رؤية كونية

استعد للتسريب المعلوماتي الكبير عن الجينوم

يقول ستيفن إ. برينر: «إنّ الأمر ليس سوى مسألة وقت، حتى تتسبب المثالية في إصدار البيانات الجينية السِّرِّيَّة عن المشاركين في الدراسات».

ستيفن إ. برينر
  • Published online:

Jim Block Photography

قد يكتشف معظم الأفراد في الولايات المتحدة قريبًا أنهم يعرفون شخصًا تم الاحتفاظ بالجينوم الخاص به في قاعدة بيانات بحثية، إذ تتنامى المخاوف حيال قدرتنا على التحكم بشكل مناسب في الوصول إلى هذه المعلومات. كما تنامَى لدى بعض العلماء شعور بأنّ تقييد الوصول إلى بيانات الجينوم يؤدي إلى تقييد العمل البحثي. فما المدة التي ستمر حتى يقوم باحث مثالي ورفيع المستوى ـ من الناحية التقنية ـ بإصدار عام لمعلومات الجينوم والسمات تحت عنوان (العلم متاح الوصول إليه)؟

بدأت حركات المعلومات المتوفرة للجميع والبرمجيات مفتوحة المصدر على أيدي مثاليين. ويبدو من المحتَّم حدوث تسريب كبير لمعلومات الجينوم في المستقبل القريب. ومن الآن، يجب أن يدرس العلماء الفرادى والمؤسسات والمموِّلون كيف ستكون ردود أفعالهم عندما يحدث ذلك.

تجمع بعض الدراسات البيانات الجينية لأكثر من 50000 شخص بالفعل في تحليل واحد. وعلى الرغم من افتراض وجود حماية مشددة لهذه المعلومات، فلقد تم توزيعها على عديد من المؤسسات التي لديها معايير غير متماسكة للأمان والخصوصية. وبالفعل، غالبًا ما تنتقل حماية البيانات إلى العلماء الفرادى. وفور حدوث التسريب، يصبح احتواء هذه البيانات من المستحيل تقريبًا.

ما الضرر الذي قد ينشأ عن تسريب بيانات شخصية وجينومية؟ تقدم لنا استمارة الإذن لـ«مشروع الجينوم الشخصي» PGP ـ التي لا تقوم بأدنى محاولة للاحتفاظ بالمعلومات الجينية بشكل سري ـ دليلًا عن هذا الأمر؛ حيث تدرج الاستمارة مجموعة من العواقب السلبية، من اكتشاف عدم الأبوة، حتى التلبس أثناء وضع حمض نووي مصنَّع في مسرح جريمة.

يتم تجهيل معظم بيانات الجينوم في الأبحاث، ولكن مع أخذ تطور عملية إعادة التعريف وقواعد البيانات الجينية التجارية في الاعتبار، هل ستظل هذه البيانات مجهولة؟ من المحتمل بدرجة كبيرة أن تكشف البيانات الجينومية المعرَّفة عن حالات صحية ذات صلة بالدراسة التي جُمعت من أجلها. وقد تكون النتائج غير مريحة، ولكن يُحتمل أن تكشف عن معلومات أقل من بحث على موقع "جوجل" مثلًا. وحتى الآن، لم يتعرض أي مشارك في «مشروع الجينوم الشخصي» ـ قام بإصدار معلومات عن الجينوم والسمات ـ لأي عواقب سلبية تم الإبلاغ عنها لمجلس المراجعة المؤسسي. وعلى المدى الطويل، قد يرتفع احتمال الضرر مع زيادة فهمنا للتنوع الجيني.

هناك أيضًا الاحتجاج العام الذي قد ينتج عن التسريب الجينومي؛ إذ غالبًا ما يكون لدى الجماهير إدراك مبالَغ فيه عن الروابط بين الجينات والسمات الشخصية. ومع الافتقار إلى المعلومات الموضوعة في سياقها السليم، قد يتساءل المشاركون عما إذا تم تسريب معلوماتهم الجينومية الخاصة، ويفزعون من عواقب وخيمة غير قابلة للتصديق.

لذا.. قد يؤدي التسريب الجينومي إلى رد فعل عنيف. وقد ينسحب المتطوعون من الدراسات البحثية ويرفضون الانضمام إلى دراسات أخرى. وقد يصبح العمل البحثي عُرضةً لقيود الإيقاف أو سحب التمويل. قد يكون الضرر اللاحق بالأبحاث الجينية هائلًا، وقد يشعر المشاركون في الدراسات بعدم الاستقرار.

ما الذي يمكن فعله؟ هناك خياران متناقضان ينطويان على بساطة جذابة. يتمثل الأول في نص المشاريع البحثية على إصدار بيانات غير مقيدة من البداية. ويجب عرض هذا الخيار بشكل أكثر اتساعًا بسبب التأكد من جدواه والمزايا البحثية التي يوفرها. ومع ذلك..هل سيرضى أفراد كثيرون بمشاركة ذلك بشكل مفتوح لهذه الدرجة؟ يتمثل الخيار الثاني في حفظ المعلومات الجينومية بسرية شديدة، بحيث تكاد تكون سرقتها مستحيلة؛ من خلال السماح بعمليات التحليل على أجهزة كمبيوتر مركزية، عن طريق واجهات مقيدة على سبيل المثال. وعلى الرغم من فائدته كبديل، قد يضع هذا النظام العقبات في طريق العمل البحثي في حالة تحوُّله إلى وسيلة حصرية للوصول إلى البيانات، ولكنه يظل قابلًا للاختراق بطرق بارعة؛ للاستيلاء على معلومات جينية غير مناسبة.

لا يُعَدّ أي من الخيارين قابلًا للتنفيذ بشكل شامل.. ما يعني أن السؤال غير متعلق بكيفية منع التسريب، ولكنه متعلق بكيفية الحد من آثاره. ويتطلب ذلك بعض الخطوات المحددة، بالإضافة إلى ملاءمة المفاهيم المستخدمة بالفعل في أماكن أخرى في الأبحاث البيولوجية، وفي تطبيق المبادئ المقترحة بواسطة مجموعات مثل «اللجنة الرئاسية لدراسة المشكلات الأخلاقية المتعلقة بعلم الأحياء في واشنطن العاصمة».

ويجب أن يطوِّر المموِّلون آليات سريعة لإبلاغ المشاركين في الدراسات والحكومات ووسائل الإعلام عند حدوث تسريبات، وتوفير إرشاد وافٍ عن مدى العواقب المحتملة لمن يتأثرون بها. وقد يتطلب ذلك إعادة الاتصال بالمشاركين في البحث؛ لتحذير مَن تم تسريب بياناته منهم، وطمأنة الآخرين ـ الذين ظلت بياناتهم آمنة ـ بشكل ضمني. ويتطلب الأمر المزيد من البحث عن الضرر المحتمل لمثل هذه التسريبات؛ من أجل تحسين إبلاغ المشاركين في الأبحاث، وحمايتهم قبل حدوث التسريب وبعده.

كما يجب علينا القيام بخطوات لتقليل تكرار وحجم التسريبات الجينومية المستقبلية. ويمكن للمؤسسات إعداد بروتوكولات ومراجعات موحدة لضمان سلامة البيانات الجينومية المحميَّة. ويجب تدريب جميع الباحثين ـ الذين يستخدمون بيانات جينومية مقيدة ـ على الأخلاقيات والتقنيات المرتبطة بحماية البيانات البشرية. ويجب نشر استراتيجيات تقنية وقانونية على نحو استباقي؛ للمساعدة في الحد من إفشاء البيانات المسرَّبة إلى مَن يسعون لاقتناصها خلسة.

بإمكان الحماية القانونية المعزَّزة التقليل من الضرر الناتج عن الاستخدام غير المناسب لمثل هذه البيانات. وفي الوقت نفسه، نحتاج إلى معالجة المأزق المتمثل في أنّ الأبحاث المشتملة على بيانات مسرَّبة قد تسرع من التقدم العلمي الفوري دون شك، ولكن هل يجوز للعلماء استغلالها؟

والأهم من ذلك.. يجب أن نضمن أن المناقشة الضرورية حيال مخاطر التسريب الجينومي قد تمت موازنتها بمعلومات عن المزايا الهائلة التي توفرها المعلومات الجينية المجموعة لنا جميعًا. وعلى الرغم من أنّ سرعة ووعود علم الجينوم تجعل من التسريبات أمرًا حتميًّا، فإنها تضمن التقدم الطبي أيضًا.