عمود

ما اجْتَزْتُهُ لكي أصبح عالِمًا

توماس م. سكوفيلد يشرح بالتفصيل المراحل التي مر بها في مساره؛ للوصول إلى مهنة البحث العلمي.

توماس م. سكوفيلد
  • Published online:

BERTOLD WERKMANN/SHUTTERSTOCK


علمتُ رغبتي في أنْ أصبح عالِمًا، عندما أدركتُ أنّ العِلْم لا يتعلق بالحقيقة. أعرف أن هذه الجملة تحتاج إلى بعض التوضيح، وقد يكون مُجْدِيًا أن أخبركم كيف توصلتُ إلى هذا الإدراك. ليس هناك شيء مميز بشكل خاص في قصتي، إلّا ـ ربما ـ كيف بَدَأَتْ.

في أوائل الألفية الثالثة، كنتُ في عملي في شركة للتوظيف في لندن، عندما تلقيتُ اتصالًا هاتفيًّا. لقد كانت أمي: قالت لي إنّ أختي أصيبت بنزف دماغي، وإنها في حالة صحية حرجة. هرعتُ إلى البيت، وحزمتُ حقيبةً، وركبتُ القطار إلى المستشفى. ووصلتُ إلى هناك في الوقت الذي خرجتْ فيه أختي من حجرة الجراحة. قال الأطباء إن حالتها سيئة. وكانت العملية الجراحية معقدة، ولم تكن هناك طريقة لمعرفة ما إذا كانت ستفيق، أم لا. ظلَّتْ هكذا.. ولم تستعد وَعْيَها إلا بعد مرور عدة أيام.

بقيتُ في المستشفى طوال الوقت، وجلست بجوار سريرها طوال الليل والنهار. كنتُ أعلم أني لا أفعل أيّ شيء مفيد، ولكني لم أتمكن من النوم، فقد بدت غرفة المستشفى كمكان ملائم لأبقى فيه مستيقظًا، تمامًا كغيرها من الأماكن. قضيتُ معظم الوقت أفكر. كنتُ منزعجًا.. لماذا لا يستطيع أحد إخبارنا بما يجري؟ افترضتُ أن بعض الأشخاص في مكانٍ ما يعرفون الكثير عن الدماغ، وكيف يعمل. وظننتُ أن المشكلة لا بد أنْ تكون لها صلة بتوزيع المعلومات المتعلقة بالأمر؛ فلو كان هناك المزيد من أطباء الجهاز العصبي والأخصائيين النفسيين، فقد يمكن عمل المزيد للمرضى. لقد بدا لي أن الوظيفة التي كنتُ أشتغل بها لخمس سنوات لم تكن بدرجة الأهمية نفسها لهذا النوع من الطموح. كنتُ أكسب أموالًا كافية، لكنني كنتُ قد بدأت أشعر أن العمل مكرّرٌ ومُمِلّ. والآن، بدأتُ أشعر أنه بالأحرى أمرٌ لا طائل منه لكي أظل أفعله طوال حياتي.


تغيير مسار

بدأتْ أختي في التحسن، وبعد حوالي أسبوعين سُمح لها بالعودة إلى المنزل. عدتُ إلى ممارسة حياتي العادية في لندن، شاعرًا بالارتياح، لكن مصمِّمًا... فقد قررتُ الحصول على درجة الماجستير في علم النفس العصبي؛ بهدف أن أصبح اختصاصيًّا في علم النفس الإكلينيكي، لكنني لم أصبح كذلك، بل أصبحتُ ـ بالصُّدفة ـ مجرد عالِم. كيف حدث ذلك؟

هناك أربع مراحل مررتُ بها لأصبح عالما، وأنا أذكرها جميعًا.

كبداية، تحتاج ببساطة إلى شخص على عِلْم بالأمور؛ ليخبرك بالحقيقة. تقرأ الكتب الدراسية، وتحضر المحاضرات، وترهبك ضخامة الأمر برمّته، لكنْ تذهل من دقة تناغم الأشياء مع بعضها. تقوم بعمل عدة تجارب بسيطة في المختبر، وتحصل على النتائج المتوقعة تمامًا. ويبدو أن هناك إجابات لكل أسئلتك، وتشعر بأنك إذا قرأتَ كَمًّا كافيًا من الكتب الدراسية، وحضرتَ عددًا كافيًا من المحاضرات؛ فإنك ستفهم الكثير مما تحاول أن تفهمه. هذه هي المرحلة التي كنتُ فيها عندما أنهيت درجة البكالريوس، وهي التي كنتُ أتوقع أن أجدها عندما عُدْتُ لدراسة الماجستير.


قصص متضاربة

تبدأ المرحلة الثانية عندما تدرك أن العلماء دائمًا ما يختلفون مع بعضهم البعض حول ما هو الصحيح. هذه المرحلة مُرْبِكَة، والسبب في حدوثها هو أَخْذ مهمة كتابة المقالات والأوراق البحثية على محمل الجدّ. وبشكل نمطي، سوف تُعطى سؤالًا على غرار «ما هي الوظيفة التي تقوم بها منطقة بروكا في الدماغ؟» وللإجابة عليه، تبدأ بقراءة ورقة بحثية طويلة، أعدها البروفيسور (س)، الذي يعرض نظريته بتفاصيل مقنعة؛ فتجد نفسك تفكر: «بالطبع، لكم هي واضحة. إنها مُحْكَمة البناء والصياغة. كيف يمكن لأحد أن يعتقد خلاف ذلك؟» ثم تقوم بقراءة ورقة نقدية بالطول نفسه وبالتفصيل، أعدّها البروفيسور (ص) الذي يتبنّى وجهة نظر معاكسة؛ فتفكر قائلًا: «البروفيسور (ص) يعرض بعض النقاط الجيدة جدًّا. ربما البروفيسور (س) لا يفهم ما يتحدث عنه». ومن ثم تذهب إلى البروفيسور (ع)؛ فتلتبس عليك الأمور تمامًا. لا بد أن أحدهم يقول الحقيقة، لكنْ أيُّهُم؟ فتقوم أنت بكتابة مقالك، لتصف فيه النظريات المتناقضة لـ(س)، و(ص)، و(ع)، وتصل إلى استنتاج مفاده أنّ «الرأي مقسَّم، والمزيد من البحث ضروري». وهذه هي المرحلة التي كنتُ فيها عندما أنهيت درجة الماجستير. قررت أنه ربما بإمكاني أن أقوم ببعض من هذا البحث، لذلك بدأت دراسة الدكتوراة.

المرحلة الثالثة في طريقي لكي أصبح عالمًا بدأتُ بإدراك أنه لا أحد يعرف الحقيقة. وهذه المرحلة مرعبة قطعًا، والسبب في حدوثها هو إجراء البحث العلمي. عندما بدأتُ في إجراء تجارب حقيقية وجمع البيانات، واختبار أفكاري بالمقابلة مع هذه البيانات، بدأتُ أدرك أن الأمور ليست واضحة المعالم تمامًا، وليست كما كانت تبدو في الأوراق البحثية التي كنت أقرأها. في بعض الأحيان لم تسر الأمور بالشكل الذي توقعَتْه أيٌّ من النظريات التي أعرفها. ودائمًا ما كان هناك شيء لا يمكن تفسيره. لقد وجدتُ هذا الأمر مثيرًا للقلق؛ وبدأت أشكُّ في نتائجي.. لكن لحسن الحظ، كان مشرفي شخصًا مُؤازِرًا للغاية.

عندما تبدأ في الاشتغال بالعلوم على مستوى الدكتوراة، تشرع في العمل مع علماء حقيقيين، وبناء علاقات اجتماعية معهم. وأحيانًا يكون هؤلاء العلماء هم ذاتهم الذين كتبوا الأوراق البحثية التي أبهرتك للغاية خلال دراساتك. وريثما تصبح عالمًا محترفًا، ففي الغالب يَسْعَد أولئك الناس بإطلاعك على سر المهنة المهم، ألا وهو: ليس هناك في الواقع مَنْ هو متأكِّد من أيّ شيء. إنّ ورقة البحث العلمية هي مجرد وجه واحد مقطوع ومصقول من حجر كبير وقبيح. فخَلْف الرسوم البيانية والمناقشات الذكية تكمن كتلة من الشكوك المتشابكة والتخمينات والأمور الشاذة. وسَحْب أيّ خيط مفكوك يكون ـ في الغالب ـ أمرًا كافيًا لجعل الورقة البحثية تفقد شكلها، لكن أهم شيء علّمني إياه مشرفي هو أنّ هذا ليس أمرًا سيئًا.


أفضل، وأفضل

بعض العلماء محظوظون بقدر كافٍ بمرورهم عبر مرحلة رابعة. وهي تأتي عندما تدرك أن العلم لا يدور إطلاقا حول إيجاد الحقيقة، ولكن حول إيجاد طرق أفضل للخطأ. وأفضل نظرية علمية ليست هي تلك التي تكشف الحقيقة، فهذا مستحيل، بل هي تلك التي تشرح ما نعرفه بالفعل حول العالم في أبسط طريقة ممكنة، والتي تعرض توقعات مفيدة حول المستقبل. وعندما تقبّلتُ فكرة أنني سأكون دائمًا مخطئًا، وأنّ النظريات المفضلة لديَّ حتمًا مقدَّر لها أن تُستبدَل بنظريات أخرى أفضل؛ عندها عرفتُ حقًّا أنني أريد أن أكون عالمًا.

لا يمكن لنظريةٍ أن تتسم بالكمال.. فأحسن أحوالها هي أن تكون أفضل من النظرية التي سبقتها. إنني أريد أنْ أجيء بنظريات أفضل عن كيفية عمل الدماغ. وإذا ما استطعت أن أفعل ذلك؛ فبالتالي هناك شخص آخر بإمكانه استخدام أفكاري؛ للتوصل إلى شيء ما أفضل منها.

وبتَحَسُّن النظريات.. نصبح قادرين على صياغة توقعات أكثر فائدة حول كيفية سَيْر الأمور في العالم الواقعي. ومن هذه التوقعات، بإمكاننا تطوير علاجات أفضل. وأتمنى أنْ أكون جزءًا من هذا التدرج. وهذا يعني أنني إذا ما كنتُ محظوظًا، فسوف أقضي بقية حياتي في استكشاف أشياء جديدة، قد لا أستطيع شرحها مطلقًا.

إن اهتمامي بالدماغ هو اهتمام عَملِيٌّ، وليس فضوليًّا. إنني لم أُرِد أبدًا أن أكون عالِمًا، ولكنني في النهاية أصبحتُ واحدًا من العلماء، لأنني كنت مضطرًّا إلى ذلك.