أنباء وآراء

الخلايا الجذعية: استنساخ الأَجِنَّة البشرية

أخيرًا تم توليد الخلايا الجذعية البشرية بواسطة تقنية النقل النووي للخلايا الجسدية. سيتيح إجراء أبحاث أكثر على مثل هذه الخلايا تبصرًا أفضل بطرق تحسين إنتاج الخلايا الجذعية بواسطة إعادة البرمجة.

  • كريستين ممري
  • برنارد رويلِن
  • Published online:

أحدث مولد النعجة المستنسخة دولّي Dolly سنة 1996 إثارة عظيمة في أوساط الباحثين. فهي أول كائن ثديي مستنسخ1 تُخُلِّق بواسطة حقن نواة خلية جسدية (غير جرثومية) في بويضة بعد نزع حمضها النووي الجينومي، ثم نقل الجنين الناتج إلى أم حاضنة. أحد تضمينات هذا الانجاز كان إمكانية استخدام أجنة مستنسخة بطريقة مماثلة؛ لإنتاج خلايا جذعية مطابقة جينيًّا لخلايا المتبرع الجسدية، بحيث إذا تم نقل هذه الخلايا الجذعية ـ أو خلايا أو أنسجة مشتقة منها ـ إلى جسم المتبرع بغرض العلاج، فلن يرفضها جهازه المناعي. في السنوات التالية، استخدمت تقنية نقل نوى الخلايا الجسدية (SCNT) هذه بنجاح لإنتاج خلايا جذعية من أجنة مستنسخة للفئران2,3، لكن كل المحاولات المماثلة لإنتاج خلايا جذعية من أجنة بشرية مستنسخة فشلت، وذلك حتى نَشَرَ تاشيبانا وزملاؤه4 دراستهم بمجلة «الخلية». 

والدراسة جديرة بالملاحظة لعدة أسباب. أولاً، تشرح الدراسة لماذا فشلت كل المحاولات السابقة لاستنساخ أجنة بشرية. البويضة البشرية (الخلية البيضية) ـ وكذلك بويضات معظم الثدييات ـ تُطلَق من المبيض عند مرحلة الطور البَيْني الثاني metaphaseII من انقسام الخلية الاختزالي (الانتصافي). تستأنف الخلية انقسامها الاختزالي وتكمله بعد أن تُلقّح فقط. وإزالة مغزل الانقسام الاختزالي ـ وهو البنية الخلوية الضامنة للتوزيع العادل للكروموزومات بين الخلايا المنقسمة ـ جزء مكمل من عملية نقل نوى الخلايا الجسدية. أدرك تاشيبانا ورفاقه أن هذا يُحدِث اكتمالاً غير ناضج للانقسام الاختزالي المنصِّف في البويضات البشرية وفقدانًا لاحقًا لقدرتها على إعادة برمجة الخلايا الجسدية إلى خلايا متعددة القدرات، مما يتيح لها أن تتمايز إلى كافة أنواع الخلايا بالجسم. وإضافة الكافيين إلى وسط استنبات الخلايا أبطأ عملية اكتمال الانقسام الاختزالي المنصف بشكل حاسم، مؤكدًا بذلك نجاح طريقة الباحثين.

كذلك، أظهرت الدراسة أن المُضَغ أو حوصلات نشوء الأرومة blastocysts ـ وهي الأجنة المكونة من 100 خلية تقريبًا ـ المُنتَجة باستخدام بروتوكول تقنية نقل نوى الخلايا الجسدية المعدّل هذا كانت سليمة بما يكفي لاستخدامها لتوليد خلايا جذعية جنينية مطابقة جينيًّا لنوى المتبرع. والجدير بالذكر أن الباحثين تمكنوا من إنتاج هذه الخلايا الجذعية الجنينية بتقنية نقل النوى باستخدام نوى، ليست فقط من خلايا أجنة، بل ومن خلايا مواليد. لذلك.. يمكن استخدام هذا النهج لتخليق نماذج خليوية لمرض جيني قد يحمله المتبرع بالخلية الجسدية.

وينبغي الاحتفاء بهذه الإنجازات التقنية التي كافح الباحثون حول العالم عقدًا من الزمن لبلوغها. ورغم ذلك.. ثبّط التقدم الموازي الذي اُنجز بمجال أبحاث الخلايا الجذعية ـ بشكل ما ـ الإثارة التي كانت ستتلقاها دراسة تاشيبانا وزملائه. ربما كانت ستماثل الإثارة نفسها التي ولّدها منذ تسع سنوات نشر تقرير وو سوك حول نتائج مشابهة، قبل اكتشاف تزوير البيانات المنشورة5

في رأينا، في عام 2006 كان اكتشاف6 أن الخلايا الناضجة المتمايزة يمكن إعادة برمجتها مباشرة لحالة مشابهة للخلايا الجذعية ـ تسمى الخلايا الجذعية المـستحثة متعددة القدرات (iPS) ـ اختراقًا أكثر أهمية بهذا المجال البحثي. فالخلايا الجذعية المـستحثة متعددة القدرات المولّدة بإدخال أربعة عوامل نسخ في الخلايا المتمايزة لفرد ما دون الحاجة إلى الخطوة الحساسة أخلاقيًّا، أي تخليق أجنة وسيطة من بويضات (الشكل 1). وفي الواقع، تُنتج مختبرات كثيرة حاليًا خلايا جذعية مـستحثة متعددة القدرات من المرضى، متجاوزين بذلك معوقات كثيرة ـ عملية وتنظيمية ـ ترتبط بالحصول على بويضات بشرية. 

<div><br></div><p><b>الشكل 1 | توليد الخلايا الجذعية متعددة القدرات مخبريًّا. أ</b>، أظهر تاشيبانا وزملاؤه<sup><a href="#ref4">4</a></sup>&nbsp;أن الخلايا الجذعية الجنينية البشرية يمكن توليدها بواسطة تقنية «نقل نوى الخلايا الجسدية». قام الباحثون بنزع المغزل الاختزالي (الانتصافي) من خلية بويضة توقفت عند مرحلة الطور البيني الثاني metaphaseII من الانقسام الاختزالي للخلية، ثم حُضنت خلية البويضة باستخدام الكافيين؛ لمنع الاكتمال غير الناضج للانقسام الاختزالي المُنصِّف. ومن ثم أدخلوا خلية جسدية في بويضة منزوعة النواة. أعقب ذلك تنشيط للبويضة، وإعادة برمجة خلوية، مُنْتِجَةً بذلك حوصلات أرومية (مُضَغًا) اشتُـقت منها خلايا جذعية جنينية (SCNT-ES). <b>ب</b>، بالمقارنة، توليد خلايا جذعية مـستحثة متعددة القدرات (iPS) يتضمن إدخال أربعة عوامل نسخ متعلقة بتعدد القدرات في خلية متمايزة (ناضجة)؛ لاستحثاث إعادة برمجتها مباشرة.</p>


الشكل 1 | توليد الخلايا الجذعية متعددة القدرات مخبريًّا. أ، أظهر تاشيبانا وزملاؤه4 أن الخلايا الجذعية الجنينية البشرية يمكن توليدها بواسطة تقنية «نقل نوى الخلايا الجسدية». قام الباحثون بنزع المغزل الاختزالي (الانتصافي) من خلية بويضة توقفت عند مرحلة الطور البيني الثاني metaphaseII من الانقسام الاختزالي للخلية، ثم حُضنت خلية البويضة باستخدام الكافيين؛ لمنع الاكتمال غير الناضج للانقسام الاختزالي المُنصِّف. ومن ثم أدخلوا خلية جسدية في بويضة منزوعة النواة. أعقب ذلك تنشيط للبويضة، وإعادة برمجة خلوية، مُنْتِجَةً بذلك حوصلات أرومية (مُضَغًا) اشتُـقت منها خلايا جذعية جنينية (SCNT-ES). ب، بالمقارنة، توليد خلايا جذعية مـستحثة متعددة القدرات (iPS) يتضمن إدخال أربعة عوامل نسخ متعلقة بتعدد القدرات في خلية متمايزة (ناضجة)؛ لاستحثاث إعادة برمجتها مباشرة.


والسؤال المحيّر حاليًا هو: إلى أي مدى يصل تشابه الخلايا الجذعية المـستحثة متعددة القدرات (iPS) بالخلايا الجذعية الجنينية الناجمة عن تقنية نقل نوى الخلايا الجسدية إلى بويضات بعد نزع حمضها النووي الجينومي (SCNT-ES)؟ هناك فرق واحد ظاهر مباشرةً. في الخلايا الجذعية المـستحثة متعددة القدرات، تأتي المُتَقَدّرات أو الميتوكوندريا (عُضّيات داخل الخلية تنتج لها الطاقة) ـ وكل العُضيّات الأخرى ـ من خلية المتبرع. أما في الخلية الجذعية الجنينية، فتستمد المُتَقَدّرات من البويضة، وليس من المتبرع بالنواة. وبعيدًا عن النواة، فإن المُتَقَدّرات هي العضيات الوحيدة التي تحوي حمضًا نوويًّا يشفِّر (يرمِّز) عشرة جينات تقريبًا. هذا يعني أن الخلايا الجذعية الجنينية المولدة بتقنية نقل النوى (SCNT-ES) قد تُثير الجهاز المناعي للشخص الذي عُولج ظاهريًّا بخلاياه الجذعية الجنينية، وتسبب بذلك رفضها. 

من ناحية أخرى.. هذا يجعل هذه الخلايا ملائمة لدراسة أمراض المُتَقَدّرة ـ الناشئة عن اعتلال المُتَقَدّرات ـ وتُورَّث من الأم (فالجنين يرث المُتَقَدّرات من أمه حصرًا). ولتخليق خلايا جذعية جنينية (SCNT-ES) لهذه الأمراض، استخدم تاشيبانا وزملاؤه نوى من خلايا مرضى مصابين بـ«متلازمة ليه» Leigh (اضطراب تسببه طفرات في جينات المُتَقَدّرات). ولأن المُتَقَدّرات في الخلايا الجذعية الجنينية أتت من البويضة، فلن تحمل هذه الخلايا الطفرة الجينية نفسها، ولن تقدم نموذجًا لدراسة «متلازمة ليه». على أي حال، تُعد الخلايا المتولدة إثباتًا لمبدأ إمكانية استخدام خلايا جسدية ناضجة في تقنية نقل نوى الخلايا الجسدية البشرية.

تُظْهِر دراسة تاشيبانا وزملائه أن الخلايا الجذعية الجنينية التي أنتجوها تنطبق عليها صفات تعدد القدرات الرئيسة: فبإمكانها التمايز مخبريًّا (النضوج الوظيفي والبنيوي)؛ وتعبر عن جينات تعدد القدرات؛ وعندما تُحقن في فأر ضعيف مناعيًّا، تُشكِل ورمًا مسخيًّا teratoma (نوع من الأورام يحوي أنواع خلايا مختلفة كثيرة)، لكن خصائص أخرى لهذه الخلايا لم تُستكشف بشكل واسع.

وبرغم أن الخلايا الجذعية البشرية المـستحثة متعددة القدرات معروفة بتجميعها لطفرات جينية بدون العناية الضرورية7، لكنها إجمالاً مشابهة جدًّا للخلايا الجذعية الجنينية المشتقة من أجنة بشرية طبيعية «فائضة»، تكونت بمعالجة التخصيب في أنابيب الاختبار (IVF)، وهي مستقرة على المدى البعيد جينيًّا ولا جينيًّا تحت ظروف استنبات حذرة8. لم يقارن تاشيبانا وزملاؤه ـ على أي حال ـ فاعلية الخلايا الجذعية الجنينية المنتجة بتقنية نقل نوى الخلايا الجسدية (SCNT-ES) بالخلايا الجذعية الجنينية المخصبة مخبريًّا (IVF) وبالخلاياالجذعية المـستحثة متعددة القدرات (iPS) في التمايز ـ وظيفيًّا وبنيويًّا في المختبر ـ تحت ظروف مثالية. وليس من الواضح بقاء الخلايا الجذعية المنتجة بتقنية نقل نوى الخلايا الجسدية مستقرة بمرور الوقت. لا شك أن مزيدًا من الأبحاث حول هذه الخطوط سيكون مفيدًا. 

يُعَدّ ما قدمته هذه الدراسة مصدرًا مرجعيًّا ممتازًا. تستغرق إعادة البرمجة المباشرة للخلايا الجذعية البشرية المـستحثة متعددة القدرات (iPS) عدة أسابيع، بينما تستغرق إعادة برمجة الخلايا الجذعية الجنينية المنتجة بتقنية نقل نوى الخلايا الجسدية (SCNT-ES) بضع ساعات بواسطة عوامل طبيعية موجودة في البويضة، وربما تنتج ـ من حيث المبدأ ـ ذرية جديدة. قد تكون المقارنة المباشرة وجهًا لوجه بين أنواع الخلايا المستنسخة في مستنبت ـ لفترة زمنية طويلة ـ حالة مثالية، على الأقل للتعرف على عوامل قد تحسِّن كفاءة وحصيلة عملية إعادة البرمجة المباشرة.

ملاحظة تحذيرية: منذ نشر دراسة تاشيبانا وزملائه، كان هناك نقاش مستمر حول بعض الأخطاء، كاحتمال تكرار بعض الأرقام وسوء توسيمها9. لذلك.. ننتظر بصبر فارغ توكيدًا تجريبيًّا ـ يقوم به علماء آخرون ـ لنتائج تاشيبانا وزملائه، وكذلك نتائج تحقيق تجريه مجلة «الخلية» التي نشرت الدراسة؛ لتحديد كيفية حدوث هذه الأخطاء، وما إذا كانت تؤثر على نتائج الدراسة إجمالاً (لم تنشر نتائج التحقيق حتى أواخر شهر يونيو). ورغم هذه المخاوف، تعتبر النتائج الراهنة تطورًا كبيرًا، خاصّةً لمن يدرسون الاستنساخ البشري والتخصيب المخبري. أما إنْ كانت هذه الدراسة ستغير قواعد لعبة البحث بمجال فهم الأمراض والطب التجديدي واكتشاف الدواء، فهذا أمر قابل للنِّقاش. 

  1. Department of Anatomy and Embryology, Leiden University Medical Centre, Leiden 2300 RC, the Netherlands

    • كريستين ممري,
    • برنارد رويلِن
  2. Department of Farm Animal Health, Faculty of Veterinary Medicine, Utrecht University, Utrecht 3584 CM, the Netherlands

  1. Wilmut, I., Schnieke, A. E., McWhir, J., Kind, A. J. & Campbell, K. H. S. Nature 385, 810–813 (1997).
  2. Munsie, M. J. et al. Curr. Biol. 10, 989–992 (2000).
  3. Wakayama, T. et al. Science 292, 740–743 (2001).
  4. Tachibana, M. et al. Cell http://dx.doi.org/10.1016/j.cell.2013.05.006 (2013).
  5. Cyranoski, D. Nature 439, 122–123 (2006).
  6. Takahashi, K. & Yamanaka, S. Cell 126, 663–676 (2006).
  7. The International Stem Cell Initiative Nature Biotechnol. 29, 1132–1144 (2011).
  8. Yamanaka, S. Cell Stem Cell 10, 678–684 (2012).
  9. Cyranoski, D. & Check Hayden, E. Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature.2013.13060 (2013).