أّْطلق عليه لاحقًا اسم «معهد دي دوف».

كما كان له أيضًا دور رئيس في إطلاق جوائز «لوريل يونيسكو» L’Oreal–UNESCO الفريدة والمرموقة للعالِمات، التي تُمنح سنويًّا لخمس عالمات، واحدة من كل قارة. وفي المرحلة الأخيرة «التأمليّة» من حياته ألَّف دي دوف كتبًا مهمة عن الأحياء والتطور، موجَّهَة إلى الجمهور المتعلم.

وقد كتب دي دوف في مذكراته التي قامت بنشرها (دار نشر أوديل جاكوب للعلوم، 2013) Sept vies en une أنه كان على الدوام أفضل طالب في مدرسته، إلا في سنة واحدة فقط، عندما أتى طالب آخر على القمة. وعزَّزت الجوائز المبكرة وما تلاها بعد ذلك الشعور العميق لديه بالثقة بالنفس، ذلك الشعور الذي كان له أحيانًا بعض العواقب غير المقصودة. وقد نفى بشكل قاطع أنه كان رئيسًا مستبدًّا، لكنه اعترف بطريقته المعهودة بأنّ بعض الأشخاص قد لا يتفقون مع ذلك، أما أنا شخصيًّا، فقد تأثرت بذلك الشخص الرقيق، الرحيم، خفيف الظل، الذي سأفتقده كثيرًا.