أنباء وآراء

علم الأعصاب الإدراكي: الزمـان، والمكـان، والذاكـرة

تحتوى منطقة الحصين بالدماغ على «خلايا المكان»، التي تُرمِز موقعًا محددًا للحيوان. واكتشاف أن عصبونات الحصين قد تستجيب أيضًا لعامل الزمان قد يتيح معلومات حول ترميز الذكريات العرضية.

  • Published online:

جعل الفيلسوف إيمانويل كانط حياة علماء الأعصاب عسيرة بطرحه للمعضلة التالية: هل يتمثّل الدماغُ الزمانَ والمكانَ ـ باعتبارهما كيانين حقيقيين ـ أم أنه ينتج الزمان والمكان ويفرضهما كمقولتين على العالم الذي نتفاعل معه؟ هناك إشكالية أكثر إملالاً، لكنها مهمة وعملية، حول إنْ كانت هناك آلية مخصصة لحفظ الوقت في الدماغ، تماثل ساعة الحاسوب، أم لا. لقد ظلت منطقة الحصين بالدماغ فترة طويلة يُشتبه في أنها تمثل «مساحة كانط» Kantine space1، لكن في دراستهم المنشورة مؤخرًا بدورية «نيورون»2، تناول كروس وزملاؤه معضلة الوقت بوصف «الخلايا الزمنية»، لكن أين تظنونها؟ في الحصين. ستكون الآثار المحتملة لهذه الاكتشافات بعيدة المدى.

قام الباحثون بتدريب فئران ظمآنة على الركض على "جهاز الركض" لعشرات الثواني مقابل مكافأة من الماء، بينما يقومون بتسجيل نشاط مجموعات خلايا هرمية بحصينات أدمغتها. كان الهدف تمييز العصبونات التي «تتتبع» الوقت المنقضي عن التي تتتبع المسافة المجتازة على جهاز الركض. المسافة، بالطبع، محصلة بسيطة لوقت وسرعة الركض، لكن الباحثين تلاعبوا بالمتغيرات الثلاثة ـ بتغيير سرعة جهاز الركض من اختبار إلى آخر ـ مع دفع الفئران للركض مسافة ثابتة، أو زمنًا ثابتًا لأيام متناوبة. 

كان نشاط أعضاء مجموعة خلايا الحصين—التي سجل لها نشاطها كراوس وزملاؤه— وقتيًا عابرًا ومتعاقبًا، لكي تكون مدة الركض بأكملها ممثلة بالتساوي بواسطة النشاط العصبي ضمن هذا التجمع من الخلايا. باستخدام أساليب النماذج الإحصائية والحسابية المثالية، قيّم الباحثون إسهام أثر كل من الوقت المنقضي والمسافة المجتازة في أنماط النشاط لكل عصبون مسجل نشاطه. 

في موافقة لدراسات سابقة3,4، استجابت معظم الخلايا المسجل نشاطها لمزيج متلازم من الوقت والمسافة، غير أن أقلية من الخلايا (لا تزال أعضاء بالتوزيع الواسع لبعد الزمن والمسافة) كانت بشكل رئيس تحت سيطرة عامل الوقت المنقضي على جهاز الركض، بينما ارتبط نشاط جزء صغير مماثل من الخلايا بعامل المسافة بشكل متميز. أقرّ كروس وزملاؤه بـ«استحالة فصل الوقت عن المسافة بشكل كامل». برغم ذلك، فسروا تلك النتائج لصالح آلية مخصصة تقوم فيها هذه المجموعة الصغيرة من «الخلايا الزمنية» بتتبع مسار الوقت. تتباين هذه الآلية عن تلك المسؤولة عن تكامل المسار، حيث تتكامل المسافات والاتجاهات التي يسلكها الحيوان بمساعدة تجمعات assemblies الخلايا المتطوّرة. 

نشاط الخلايا الزمنية وتكامل المسار أثناء الإبحار ليسا سوى جزء من قصة الحصين. فهذه البنية التشريحية تمثل أيضا «محرك البحث» المقيم، الذي يتيح لنا الإبحار في «فضاء العقل» عند استحضار ذكريات أو التخطيط لأفعال مقبلة5. يرى كروس وزملاؤه أن الخلايا الزمنية التي تعرفوا عليها تمثل قطعة رئيسة مفقودة من الذاكرة العرَضية—طويلة الأمد—التي تمكننا من تذكر أحداث وخبرات محددة، لأن مثل هذه الذكريات تندرج في سياق مكاني زماني. ولتدقيق هذا التفسير، من المفيد النظر في عمليات الدماغ بسياق أوسع.

إنّ العقول أجهزة تنبؤية تثبت حقيقة أنّ التواتر صفة أساسية للعالم من حولنا. الخبرة والذاكرة تتيحان استحضار مواقف متماثلة واتخاذ إجراءات سابقة الفعالية. في الدوائر العصبية البسيطة، كالتي لدى اللافقاريات، يمكن لإشارات من البيئة أو الجسم إطلاق استجابات مناسبة (مكتسبة بالتعلم) ضمن نافذة زمنية قصيرة نسبيًّا (الشكل 1). مع تزايد التعقّد العضوي، تتم إضافة حلقات متزايدة من الشبكات العصبية إلى الدائرة الأساسية لتحسين التنبؤ بالأحداث الأكثر تعقيدًا والأحداث ذات الانفصال الزمني الأطول بين إشارات المدخلات والاستجابات. بعد تدريب كاف، تستطيع الحلقات الطويلة للأدمغة الأكبر الاستغناء عن الاعتماد على منبهات خارجية بمعالجة احتمالات الأحداث الخارجية ونتائجها الراجحة داخليا. فض الاشتباك هذا شرط ضروري لعملية الإدراك6.

<p><b>الشكل 1 | تجمعات خلوية خارجية الدفع، وأخرى ذاتية التنظيم تتتبّع الوقت.</b> <b>أ</b>، أدمغة بسيطة تطوريًّا، تحوي شبكات عصبية بسيطة. تنشِط المدخلاتُ الحسية من الجسم والبيئة عصبونات المدخلات، التي تتفاعل مع عصبونات المخرجات لإنشاء ردود أفعال انعكاسية مناسبة في نافذة زمن قصيرة. <b>ب</b>، في الأدمغة الأكثر تعقيدًا، تقوم حلقات عديدة متفاعلة ذات أطوال متزايدة بتحسين التنبؤ بأحداث أكثر تفصيلًا تحدث في مقاييس زمنية أطول. <b>ج</b>، بعد تدريب مكثف، تستطيع الحلقات الحفاظ على متتابعات عصبية طويلة الأمد، ذاتية التنظيم، دون اعتماد على منبهات خارجية؛ وبالتالي، يمكنها دعم عمليات إدراكية، كالذاكرة، والتخطيط، والتخيُّل. ويرتبط اضطراد العمليات العصبية بالوقت المنقضي (الأسهم الخضراء)، بغض النظر عما إذا كانت العمليات مدفوعة خارجيًّا، أو داخليًّا.</p><div><br></div>

الشكل 1 | تجمعات خلوية خارجية الدفع، وأخرى ذاتية التنظيم تتتبّع الوقت. أ، أدمغة بسيطة تطوريًّا، تحوي شبكات عصبية بسيطة. تنشِط المدخلاتُ الحسية من الجسم والبيئة عصبونات المدخلات، التي تتفاعل مع عصبونات المخرجات لإنشاء ردود أفعال انعكاسية مناسبة في نافذة زمن قصيرة. ب، في الأدمغة الأكثر تعقيدًا، تقوم حلقات عديدة متفاعلة ذات أطوال متزايدة بتحسين التنبؤ بأحداث أكثر تفصيلًا تحدث في مقاييس زمنية أطول. ج، بعد تدريب مكثف، تستطيع الحلقات الحفاظ على متتابعات عصبية طويلة الأمد، ذاتية التنظيم، دون اعتماد على منبهات خارجية؛ وبالتالي، يمكنها دعم عمليات إدراكية، كالذاكرة، والتخطيط، والتخيُّل. ويرتبط اضطراد العمليات العصبية بالوقت المنقضي (الأسهم الخضراء)، بغض النظر عما إذا كانت العمليات مدفوعة خارجيًّا، أو داخليًّا.



وبالعودة إلى نتائج كروس وزملائه، نجدها تلمح إلى أن اضطراد المعرفة العصبية داخل تجمعات الخلايا في الحصين أثناء الإبحار المكاني يمكن السيطرة عليه بواسطة منبهات بيئية أو بدنية (لتكامل المسار)، وبواسطة آلية لتتبع الوقت. وبدلاً من ذلك.. فمتتابعات نشاط تجمعات الخلايا الخاصة بواقعة محددة يمكن أن تتدفق قُدمًا، نتيجة التنظيم الذاتي في غياب منبهات خارجية متغيرة تتقدم دائمًا بامتداد مسار الأحداث الأعلى حتمالاً3. هذا المنظور الأخير يشير إلى أن التميز النوعي بين أسباب النشاط العصبي المتتابع يمتد مع مدى التبعيّة لمنبهات خارجية في مقابل التنظيم الذاتي الداخلي، عوضًا عن الارتباط بالوقت أو المسافة.

الأدمغة، كالساعات، لا تنتج الوقت في حد ذاتها. لذا.. برغم إدراكنا لانفصال الزمان والمكان، قد لا يولّد الدماغ أشياء كهذه. وبدلاً من ذلك، قد يحدد تفاوت قوة الاتصال المشبكي بين العصبونات ببساطة اتجاه تدفق النشاط عبر العصبونات تحت جميع الظروف. يمثّل تدفق النشاط زمنيًا إطارًا لاستدعاء آلاف الذكريات العرَضية، أو لتصور عدة نتائج محتمَلة للأفعال. متتابعات التجمعات العصبية المتطورة التي تدعم هذه العمليات الإدراكية قد تنشِط جميع عصبونات الحصين عند نقطة معينة، بما في ذلك عصبونات قد تظهر أحيانًا بهيئة خلايا لـ«تتبع الوقت فقط». 

تستطيع عدة مناطق بالدماغ أن تولد نشاطًا متتابعًا منتظمًا بإيقاع احتياجاتها الخاصة3,7,8,9، ومتراوحًا من مقياس زمني دون الثانية—في خدمة الإدراك والتحكم الحركي—إلى مقاييس زمنية أطول كثيرًا بالذاكرة والتخطيط والتخيُّل. تتقدم هذه العمليات بامتداد خط زمني، لكنها لا تحتاج خلايا زمنية معينّة خصيصًا. وما لا يمكن إنكاره أن الأسئلة التي تناولها كراوس وزملاؤه هي بين أكثر الأسئلة تعقيدًا في العلوم، ويستحق الباحثون الإشادة؛ لمعالجتهم مشكلة صعبة عند التقاء الفلسفة بعلم الأعصاب. وكما هو الحال دائمًا مع الممارسة العلمية الجيدة، تثير نتائجهم عدة تساؤلات، كالتي حاولوا الإجابة عنها.. تناولتُ القليلَ منها فقط، وأترك الباقي لدارسي كانط. 


  1. Neuroscience Institute, New York University Langone Medical Center, New York New York 10016, USA

    • جيورجي بوزاكى
  1. O'Keefe, J. & Nadel, L. The Hippocampus as a Cognitive Map (Oxford Univ. Press, 1978).
  2. Kraus, B. J., Robinson, R. J. II, White, J. A., Eichenbaum, H. & Hasselmo, M. E. Neuron http://dx.doi.org/10.1016/j.neuron.2013.04.015 (2013).
  3. Pastalkova, E., Itskov, V., Amarasingham, A. & Buzsáki, G. Science 321, 1322–1327 (2008).
  4. Itskov, V., Curto, C., Pastalkova, E. & Buzsáki, G. J. Neurosci. 31, 2828–2834 (2011).
  5. Tulving, E., Donaldson, W. & Bower, G. H. (eds) Organization of Memory (Academic, 1972).
  6. Buzsáki, G. Rhythms of the Brain (Oxford Univ. Press, 2006).
  7. Mauk, M. D. & Buonomano, D. V. Annu. Rev. Neurosci. 27, 307–340 (2004).
  8. Fujisawa, S., Amarasingham, A., Harrison, M. T. & Buzsáki, G. Nature Neurosci. 11, 823–833 (2008).
  9. Harvey, C. D., Coen, P. & Tank, D. W. Nature 484, 62–68 (2012).