تحقيق إخباري

صائد الزلازل

مع ارتفـاع أعداد قتلى الزلازل، يبني روس ستاين نموذج مخاطر عالميًّا؛ لتخفيف آثار كوارث المستقبل.

جوان بيكر
  • Published online:

JAMES BROWN/FROMJTOB


في غرفة معتمة ـ بمدينة پاڤيا الإيطالية ـ ينتشر على شاشة كبيرة خليط من السهام القصيرة، مثل أسراب من النمل في مسيرة. بالنسبة إلى روس ستاين، تكشف هذه العلامات على خريطة البلقان المواقع التي يُرجح أن تضربها الزلازل، ويريد على وجه السرعة أن يشاطر رؤيته حول ذلك.

يقفز ستاين ـ عالِم فيزياء الأرض بمصلحة المساحة الجيولوجية الأمريكية في مينلوبارك (USGS) بكاليفورنيا ـ من مقعده، ويضع يده مقوَّسةً أسفل الخريطة. يجلس ستاين في غرفة مع ثمانية من خبراء الزلازل بجمهوريات يوغسلافيا السابقة، وألبانيا، حيث يحللون بياناتهم معًا لأول مرة. يشرح لهم ستاين كيف يدفع التضاغط الصخورَ إلى أعلى بامتداد الفوالق في بعض المناطق، ويدفعها جانبًا في مناطق أخرى. يقول ستاين إنه يمكن لتلك الطاقة المكتومة أن تنطلق عبر هزات مدمرة، كما حدث تمامًا في يوليو 1963 لمدينة سكوپيا، في مقدونيا، وأودت بحياة أكثر من 1000 نسمة.

كانت مثل هذه الرؤية الشاملة لمخاطر الزلازل بالبلقان مفتقدة، وذلك يعود جزئيًّا إلى قلة تمويل عمل الباحثين هناك، ولأن بعض البلاد تحبذ بيع المعلومات الجيولوجية بدلاً من نشرها مجانًا، بل إنّ اثنين من الباحثين المتعاونين طويلًا من جمهوريتي سولوفينيا وألبانيا ـ يشاركان بورشة العمل هذه في پاڤيا ـ لم يتمكّنا من الالتقاء وجهًا لوجه خلال العقد الماضي.

يهدف ستاين إلى تغيير كل ذلك ـ في بلاد البلقان وغيرها ـ عن طريق جمع الناس والبيانات معًا. إنه أحد قادة «نموذج الزلازل العالمي»، أو (GEM)، وهو مشروع طموح، يهدف إلى بناء شبكة رقمية مفتوحة المصدر من قواعد البيانات والأدوات، تنْصَب على المخاطر الزلزالية حول العالم. وبمساعدة الدول، وأرباب الأعمال، والباحثين، في تقييم المخاطر وتقليلها، يأمل ستاين في التصدي للأحوال التي أدت إلى ارتفاع الخسائر في الأرواح من جراء زلازل القرن الماضي، لا سيما أن مُدُنًا عديدة قد بُنِيت بطرق رديئة، وتضخمت عمرانيًّا بمناطق معرضة للزلازل.

بعد أكثر من خمس سنوات في مرحلة التطوير، يشارف مشروع «نموذج الزلازل العالمي» على بلوغ معالم فارقة. فقد تقرر أن يُطْلق المشروع في الأسبوع الأخير من شهر يونيو قاعدة بيانات للزلازل التي وقعت خلال الألفية الماضية، إضافة إلى نسخة أساسية من محرك البرمجيات، «أوبن كويك» OpenQuake، الذي سيتيح للمستخدمين بأنحاء العالم أن يحسبوا مخاطر تعرضهم لهزات زلزالية. وفي ديسمبر، سيكشف «نموذج الزلازل العالمي» النقاب عن قائمة بكل الفوالق والصدوع النشطة في العالم. يقول ستاين: «ربما ظننتم أن لدى مجتمع علماء الزلازل قائمة حصر بهذه الزلازل، لكن لم يحاول أحد وضع هذه القائمة»، وذلك «ما يخطط نموذج الزلازل العالمي لأنْ ينجزه».

خلال عام 2014، سيضيف «نموذج الزلازل العالمي» معلومات عن مؤشرات حول أوضاع المباني والأحوال الاجتماعية الاقتصادية ـ مثل الفقر ـ مما قد يساعد مدنًا كإسطنبول في تركيا على أن تقرر كيفية ترتيب أولويات تقوية المدارس والمستشفيات الهشة المعرضة للأخطار.

تقول لوري پيك، عالم الاجتماع، والمدير المشارك لمركز تحليل الكوارث والمخاطر، بجامعة كولورادو بفورت كولينز، الذي أمدت أبحاثه المشروع بالمعلومات: «إنّ ما أنجزه مشروع الزلازل العالمي استثنائي».

مثلت قيادة مشروع «نموذج الزلازل العالمي» تحولًا كبيرًا في مسيرة ستاين المهنية، وهو الباحث المرموق الذي يحظى بالاحترام، وكثيرًا ما ظهر في وسائل الإعلام يحذر المواطنين من مخاطر الزلازل بالولايات المتحدة. وهو الآن يرتقي منبرًا أكبر من ذلك بكثير، محاولًا حشد الدعم لهذا المشروع الدولي من علماء وحكومات وشركات. ويقرّ بأن المشروع «كان بالفعل عملية تعليمية».

كبر الصورة

SOURCE: GEM

والواقع أنه أبعد ما يكون عن النهاية.. فلا يزال على ستاين استكمال «نموذج الزلازل العالمي»، وإظهار قيمته. يأخذ بعض الناقدين عليه أن ذاك الجهد الذي يوفر تقديرًا أكثر تعقيدًا عن المخاطر الزلزالية لن ينقذ أرواحًا كثيرة. يقول روجر بِلهام من جامعة كولورادو، ببولدر، إن الفساد، والجهل، والفقر عوائق أخطر على السلامة من نقص المعلومات عن الزلازل.


بداية مجهدة

ذاق ستاين (59 عامًا) أول طعم كبير للزلازل خلال سنوات المراهقة في لوس أنجيليس، عندما «صارت الأرض الصلبة هلاميّة كالجيلي» أثناء زلزال وادي سان فرناندو عام 1971، الذي أزهق أرواح 65 شخصًا. ولم يستقر على دراسة علوم الأرض إلا عندما عرَّفه رفيق سكنه ـ بجامعة براون في بروڤيدَنس، رود أيلاند ـ على متع الرحلات الميدانية ومباهجها. بدأ ستاين الدراسة لنيل درجة الدكتوراة في علوم الجليد بجامعة ستانفورد، بكاليفورنيا، وقاسى «العمل الميداني الأكثر برودة ورطوبة ورياحًا». بعد ذلك.. رغب في تعلم موضوع له تأثير اجتماعي؛ فتحول إلى دراسة الزلازل، بعد أن استمع إلى حديث أحد علماء مصلحة المساحة الجيولوجية الأمريكية، التي انضم إليها في عام 1981.

في أبحاثه، ركز ستاين على دراسة كيف أن زلزالًا في بقعة واحدة ينقل التوتر إلى مناطق أخرى. وقد وفرت جهوده في صياغة النماذج وسيلة لتقدير ما إذا كانت الهزات الأرضية سوف تزيد احتمال وقوع الزلازل بمكان آخر، أم تقلِّله.

ذلك العمل وغيره ـ لا سيما في تركيا واليابان ـ جعل من ستاين ثاني أكثر علماء الزلازل حضورًا واستشهادًا بآرائه وأبحاثه في الفترة بين 1993 و2003. وانتشر تأثيره متجاوزًا نطاق مجتمع الباحثين. فظهر في أفلام وثائقية كثيرة، وغالبًا ما تراه أمام الكاميرا بعد أي زلزال كبير.

تغيَّر مسار ستاين البحثي بشدة بعد كارثة زلزال وتسونامي سومطرة–أندامان، التي وقعت في عام 2004، وأسفرت عن مقتل أكثر من 230 ألف نسمة في 14 بلدًا. يقول ستاين إن هذا الحدث «بلور فشلنا كمجتمع علماء»، حيث كشف كم كان قليلًا ما فعله العلماء لمساعدة المنطقة كي تستعد للمخاطر المتوقعة في ذلك المجال. ويردف قائلًا: «لقد شعرت بطريقة ما، أن هناك دماء على يديّ».

قرر ستاين أن التصدي لمخاطر الزلازل في البلاد الفقيرة أكثر أهمية منه في اليابان وكاليفورنيا، حيث استطاع تقليد راسخ من الأبحاث وقوانين قوية لتنظيم البناء بالفعل من تقليل الأخطار. من جاكرتا إلى بورت أوبرنس، يزداد تعداد سكان الحواضر بسرعة صاروخية قرب فوالق أرضية رئيسة، وبمحاذاة حدود الصفائح التكتونيّة. يقول ستاين إن تدفق البشر يملأ منازل بُنيت بطريقة رديئة، فصارت مصائد للموت عند وقوع الزلازل. يتنبأ العلماء بحدوث صدمة زلزالية كبرى ـ قبل مرور زمن طويل ـ تقتل مليونًا من البشر.

في عام 2006، بعد ورشة عمل عن الزلازل بمدينة بوتسدام بألمانيا، قرر ستاين واثنان آخران من خبراء المخاطر الزلزالية ـ هما يوخن إزشو من مركز هيلمهولتز في بوتسدام، ودومينيكو جيارديني من معهد التكنولوجيا الاتحادي (ETH) السويسري بزيورِخ ـ مناهضة هذا التوجه الخطر بإنشاء منظمة «نموذج الزلازل العالمي».

وحاليًا، تساعد مجموعة كبيرة من منظمات دولية وحكومية وغير حكومية بالفعل مجتمعات معرضة للخطر؛ للاستعداد قبل حدوث الزلازل، والاستجابة لها بعد وقوعها، لكنها جهود متفرقة. فمكتب مساعدة الكوارث الأجنبية الأمريكي (OFDA) الذي يرعى ورشة عمل ستاين حول مخاطر زلازل البلقان، ساعد في تطوير نظام إنذار مبكر من وقوع التسونامي في إندونيسيا بعد كارثة 2004، ويُجري مشروعات زلزالية في هايتي وجمهورية الدومينيكان. كما أن منظمة أخطار الأرض الدولية (GHI) غير الربحية ـ ومقرها في مينلوبارك بكاليفورنيا ـ عملت في أكثر من 20 بلدًا لرفع مستوى الوعي، وتدريب المهندسين الإنشائيين بمجال السلامة من الزلازل، لكن ما من مؤسسة واحدة يمكنها تغطية كل مدينة وبلدة، وما من بلاد يمكنها تحمُّل إعادة تقوية أو تأمين كل بناية. إنّ معرفة أين تكون أعلى المخاطر الزلزالية هي مفتاح السلامة، حسب قول ستاين.

كذلك، المعلومات ذاتها متفرقة. وكانت لوري پيك ـ التي تقدم المشورة لمنظمة أخطار الأرض الدولية ـ قد شاركت في دراسة لمنظمة «نموذج الزلازل العالمي» أظهرت أن المجتمعات من سان فرانسيسكو بكاليفورنيا إلى تشينتشا بجمهورية بيرو كلها تحتاج موردًا معرفيًّا مركزيًّا حول مخاطر الزلازل، تتجمع لديه كل البيانات والمعلومات عن التهديدات الزلزالية، ومسائل البناء، والعوامل الاجتماعية الاقتصادية. وسيساعد ذلك المسؤولين المحليين على ترتيب أولويات تقوية البنايات العامة أو المناطق، ويتيح للمدن الناشئة ـ مثل كتمندو أو ليما ـ أن تخطط كيف تنمو، دون زيادة مخاطر الزلازل.

ويهدف «نموذج الزلازل العالمي» إلى توفير ذلك المورد من خلال المحرك «أوبن كويك» OpenQuake كمنصة إلكترونية. ونظرًا إلى بنائها باستخدام نظام معلومات جغرافي، ستشمل هذه المنصة أدوات تحليلية، تسمح للأطراف المعنية ـ علماء، وحكومات، وشركات ـ بتقدير احتمالات الخسائر في الأرواح والممتلكات، جرّاء الزلازل (انظر: «مناطق الاضطراب»).

سيعول الحاسبون على قواعد بيانات «نموذج الزلازل العالمي» العالمية عن الزلازل، والفوالق، وأنواع المساكن، ومعلومات اجتماعية اقتصادية، يجري تسجيلها على مدار 18 شهرًا قادمة. في يناير الماضي، أطلق «نموذج الزلازل العالمي» فهرسًا مرجعيًّا مصورًا لأكثر من 20 ألف زلزال ـ شدتها 5.5، أو أعلى ـ حدثت بأنحاء العالم منذ 1900. ولإنتاج هذا المرجع، أعادت المجموعة تحليل كافة البيانات الزلزالية المعنيّة، مما حسّن تقديرات البؤر أو المراكز السطحية للزلازل وشدتها. يقول ستاين إنه أكبر مورد من نوعه، وقد أتاح لعلماء الزلازل أن يروا ـ من بين أشياء أخرى ـ كيف يتركز النشاط الزلزالي على الفالق الرئيس تحت جواتيمالا.

ولكي يُقلع المشروع من على الأرض، لا بد لستاين والمتعاونين معه من إقناع المموِّلين بدعم خطة المشروع. فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ـ التي تتخذ من باريس مقرًّا لها ـ وقدمت الرعاية لورشة بوتسدام، حيث وُضِعت بذرة «نموذج الزلازل العالمي»، منحت ستاين والمؤسسين فرصة الوصول إلى المسؤولين الحكوميين. وفي أعقاب كارثتي تسونامي سومطرة، وزلزال باكستان الكبير، أرادت الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ـ الواقعة بمناطق عالية المخاطر زلزاليًّا ـ تقليل تعرضها لخسائر اقتصادية ضخمة.

من هناك نمت اتصالات ستاين. ففي عام 2007، أصبحت ميونخ ري Munich Re أول شركة تنخرط في المشروع، مانحةً إيّاه 5 ملايين يورو (6.6 ملايين دولار) على مدى خمس سنوات. لقد رأت الشركة فرصة في البيانات العالمية التي يجمعها «نموذج الزلازل العالمي»، والتي قد تساعد شركات التأمين ووسطاء إعادة التأمين على تنويع محافظهم الاستثمارية والتأمينية؛ لتجنب احتمال أن يمحوهم زلزال واحد.

وحاليًا، هناك 16 وكالة حكومية، مثل مكتب مساعدة الكوارث الأجنبية الأمريكي (OFDA)، و10 شركات تأمين وهندسة انضمّت إلى مشروع «نموذج الزلازل العالمي»، مما يمثل شراكة غير ربحية بين القطاعين العام والخاص، تتخذ من پاڤيا بإيطاليا مقرًّا لها، وبها نحو 20 موظفًا. أسهم هؤلاء الرعاة بأكثر من %90 من مبلغ 24 مليون يورو اللازم لإطلاق منصة «أوبن كويك» كاملةً، المقرَّر في نوفمبر 2014. أضف إلى ذلك..هناك 9 مؤسسات، من بينها البنك الدولي، أصبحت أعضاء مشاركين لا يدفعون رسومًا.

كان التعامل مع اهتمامات متباينة يمثل منحنًى تعليميًّا حادًّا بالنسبة إلى ستاين، الذي يقول «الكل له مصلحة»، و«قضايا يريد أن يتصدرها». في اجتماعات مجلس إدارة «نموذج الزلازل العالمي»، تجلس القطاعات المختلفة ـ حسب قول ستاين ـ في مجموعات حول طاولة اجتماعات على شكل حرف «U»، الدول على جانب، والشركات على جانب آخر، والمنظمات غير الحكومية في الوسط.

وبعض العلماء لا يشجع أن يكون للشركات مقعد على الطاولة من الأساس. يقول روبرت جيلر من جامعة طوكيو متأملًا: «نفترض أنّ بالإمكان التلاعب بتقييم المخاطر؛ لتسويغ زيادة أقساط التأمين من الزلازل في مناطق بناء معينة»، لكن ستاين براجماتي في هذا الشأن، يقول: «إذا كنت تتحدث إلى وزير المالية، فلا بد أن تتحدث عن الاقتصاديات، وإلّا لن يعيروك اهتمامًا».

ولكي يكون موثوقًا ومستخدمًا بشكل واسع، يقول ستاين إنه ينبغي أن يُنظر إلى «نموذج الزلازل العالمي» على أنه مستقل، وشفاف، ومتاح الوصول إليه. وهذا هو سبب أن منصة «أوبن كويك» تستخدم برمجيات مفتوحة المصدر ـ وهذا ما جعل «نموذج الزلازل العالمي» يخطط أن يمنح بياناته ومنتجاته لأيٍّ كان ـ بما في ذلك الجمهور العام، والعلماء، والحكومات، إذا كانوا منخرطين في أعمال غير تجارية. وينبغي للشركات الراغبة في استخدام البيانات تجاريًّا أن تكون أحد رعاة هذه المنظمة. وقد طلب من الوكالات الحكومية تقديم إسهامات تتناسب مع إجمالي استثمارهم في البحث والتطوير. فدولة مثل الإكوادور، قد يبلغ إسهامها 15 ألف يورو سنويًّا، بينما تدفع ألمانيا 275 ألف يورو سنويًّا.

ويأمل المؤسِّسون أن تنضم البنوك والشركات من أجل بناء أسواق أو منتجات جديدة. ويمكنها استخدام بيانات وأدوات «نموذج الزلازل العالمي» لتطوير «سندات الكوارث»، وهو نوع من التأمين، يتحمل المستثمرون فيه المخاطر نظير مدفوعات، إذا لم يقع حدث محدد. طرحت الشركات مثل تلك السندات منذ أواسط تسعينات القرن الماضي، لكن الحكومات الآن منخرطة في هذا التحرك. في أوائل هذا العام، أصدرت مجموعة ـ تضم الحكومة التركية ـ سندات بقيمة 400 مليون دولار، إذا ضرب إسطنبول زلزال كبير في السنوات الثلاث القادمة.


دبلوماسيّة العلم

ينبغي على ستاين ـ الذي يرأس المجلس الاستشاري العلمي لمشروع «نموذج الزلازل العالمي» ـ أن يفعل أكثر من جمع وتنظيم بيانات ونماذج الزلازل. إنه جزء من الصمغ الإنساني الذي يضم القطاعات إلى بعضها، وهو منصب يتطلب مهارات الدبلوماسي ورجل المبيعات.

ظهرت هاتان المهارتان في ورشة عمل البلقان، عندما بدأ علماء الزلازل المجتمعون في الجدل حول عدم تساوي التمويل والمشكلات الأخرى في المبادرات الإقليمية السابقة لتحليل مخاطر الزلازل. وعند نقطة معينة، صرخ بعض المشاركين في وجه بعضهم عبر الطاولة. تركهم ستاين يقولون ما يشاءون، ثم بعد ذلك تَدَخَّل لتهدئة الأجواء؛ فطلب من كلٍّ بدوره بعد ذلك توضيح رؤيته، وعرض زيارة كل بلد في ذلك الخريف، لإقناع مسؤولي الحكومة ورؤساء الجامعات بدعم الباحثين.

وكلما أصبح «نموذج الزلازل العالمي» أكثر حضورًا وبروزًا، أدرك ستاين أنه سيكون هناك سجال مع الناقدين. وبعض أعضاء مجتمع علماء الزلزال يقولون إن رسم خريطة أخطار على أساس الزلازل القديمة تضليل؛ لأن السجل التاريخي قصير جدًّا، والزلازل الكبرى تقع غالبًا بأماكن لم تشهد زلازل سابقًا. فمثلًا، كانت خرائط المخاطر الزلزاليّة لمنطقة توهوكو Tohoku بشمال شرق اليابان، لا تتوقع زلزالا ضخمًا بحجم الذي ضربها في 2011. يتساءل باحثون آخرون، مثل بِلهام، إنْ كانت الأهداف الهندسية للمشروع سيتم تشريعها كقوانين؛ ويجادلون بأن بلادًا عديدة لديها بالفعل قانون مناسب زلزاليًّا للبناء، لكنها فشلت في وضعه موضع التنفيذ، وهكذا.. لن تساعد نماذج أفضل لتقدير المخاطر.

تعامَلَ ستاين مع بعض الانتقاد بدعوة الرافضين للمشاركة في «نموذج الزلازل العالمي». وحضر سيث ستاين (لا قرابة له مع روس ستاين) ـ عالِم الزلازل بجامعة نورثويسترن في إيڤانزتُن، إلينوي، الذي كان خصمًا منذ زمن طويل لبعض خرائط المخاطر الزلزالية (انظر: Nature 479, 166–170; 2011) ـ ورشة «نموذج الزلازل العالمي». ورغم أن سيث ستاين يرى في مورد «نموذج الزلازل العالمي» مفتوح المصدر، ونهجه المعياري الموحد «خطوة طيبة في الاتجاه الصحيح»، يأمل أيضًا بأن يستفيد مجتمع علم الزلازل من المورد؛ لعمل تحليلات أوسع؛ تستكشف محدودية تحليل الأخطار الزلزالية.

يبدو روس ستاين ـ متطلعا إلى الأمام ـ أكثر اهتمامًا بتأمين التمويل. سيحتاج «نموذج الزلازل العالمي» مشتركين أكثر لدفع أموال من أجل صيانة وتحديث قواعد بيانات المشروع في المستقبل، ويسعى للحصول على 10 ملايين يورو لتمويل البرامج الإقليمية الحليفة؛ لتعزيز التفاصيل المحلية لقواعد بيانات المخاطر. ولجذب الرعاة واستبقائهم على المدى البعيد، يجب على المشروع الاستمرار في طرح ميزات مفيدة للمخاطر ذات الصلة ـ مثل نماذج تشمل تسونامي، والانهيارات الأرضية، وميوعة التربة ـ التي تحدث عندما تُضعِف الهزات الزلزالية التربة إلى حدّ أنْ تبدأ في سلوك مسلك الموائع.

ورغم ذلك.. قد يكون أكثر التحديات صعوبة على المدى الطويل، هو التعامل مع رد الفعل العنيف على تقديرات المخاطر التي يحددها أو يقيمها «نموذج الزلازل العالمي». يقول ستاين إن هذا المشروع ليس منظمة دفاع عن قضايا ولا يتدخل في تقرير السياسات بناءً على تقديراته. ومع ذلك.. يتوقع ستاين: «سنواجه تعسفات.. حيث ستدفع بعض الحكومات في اتجاه معاكس لتقييمات نموذج الزلازل العالمي، لأنها تخالف أولوياتها».

في پاڤيا، بينما تختتم ورشة البلقان أعمالها، يمارس ستاين المهارات الدبلوماسية التي سيحتاجها لإنجاح مشروع «نموذج الزلازل العالمي». وبتحركه متجاوزًا المناقشات المريرة المبكرة، يقترح أن يوقع كل المشاركين رسالة مشتركة إلى مكتب مساعدة الكوارث الأجنبية الأمريكي؛ من أجل تمويل يمكِّنهم من الاجتماع مرة أخرى في غضون ستة أشهر. وتعهَّد كل علماء الزلازل بمواصلة التعاون. وسيكون مثل هذا الاجتماع أساسيًّا «إذا كنا نريد أن نقيم نموذجًا موحدًا منسقًا لمنطقة البلقان بأسرها»، حسب قول باربرا سكيت موتنيكار من معهد جوزيف ستيفان في ليوبليانا.

بعد ثلاثة أسابيع، وافق «مكتب مساعدة الكوارث الأجنبية» على تمويل ورشة أخرى للمجموعة. ويؤكد القرار بعض كلمات ستاين في وداع علماء الزلازل في البلقان: «لا تستهينوا أبدًا بقوة حماستكم».