تحقيق إخباري

حَلِّقِي وَعُودي بالبيانات

تستعد طائرات دون طيّار للإقلاع، كأدوات شائعة للبحث العلمي.

إيما ماريس
  • Published online:

صُمِّمت الطائرة «تمبست» Tempest أو العاصفة ـ يبلغ مدى الجناح 3.2 أمتار، سرعة التحليق 75 عقدة ـ لتطير في العواصف الشديدة. وأثناء اختبار تشغيلها في مارس الماضي من أجل مشروع جديد، حلّقت في السماوات الأشد زرقة. هناك على الأرض، كان طالب الدكتوراة ماتشي ستاهورا من جامعة كولورادو، بولدر، ينقر على حاسوب لوحي، ناقلًا السيطرة إلى جهاز حاسوب الطائرة بعد إقلاع يدوي. أما مهندس الأنظمة جيمس ماك، فكان يحتفظ بيديه حرّة الحركة قرب جهاز التحكّم؛ تحسّبًا لنشوء مشكلة، في حين كان نِتّي واجِل، طالب دكتوراة آخر، يمسح السماء بنظره؛ للتأكد من أن «تمبست» لن ترتطم بأي شيء.

كانت مهمة الطائرة في ذلك اليوم هي تحديد موقع منارة ترسل إشارة استغاثة من قبيل المحاكاة. وفيما كانت تحلّق راسمة دوائر فوق رؤوسهم، كان محرك تمبست ـ الذي وقوده الغاز ـ يصدر أزيزه المميز الذي يحاكي صوت جَزّازة العُشْب، ويذكِّر بالاسم غير الرسمي الذي يطلق في كثير من الأحيان على هذه الطائرات: الزنانات أو الطنّانات drones. مؤخرًا، أصبح استعمال الطائرات دون طيّار أو غير المأهولة (UAV) أكثر شيوعًا في الأوساط العلمية.

على مدار 40 دقيقة تقريبًا هي زمن الرحلة، كان على فريق جامعة كولورادو في بولدر أن يراقب وينصت، ومع ابتعادها بدت «تمبست» نقطة بعيدة في السماء المشرقة. ثم خالطت صوتَ ستاهورا نغمةُ قلق، وهو يقول: «إنها لا تؤدي ذلك العمل العظيم. ينبغي لها أن تبدأ بالاقتراب منّا في هذه اللحظة». وأخيرًا، استدارت الطنانة، وقفلت عائدةً نحو المنارة. يستأنف ستاهورا «آه، ها هي قد بدأت العودة»، وقد بدا على صوته ارتياح واضح.

اتخذ استخدام الطائرات غير المأهولة في المجال العلمي طريقًا ملتويًا مماثلًا. فقد اختبرتها وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» أولًا باستخدام طائرات دون طيّار، مصممة خصيصًا في بحوث الارتفاعات الشاهقة خلال سبعينات القرن العشرين، لكن الطائرات دون طيّار كانت بطيئة الانتشار. فهذه الطنّانات المزوّدة بأرقى أجهزة الاستشعار كانت أبهظ من أنْ تغري الباحثين باستخدامها، والأنواع الرخيصة لم تتمكن من تقديم فائدة كبيرة، لكن خلال العقد الماضي، أدى انخفاض الأسعار وازدياد التقدم التقني ـ بدءًا من نظام التوجيه على متن الطائرة باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وصولاً إلى تصغير نموذج الطيّار الآلي ليناسب هذه الطائرة ـ إلى استدراج مجموعات علمية عديدة لإجراء تجاربها باستخدام طائرات دون طيّار.

وبالفعل، وفرت هذه الطائرات حتى الآن طريقة فعالة لجمع البيانات، وهي تحرز تقدّمًا مهمًّا في مجال البحوث القطبية، ودراسات البراكين، والحياة البريّة. يقول آدم واتس ـ خبير شؤون البيئة بجامعة فلوريدا ـ الذي استخدم طائرات دون طيّار لعدة سنوات: «إنها ـ الطائرات بدون طيار ـ في طريقها لكي تصبح التكنولوجيا الثوريّة التي لا يُستغنى عنها».

ورغم ذلك.. هناك عقبات تقنية وقانونية تقف في طريق اتساع نطاق استخدامها. يحاول الباحثون تحسين استقلالية تحكم الطائرات دون طيّار، وقدرتها على المناورة، والتحمّل. وتضع اللوائح المنظمة لاستخدام هذه الطائرات ـ لا سيما في الولايات المتحدة ـ قيودًا صارمة على مكان وكيفية استخدامها بواسطة الباحثين. وإذا أمكن تخفيف هذه القيود ـ وهناك دلائل على أن أنها ربما ستُخفَّف ـ فقد تبدأ الروبوتات العلمية الطائرة في شق طريقها إلى السماء بأعداد أكبر من ذلك بكثير.


ارتفاعات شاهقة

جذبت الطائرات دون طيّار التي تستخدمها القوات العسكريّة (الأمريكية) لملاحقة أعدائها اهتمامًا وتدقيقًا متزايدًا من الرأي العام إزاء اتساع استخداماتها في السنوات الأخيرة، لكن بعضها كان قد استُخدم أيضًا في مجال العلوم. فقد أجرت «ناسا» دراسات على الأعاصير والمناخ باستخدام طائرة «جلوبال هوك» Global Hawk من شركة نورثروب جرومّان Northrop Grumman، التي يمكنها أن تصل إلى ارتفاعات تتجاوز ارتفاعات طيران الطائرات التجارية بحوالي 20 كيلومترًا. حصلت وكالة ناسا على هذه الطائرة دون طيّار مجانًا من سلاح الجو الأمريكي، لكن ينبغي للعلماء المهتمين بالأمر أن يكونوا على استعداد لدفع مبلغ 20 مليون دولار مقابل هذه الطائرة، دون أن يشمل هذا السعر أي أجهزة استشعار.

كان على معظم الباحثين أن يستعيضوا عنها بأنظمة أصغر وأقل تكلفة بكثير.. فالطائرة دون طيّار ثابتة الجناحين ـ التي يمكن توجيهها بالراديو مثل «تمبست» ـ يمكن شراؤها ببضعة آلاف من الدولارات. كما يمكن شراء طائرات عمودية (هليكوبترات) رباعية المحركات مقابل 300 دولار فقط. وإذا أضيف إليها بعض أجهزة الاستشعار، وطيّار آليّ وجهاز حاسوب رخيص مزوّد بالخوارزميات (اللوغاريثمات) اللازمة؛ يحصل الباحثون على نظام طيران جوي دون طيّار (UAS).

ورغم الاختلافات في التجهيزات، هناك ارتباط وثيق بين برامج الطائرات دون طيّار المعدّة للبحوث العسكرية، وتلك المعدّة للبحوث المدنية، مع تبادل تدفق التقدم الذي يحرزه الجانبان بينهما. وفي واقع الأمر، فإن عديدًا من البرامج الجامعيّة الخاصة بالطائرات دون طيّار تتلقى تمويلاً جزئيًّا من المؤسسة العسكرية.

<p>تم تصميم «تمبست» في ولاية كولورادو؛ لجمع البيانات في ظل العواصف الشديدة.</p>

تم تصميم «تمبست» في ولاية كولورادو؛ لجمع البيانات في ظل العواصف الشديدة.

Jack Elston, Univ. Colorado

وفي الوقت الراهن، يركّز معظم الباحثين الذين يستخدمون الطائرات دون طيّار على تحسين التكنولوجيا؛ لجعل الأجهزة أخف حركة وأكثر مرونة واستقلالاً وأكثر قدرة على العمل ضمن مجموعات. وتتطلب الاستقلالية مجموعة من الخوارزميات (الحاسوبية) لتفسير البيانات المُستمَدّة من أجهزة الاستشعار، واتخاذ القرارات ذات الصلة بوجهة الطيران، والسيطرة على مسار الطائرة، وتصنيف المواد التي التقطتها آلات التصوير فيها. وكل هذه العمليات الحسابيّة يجب أن تجري في الوقت الحقيقي (فورًا) على أجهزة حاسوب دقيقة وخفيفة الوزن، تتقافز في فضاء ثلاثي الأبعاد.

وأحد المجالات التي يجري التركيز عليها هو المِلاحة القائمة على الرؤية. ويمكن للأنظمة التي تعتمد على نظام تحديد المواقع العالمي أن تحلّل ما يتجاوز 3 أمتار استبانة بقليل في أفضل الأحوال. وهذا مقبول عندما يتعلق الأمر بالمساحات المفتوحة، لكنه ليس جيدًا بما فيه الكفاية للمناطق الحضرية، أو أوضاع الأماكن المغلقة. ويرغب مُطوِّرو الطائرات دون طيّار في إرسال آلاتهم إلى المباني التي دمّرتْها الزلازل، بحثًا عن ناجين، وهو ما يعني تجاهل الإشارات والبوارق غير الصحيحة، وتفادي خطوط الكهرباء والنوافذ المغلقة. وللقيام بذلك.. تتطّلب الطائرة نظامًا معقّدًا من الكاميرات، وأجهزة الجَيروسكوب، وعدادات التسارع؛ لتحديد موقعها ومواقع العقبات.

وكان فريق بقيادة أشوتوش نَتراج ـ حاليًا بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ـ قد قام بتدريب طائرات دون طيّار مزودة بكاميرات عين السمكة على كيفية «العثور» على نفسها. تقسِّم خوارزميات الروبوتات المجال البصري الدائري إلى سماء وأرض، وتحدد خط الأفق بينهما، ثم اشتقاق ارتفاع الطائرة وتَوَجُّهها. ولأجل الطيران فوق المدن، يعمل الفريق على وضع خوارزميات تتعرّف على الإحداثيات العمودية والأفقية للأبنية والشوارع، وتستخدمها كمرشد للإبحار ارتفاعًا وانخفاضًا، إقدامًا وإدبارًا. وفي الليل، يمكن للطائرة دون طيّار توجيه أنماط أو وتائر من أشعة ليزر على ما يحيط بها؛ لتوجيه نفسها. يقول نَتراج إن الملاحة القائمة على الكاميرا ملاحة ذكيّة، لأن كاميرا واحدة تجمع معلومات أكثر جودة من عدد من أجهزة الاستشعار الثقيلة باهظة الكلفة ـ كحاسبات المدى التي تعمل بالليزر ـ مما يغني عن الحاجة إلى إدماج وتكامل أجهزة استشعار عديدة. وكجزء من مشروع يستمر ثلاث سنوات لتصميم طائرات دون طيّار، يمكنها تقديم رعاية طبية بعد كوارث طبيعية، يعمل نَتراج على تطوير نظم للقيام بكل عمليات معالجة الصور على متن طائرة عمودية، بدلاً من معالجتها عن طريق وصلة لاسلكية بجهاز حاسوب منفصل.

ويأمل مشروع أكسفورد لاستخدام الطائرات دون طيّار لإغاثة ضحايا حالات الكوارث في تطوير طائرات دون طيّار تتحدث إلى بعضها البعض. وقد أصبحت مثل هذه الأبحاث على الأسراب مجالاً ساخنًا، حسب قول هيُنشُل شِم، مدير «مركز روبوتات الحقل للابتكار والاستكشاف والدفاع بمعهد كوريا المتقدم للعلوم والتكنولوجيا في دايجون، كوريا الجنوبية. ويتابع شِم قائلًا: «إذا كنتَ ذاهبًا بسرعة، فاذهب وحدك. وإذا كنت ذاهبًا بعيدًا، فاتخذ رفيقًا». إن بعثات جمع البيانات والبحث والإنقاذ أسرع وأكفأ بوجود مجموعة من الطائرات دون طيّار؛ لأجل جمع البيانات، وتأمين تكرارها في حال تعطّل بعض الأجهزة. واستخدام مزيد من الطائرات يزيد الأمر تعقيدًا أيضًا، فالطائرات دون طيّار التي تعمل معًا ينبغي لها القدرة على التواصل فيما بينها، واتخاذ قرارات جماعية.

يركّز الباحثون أيضًا على زيادة قدرة الطائرات دون طيّار على التحمّل، حيث يُزوَّد معظمها بمحركات غاز وبطاريات. ولخفض الوزن والتكاليف معًا، كثيرًا ما يستخدم الباحثون طائرات دون طيّار صغيرة بسعة وقود محدودة، ممّا يعني رحلات قصيرة. تعمل بعض المجموعات على ضغط أو تصغير حجم البطاريات، ويعمل البعض الآخر على جعل الطائرات ذكية بما يكفي للاستفادة من سمات التيارات الحرارية الصاعدة والرياح، كما تفعل الطيور والطائرات الشراعية. وبدوره، فإن رولان سيجوَرت ـ رئيس مختبر النظم المستقلّة في معهد التكنولوجيا الاتحادي السويسري في زيوريخ ـ لديه فريق يعمل على تطوير طائرات تعمل بالطاقة الشمسية، ولا تحتاج أبدًا إلى الهبوط على الأرض. يقول سيجوَرت مازحًا: «إنني أسميها الأقمار المحلِّقة على ارتفاع منخفض». يمكنها في الواقع جمع البيانات بطريقة أفضل من الأقمار الاصطناعية، لأن الباحثين يستطيعون توجيهها. ويتابع سيجوَرت: «يمكنك الحصول على صور محدّثة بشكل مستمر لحرائق الأحراش، وإرسال هذه الطائرات لمراقبة عمليات قطع الأشجار غير القانونية، أو للبحث عن مفقودين في المحيط».


نجوم الفيديو

تميل فرق العمل على الطائرات دون طيّار إلى مواكبة عمل بعضها البعض من خلال أشرطة الفيديو المنشورة على شبكة الإنترنت. أكبر «نجوم» اليوتيوب في هذا المجال هو ڤيجاي كومار من جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا. تسيطر مجموعة كومار على الطائرات العمودية رباعية المحركات في الأماكن المغلقة باستخدام نظام فايكون Vicon المعدّل، وهو نظام التقاط الحركة المستخدَم في صناعة السينما في هوليوود، وفي صناعة ألعاب الفيديو. تُظهِر أشرطةُ الفيديو التي يُحمِّلها ڤيجاي كومار طائراتٍ دون طيّار تحلّق ضمن تشكيل ضيّق، وتنقل أجسامًا صغيرة بقياس 2x4، بل وتعزف اللحن المميِّز لسلسة أفلام جيمس بوند ـ في فيديو حَظِيَ بأكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة ـ باستخدام عدة آلات موسيقية. يقول شِم: «لقد غيّرت الإنترنت القواعد». ويقول سيجوَرت: «مكنّت الإنترنت من نشر المعلومات إلى مدى أبعد قليلًا، مما يساعد على جذب النجباء من الطلاب».

وبانخراط المواهب الجديدة التي تساعد على جعل الطائرات دون طيّار أذكى وأرخص، ستبقى اللوائح التنفيذية المنظِّمة للطيران دون طيّار هي العقبة أمام توسُّع استخدامه في مجال الأبحاث. يقول سيجوَرت، «لا يزال هذا الأمر قضية رئيسة».

إنّ ذلك صحيح، لا سيّما في الولايات المتحدة، حيث تجعل قواعد إدارة الطيران (المدني) الفيدرالية (FAA) الحصولَ على إذنٍ بطيران الطائرات دون طيّار في الأماكن المفتوحة أمرًا شاقًّا (باستثناء حالة هواة الطيران غير التجاري، حيث القواعد أكثر مرونة). يقول إريك فرو ـ رئيس مركز أبحاث وهندسة الطائرات غير المأهولة بجامعة كولورادو، بولدر ـ محتجًّا: «إننا نحتاج تصريحًا للخروج إلى حقل في الحرم الجامعيّ؛ لنُطَيِّر جسمًا لا يزيد ارتفاعُه على 6 بوصات فوق الأرض». «إنها طريقة: نظام واحد يسع الجميع».

<p>طائرة استطلاع بحثية ذاتية التشغيل ترش المبيدات على الأعشاب الضارة في أستراليا.</p>

طائرة استطلاع بحثية ذاتية التشغيل ترش المبيدات على الأعشاب الضارة في أستراليا.

Australian Centre for Field Robotics

تتطلب إدارة الطيران الفيدرالية بواشنطن العاصمة أن يتقدم مَنْ سيتولُّون تشغيل طائرة دون طيّار بطلب، والحصول على إحدى شهادتي برنامجها البحثي، إذا كانوا يريدون لطائراتهم دون طيّار أن تطير في الأماكن المفتوحة. يحتاج تقديم الطلبات لكثيرٍ من المعلومات، «لتتمكن إدارة الطيران الفيدرالية من تحديد إنْ كان بالإمكان إجراء العملية دون خطر على الطائرات الأخرى أو الناس والممتلكات على الأرض»، حسب ما ورد من مكتب الاتصالات التابع للإدارة. وهذا يعني أن منح التصريح غير مضمون عندما يتعلق الأمر بالطيران في المدن والمناطق المزدحمة الأخرى. وهذه التصريحات محدودة الاستخدام أيضًا ضمن منطقة مساحتها 20 ميلاً مربعًا (حوالي 50 كيلومترًا مربعًا)، لذا.. احتاج فريق جامعة كولورادو بولدر إلى 59 تصريحًا منفصلاً عندما أراد إطلاق «تمبست» لملاحقة العاصفة عبر عدة مساحات من البلاد.

عند الحصول على التصريح، الذي يحتاج استصداره عادة 60 يومًا، يمكن للمجموعة أن تطيِّر طائراتها خلال ساعات النهار في المنطقة المحددة لمدة عام أو اثنين، طالما تقدمت مسبقًا بإرسال إشعار إلى رجال الجو (NOTAM) عن طريق إدارة الطيران الفيدرالية في كل مرة تريد أن تطيّر مركبتها.

وتتطلّب كل رحلة أيضًا وجود طيّار مرخّص. وخلال الرحلة التجريبية التي أجريت في شهر مارس الماضي، كان هذا الطيّار هو ستاهورا نفسه، الذي أمضى معظم وقت الاختبار مُحدّقًا في أزرار التحكم بالطائرة على حاسوبه اللوحي. كما تتطلب إدارة الطيران الفيدرالية أيضا وجود مراقب؛ لمراقبة احتمالات الاصطدام، وكذلك توافر شخص يمكنه رصد إشارات الراديو من المطار المحلي.


تأخير الرحلات

نظر إريك جونسون ـ الذي يَدْرُس الطائرات دون طيّار بجامعة جورجيا في أثينا ـ في القوانين المنظِّمة لعملها بجميع أنحاء العالم، وهو يقول إن «بين دول معاهدة شمال الأطلسي يبدو أن قوانين الولايات المتحدة هي الأسوأ تقريبًا»، لكن طالما لم تقع أي حوادث، فهناك شبه إجماع في الآراء على أن هذه اللوائح ستخفّف. فقانون تحديث وإصلاح إدارة الطيران الفيدرالية ـ الذي أقرّه الكونجرس في العام الماضي (2012) ـ يطالب وزارة النقل الأمريكية بوضع خطة في أواخر عام 2015؛ بغرض «الإدماج الآمن لأنظمة الطائرات دون طيّار ذات الاستخدام المدني ضمن نظام المجال الجوي الوطني».

على نقيض ذلك.. يقول جونسون، تسمح أستراليا وكندا بإجراء معظم أنواع التشغيل لهذه الطائرات، ربما لأن البلدين لديهما كثير من المجال الجوي، وقليل من البيروقراطية. يقول صلاح سُكريّة، الذي يَدْرُس هندسة الروبوتات والأنظمة الذكية بجامعة سيدني في أستراليا، إن ليبرالية الأنظمة في أستراليا تسمح بتوسّع مجال الطائرات دون طيّار، رغم أن التمويل المتاح لها هناك يعادل جزءًا صغيرًا فقط من المتاح للعلماء في الولايات المتحدة.

ورغم تركيز معظم أبحاث الطائرات دون طيّار على تحسين هذه الطائرات ذاتها، إلا أن بعض العلماء وضعوا هذه الأجهزة قيد الاستخدام. ففي مارس الماضي، استخدمت «ناسا» طائرة عسكرية كهربائية صغيرة دون طيّار ـ تدعى «عين التنّين» Dragon Eye ـ لأخذ عيّنات، وتصوير عمود الغازات الضارّة التي ينفثها بركان تُرّيالبا Turrialba قرب سان خوزيه، كوستاريكا. قارَنَ الفريق قياسات غاز ثاني أكسيد الكبريت التي حصلت عليها طائرة «عين التنين» بقياسات القمر الاصطناعي «تيرا» Terra، في محاولة لمعايرة وضبط القراءات الفضائية. كان يمكن أن يكون إرسال طيّار بشري إلى منطقة قريبة من البركان مخاطرة بالغة، نظرًا إلى وجود تيارات صاعدة قوية ورماد قد يسبّب خنق محرّكات الطائرة.

شارك جيمس مَسلانِك ـ خبير الاستشعار عن بُعد في جامعة كولورادو في بولدر ـ في عددٍ من الدراسات التي تستخدم طائرات دون طيّار لقياس مختلف سمات وخصائص الجليد البحري في المناطق القطبية منذ عام 2000. هنا أيضًا، يمكن للطائرات دون طيّار أن تلج مناطق خطرة جدًّا، قد لا تقترب منها الطائرات المأهولة. وفي منطقة القطب الشمالي، يقول مَسلانِك: «نطيِّر هذه الأجسام على ارتفاع 100 قدم فوق سطح الجليد، في رياح سرعتها 80 عقدة، ودرجة حرارة تصل إلى 40 مئوية تحت الصفر».

في الطرف القطبي المقابل، استخدم باحثون ـ بجامعة كولورادو في بولدر ـ طائرات دون طيّار؛ لقياس نفاثات الرياح التي تعصف من أسفل البلاتوه (المسطّح) القطبي الجنوبي نحو خليج تيرا نوڤا. ويمكن لمِثْل هذه القياسات أن تساعد العلماء في فهم ديناميات تَشَكُّل الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية، الذي يكوِّن مياهًا كثيفة الملوحة، تغوص فتساعد على دفع تيارات المحيطات العالمية. يقول مَسلانِك: «لم تكن هناك طائرة خلال فصل الشتاء ـ عندما تكون الرياح في أقصى قوتها ـ لأخذ القياسات، لأن الظروف كانت شديدة التغير». والبيانات التي تم جمعها حتى الآن، حسب مسلانك، تُظهر وتائر رياح معقدة بشكل غير متوقع، وتشمل تيارات موضعية عاتية، تدفع الجليد البحري بعيدًا عن الشاطئ، وتسرّع تشكيله.

بدأ علماء الأحياء أيضًا في استخدام طائرات دون طيّار في عملهم الميداني. ففي الهند، أقدمت مجموعة الصندوق العالمي للحفاظ على الطبيعة (WWF) على استخدام طائرات دون طيّار للبحث عن صيّادي وحيد القرن. كذلك، فإن توم ماكينون، المهندس المتقاعد ومدير شركة «إنڤنت ووركس» InventWorks ـ وهي شركة لتطوير المنتجات في بولدر، كولورادو ـ يقوم بتجهيز طائرات عمودية (مِرْوَحِيّات) ذاتية التشغيل بشبكات لالتقاط النسور المنغولية النادرة؛ ليتسنى للعلماء تزويدها بأجهزة إرسال لدراسة تحركاتها.

على صعيد النبات، طوّر صلاح سكريّة نظامًا يستخدم طائرة دون طيّار ثابتة الجناح وطائرة عمودية جنبًا إلى جنب لتحديد مواقع الأعشاب الضارة في المراعي البعيدة، ورشّها بمبيدات الأعشاب. تقوم عدّة مجموعات بحث بتدريب طائرات دون طيّار على كيفيّة التمييز بين أنواع النباتات، بحيث تتمكن من وضع خرائط للغطاء النباتي. وبدلاً من شراء أجهزة استشعار متطوّرة تضيف وزنًا وكلفة، يعمل فريق سُكريّة على كتابة برمجيات حاسوبية، تتيح لطائرة دون طيّار تعيين مواضع الغطاء النباتي وتصنيفها بمجرد استخدام نظام تحديد المواقع العالمي، وكاميرا، ووحدة قياس القصور الذاتي، مما يوفر بيانات عن موضع الطائرة في الفضاء. وأدى التحدّي المتمثّل في الموازنة أو المفاضلة بين فوائد أجهزة الاستشعار ومشكلات وزنها إلى دفع سُكريّة للتفكير في تصميم أنظمة لطائرات دون طيّار من الصفر، فيتمحور تصميمها حول أداء مهامّ محدّدة، بدلاً من مجرّد إضافة أجهزة استشعار لطائرة جاهزة للاستخدام. يتساءل سكرية: «ماذا لو كانت الأجنحة ذاتها أجهزة استشعار؟».

وبالنسبة إلى الباحثين من غير ذوي الخبرة الهندسية، تقّدم الطائرات دون طيّار المتاحة حاليًا فرصًا كثيرة. فمثلاً، اشترت وكالة حماية البيئة الاسكتلندية طائرة دون طيّار في 2012 من شركة «سنسفلاي» senseFly السويسرية؛ لمسح مصبّات الأنهار بحثًا عن أزهار الطحالب المتكاثرة. وهو أمرٌ يصعب القيام به سيرًا على الأقدام. تقول سوزان ستيفنز، العالِمة في الوكالة: «يمكنك الانخراط في هذا المجال واستخدام التكنولوجيا، دون أن تكون خبيرًا بها».

ومع ذلك.. تأتي أفضل النتائج مع الخبرة. فمع انتهاء فريق جامعة كولورادو في بولدر من اختبار «تمبست»، يضع جيمس ماك ـ خبير الأنظمة الذي كان مجرّد هاوٍ للطائرات دون طيّار قبل انضمامه إلى فريق البحث ـ هذه الطائرة دون طيّار برفق على بطنها في رقعة من العشب القصير، ثم يلتقطها بيد واحدة؛ ليعيدها إلى الشاحنة.

استرخى الجميع، بعد أن أمضوا معظم وقت الطيران التجريبي الذي استمر 40 دقيقة، وهم يقومون بما يتجاوز قليلاً مجرّد مراقبة «تمبست»، والاستمتاع بيوم ربيعي. إذا كان هذا هو مستقبل البحوث الميدانية، فإنه يبدو يسيرًا جدًّا. يُقِرّ ستاهورا قائلًا: «إذا سار كل شيء على ما يرام، فسيكون الأمر مملاًّ نوعًا ما، وذلك لأنه ذاتي التشغيل، أليس كذلك؟»