تحقيق إخباري

حـقـيــقــــة الدهون الكبرى

تُظْهِر دراسات متزايدة أن زيادة الوزن لا تقصِّر العُمْر دائمًا، لكن بعض الباحثين في مجال الصحة العامة يفضِّلون عدم الخوض فيها.

فرجينيا هيوز
  • Published online:

ILLUSTRATION BY GARY NEIL


في وقت متأخر من صبيحة 20 فبراير الماضي، احتشد أكثر من مئتي شخص بقاعة محاضرات في كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس. كان الغرض من الحدث، وفقًا لمنظميه، هو شرح: لماذا كانت دراسةٌ جديدة حول علاقة الوزن بالموت خاطئةً تمامًا. 

صدر التقرير ـ الذي تضمّن تحليلاً لسبع وتسعين دراسة، شملت 2.88 مليون شخصًا ـ في 2 يناير بمجلة الجمعية الطبية الأمريكية JAMA)1). أفاد فريق بقيادة كاثرين فليجال ـ عالمة الأوبئة بالمركز الوطني للإحصاءات الصحية، هياتسفيل، ميريلاند ـ أن الأشخاص المعتبرين «زائدي الوزن» ـ بحسب المعايير الدولية ـ أقل عُرضةً للوفاة بنسبة %6، مقارنة بأصحاب الوزن «الطبيعي» خلال الفترة الزمنية نفسها.

بدت هذه النتيجة مناقِضَةً لعقود من النصائح بتجنّب زيادة الوزن، حتى وإنْ كانت متواضعة، واستفزّت الدراسةُ معظم منافذ الأخبار الرئيسة، وجلبت ردودَ فعل عدائية من بعض خبراء الصحة العامة. يقول والتر ويليت ـ الباحث البارز بمجالي التغذية وعلم الأوبئة بكلية الصحة العامة بهارفارد ـ في مقابلة إذاعية: «هذه الدراسة في الحقيقة كومة قمامة، ولا ينبغي لأحد أن يضيع وقته في قراءتها». ولاحقًا، نظّم ويليت ندوة هارفارد ـ حيث اصطف المتكلمون لانتقاد دراسة فليجال ـ تصديًا لهذه التغطية الإعلامية، وتسليطًا للضوء على ما اعتبره وزملاؤه مشكلات في هذا التقرير. يقول ويليت: «كانت دراسة فليجال مَعيبة جدًّا، ومضللة جدًّا، ومُرْبِكَة بشدة لأناس كثيرين، ونعتقد أنّ من المهم حقًّا التعمّق في تفاصيلها أكثر».

لكن العديد من الباحثين يقبلون نتائج دراسة فليجال، ويعتبرونها مجرد أحدث تقرير يوضّح ما يسمى «مفارقة البدانة». فزيادة الوزن تزيد مخاطر إصابة حامله بأمراض السكري، والقلب، والسرطان، وأمراض مزمنة كثيرة أخرى. وترى هذه الدراسة أنه بالنسبة إلى بعض الأفراد ـ خاصة الذين هم في منتصف العمر، أو أكبر سنًا، أو مرضى بالفعل ـ فقليل من الوزن الزائد ليس ضارًا بشكل خاص، وربما كان مساعدًا، (لكن زيادة الوزن المفرطة التي يُصنّف حاملها بدينًا، تكاد ترتبط دومًا بالنتائج الصحية السيئة).

كبر الصورة

SOURCE: CHILDERS, D.K. & ALLISON, D.B. INT. J. OBESITY 34, 1231–1238 (2010).

سبّبت هذه المفارقة نقاشًا موسَّعًا في أوساط الصحة العامة ـ بما فيها سلسلة من الرسائل نُشرت في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية في شهر إبريل الماضي2 ـ نظرًا إلى تعقّد الوبائيات المنخرطة، ولأن إلغاء العوامل المؤسِّسة المشارِكة أمرٌ صعب، لكن الجزء الأكثر إثارة للجدل من النقاش لا يدور حول العلم في ذاته، بل حول كيفية الحديث عنه. لقد أمضى خبراء الصحة العامة ـ ومن ضمنهم ويليت ـ عقودًا يؤكدون مخاطر حمل الوزن الزائد. وحسبما ذكرت ويليت، فالدراسات المماثلة للتي نشرتها فليجال خطرة، لأنها قد تربك الجمهور والأطباء، وتقوض السياسات العامة الهادفة إلى الحدّ من ارتفاع معدلات البدانة. ويقول ويليت: «بسبب هذه الدراسة.. ستكون هناك نسبة مئوية من الأطباء لن يقدموا المشورة المطلوبة لمريضٍ زائد الوزن». ويضيف قائلًا إنّ الأسوأ سيكون اختطاف هذه النتائج بواسطة جماعات المصالح الخاصة الموثِّرة النافذة، كجماعات الضغط العاملة لحساب شركات المشروبات الغازية والأغذية ، للتأثير على صنّاع السياسات. 

وهناك علماء كُثْر لا يرتاحون لفكرة إخفاء أو حذف البيانات ـ خاصة معطيات تكررت في دراسات عديدة ـ من أجل رسالة أبسط. يقول صامويل كلاين، طبيب وخبير البدانة بجامعة واشنطن، سانت لويس، ميسوري: «قد لا تتمكن دراسة واحدة بالضرورة من نقل الحقيقة، لكن عندما تتكرر وتتسق النتيجة مع عدد كبير من الدراسات، فذلك تأكيد للحقيقة بلا شك. إننا نحتاج إلى تتبُّع البيانات بكل دقة، وصولاً إلى الحقيقة».


رسم الخط البياني

يعود أصل الفكرة القائلة «إن زيادة الوزن تعجِّل بالموت» إلى دراسات صادرة عن صناعة التأمين بالولايات المتحدة. ففي عام 1960، وَجَدَ تقرير طويل ـ وُضع استنادًا إلى بيانات من المؤمَّن عليهم لدى 26 شركة تأمين على الحياة ـ أن معدّلات الوفيات كانت أقلّ بين الأشخاص الذين يقلّ وزنهم بضعة كيلوجرامات عن متوسط وزن الفرد بالولايات المتحدة، وأن معدل الوفيات ارتفع باضطراد لدى الأوزان المتجاوزة لمتوسط الوزن. شجّع هذا التقرير شركة متروبوليتان للتأمين على الحياة (MetLife) على تحديث جدول «الأوزان المرغوبة» لديها، واضعًا معايير استخدمها الأطباء بشكل واسع لعقود قادمة. 

في أوائل الثمانينات، احتل روبن أندريس ـ مدير معهد الشيخوخة الوطني الأمريكي آنذاك، بثيسدا، ميريلاند ـ عناوين الأخبار بتحدِّيه لهذا «المُعْتَقَد». وبإعادة تحليل الجداول الاكتوارية والدراسات البحثية، وجد أندريس أن العلاقة بين الوزن المحتَسَب مع الطول، وبين الوفيات يتبع منحنى على شكل حرف (U). وأدنى نقطة بهذا المنحنى ـ الوزن المقابل لأقل معدلات الوفاة ـ تعتمد على عمر الشخص عند ذلك الوزن (انظر: «مراقبة الوزن»). قد تكون الأوزان التي أوصت بها شركة تأمين متروبوليتان مناسبة للأشخاص في منتصف العمر، استنادًا إلى حساباته، ولكنها غير مناسبة لمَنْ هم في الخمسينات أو أكبر سنًا3، الذين كانوا أفضل حالاً بوزنهم الزائد. وكانت هذه هي أول ملامح مفارقة البدانة.

رُفضت أفكار أندريس بشدة لدى الأوساط الطبية السائدة حينذاك. فمثلاً، في دراسة ـ يُستشهد بها كثيرًا4 ـ نشرتها مجلة الجمعية الطبية الأمريكية في 1987، أجرى ويليت، وجو آن مانسون— عالِمة الأوبئة بكلية الصحة العامة في هارفارد ـ تحليلاً لخمس وعشرين دراسة للعلاقة بين الوزن والوفاة، وادَّعَيَا أن معظمها وقع في شبهة بسبب متغيرين رئيسين: التدخين، والمرض. فالمدخنون تميل أحجامهم إلى الصغر، ويموتون قبل غير المدخنين، وكثير من المصابين بالأمراض المزمنة يفقدون أوزانًا أيضًا. هذه التأثيرات يمكنها أن تجعل النحافةَ تبدو مصدرًا للمخاطر. 

دعم مانسون وويليت هذه الفكرة مجددًا في تقريرهما المنشور في عام 1995 حول تحليل مؤشر كتلة الجسم BMI ـ «ميزان الذهب» لقياس الوزن، ويُحسب بقسمة الوزن بالكيلوجرامات على مربع الطول بالأمتار ـ لدى أكثر من 115 ألف ممرضة مشاركة في دراسة صحية طويلة5. فباستبعاد النساء اللواتي لم يُدخِّنّ أبدًا، والمتوفيات خلال سنوات الدراسة الأربع الأولى (وبررا ذلك بأن تلك النساء ربما فقدن أوزانًا لأسباب مرضية)، وَجَدَا علاقة خطيّة مباشرة بين مؤشر كتلة الجسم والوفاة، وكان أقل معدّل وفيات لدى مشاركات متوسط مؤشر كتلة أجسامهن أقلّ من 19. (هذا يعادل حوالي 50 كيلوجرامًا للمرأة التي يبلغ طولها 1.63 متر).

تقول مانسون: « لا يبدو مقبولاً بيولوجيًّا أن زيادة الوزن والبدانة تزيدان مخاطر الإصابة بأمراض تهدد الحياة، وفي الوقت نفسه تخفِّضان معدلات الوفيات». لقد أثبتت الدراسة ـ كما تقول مانسون ـ أن هذه الفكرة «كانت مصطنعة، أكثر منها حقيقة». 

وفي الوقت نفسه تقريبًا، كان العالم يتنبّه إلى البدانة. فمنذ عام 1980، بدأت معدلات زيادة الوزن والبدانة ترتفع بسرعة شديدة6-8، وفي 1997، عقدت منظمة الصحة العالمية (WHO) أول اجتماع لها لبحث هذا الموضوع في جنيف، سويسرا. وأسفر الاجتماع عن وضع معايير جديدة، حيث مؤشر كتلة الجسم لدى «الوزن الطبيعي» بين 18.5، و24.9؛ و«الوزن الزائد» بين 25، و29.9؛ و«البدانة» 30، أو أكثر. وفي 1998، قامت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بالولايات المتحدة بخفض حدود مؤشر كتلة الجسم؛ لمضاهاة تصنيفات منظمة الصحة العالمية. يقول فرانسيسكو لوبيز–خيمينيز، طبيب القلب في مايو كلينيك، روتشستر، مينيسوتا: «كنا نطلق على [البدانة] سندريلا المخاطر، لأن أحدًا لم يكن يلتفت إليها. والآن أصبحوا يلتفتون إليها».


صراع إحصائي

كانت فليجال أحد الذين قرعوا ناقوس الخطر. ففي مركز الإحصاءات التابع لمراكز السيطرة على الأمراض، كانت بيانات ومعطيات دراسة متواصلة تجريها المراكز (بعنوان: «المسح القومي للصحة وفحوص التغذية» NHANES) في متناول يدها. كان هذا المسح القومي جاريًا ـ منذ ستينات القرن العشرين ـ بناءً على مقابلات وفحوص طبية تُجرى سنويًّا لحوالي 5000 شخص. استخدمت فليجال وزملاؤها هذه البيانات لإظهار تصاعد معدلات زيادة الوزن والبدانة في الولايات المتحدة6,7.

وفي عام 2005، وجدت فليجال أن بيانات المسح القومي جاءت مؤكِّدة لشكل منحنى الوفيات الذي توصّل إليه أندريس واتخذ شكل حرف U. وأظهر التحليل الذي أجرته أن معدل الوفيات بين زائِدِي الوزن ـ وليس البدناء ـ أقلّ، مقارنةً بأصحاب الوزن الطبيعي. وبقيت هذه الوتيرة سائدة حتى بين مَنْ لم يدخنوا أبدًا9 .

يقول ويليت إنّ دراسة فليجال نالت اهتمامًا صحفيًّا كبيرًا، لأنها تعمل بمراكز السيطرة على الأمراض، وبدت كما لو أنها إذنٌ باكتساب الوزن. يضيف ويليت: «فسَّر كثيرون هذا بأنه بيان رسمي لحكومة الولايات المتحدة». وكما فعلوا تمامًا في وقت سابق هذا العام، انتقد ويليت وزملاؤه الدراسة، وعقدوا ندوة عامة لمناقشتها. واجتذب الشجار الأكاديمي انتباهًا سلبيًّا لوسائل الإعلام تجاه دراسة فليجال. قالت فليجال، التي تفضّل التركيز على النقاط الأدق لدراسة الوبائيات عبر الأرقام، بدلاً من تأثيرات الإحصاءات الناتجة في السياسات القادمة: «فاجأتني جدًّا الهجمات الصاخبة على دراستنا». وأضافت: «بدايةً بشكل خاص، كان هناك الكثير من سوء الفهم والارتباك حول نتائجنا، وتطلَّبت محاولة توضيح الصورة وقتًا، واتّسمت بصعوبة». 

وخلال السنوات القليلة الماضية، توصّل باحثون آخرون إلى التوجُّه نفسه، وقررت فليجال إجراء التحليل التالي، الذي نشرته مبكرًا هذا العام1. تقول الباحثة: «شعرنا أن الوقت حان لوضع كل هذه الأشياء معًا. قد لا نفهم ماذا تعني كلها، لكن هذا ما هنالك». شملت مراجعتها كافة الدراسات الاستطلاعية لتقييم كافة أسباب الوفيات باستخدام الفئات المعيارية لمؤشر كتلة الجسم، بإجمالي 97 دراسة. استخدمت كافة الدراسات تعديلات إحصائية قياسية؛ لاحتساب تأثير التدخين والسن والجنس. وعندما مُزجت بيانات كافة فئات الراشدين العمريّة، أظهر الذين يقع متوسط مؤشر كتلة أجسامهم في نطاق زيادة الوزن (بين 25، و29.9) معدّلات وفيّات أقل.

ومع ذلك.. تجادل مجموعة هارفارد بأن مقاربة فليجال لم تُجْرِ التصحيحات الكاملة المتعلقة بالعمر وفقدان الوزن مرضيًّا، والتدخين. ويقولون إن التأثير كان سيتلاشى في الفئات العمرية الأصغر سنًّا، لو أن فليجال فصلت فيما بينها. كما يجادلون أيضًا باختلاف درجة التعرّض بين المدخنين، فهم ليسوا جميعًا سواء.. فمثلاً، المدخنون الشرهون يَبْدُون أصغر حجمًا من المدخنين العرضيِّين؛ وبالتالي فإن أفضل طريقة لإزالة التدخين ـ باعتباره متغيرًا رئيسًا ـ هو التركيز على الأفراد الذين لم يدخنوا قط . ويشير ويليت إلى إحدى دراساته10، التي نُشرت في 2010، بأنها لم تكن مُدْرَجَة في تحليل فليجال، لأنه لم يستخدم فئات مؤشر كتلة الجسم المعيارية. وبتحليل بيانات 1.46 مليون شخص، وجد ويليت وزملاؤه أن بين الذين لم يدخنوا قط، يقع أدنى معدل وفيات في فئة «الوزن الطبيعي» لمؤشر كتلة الجسم، أي بين 20 و25.

وتنتقد فليجال دراسة ويليت، لحذفها مساحات ضخمة من مجموعة البيانات الخام: بيانات حوالي 900 ألف شخص إجمالاً. تقول فليجال: «بمجرد حذف هذه الأعداد الكبيرة، وهي كبيرة حقًّا، فلن تعرف تمامًا كيف يختلف غير المدخنين بتاتًا بهذه العينة عن غيرهم». فمثلاً، قد يكون غير المدخنين أثرى، أو أكثر تعليمًا. كما تبيِّن فليجال اعتماد دراسة ويليت على الأطوال والأوزان المبلَّغ عنها بواسطة المشاركين، بدلًا من استنادها إلى معايير موضوعية. وتضيف فليجال: «إنه أمرٌ لا يستهان به»، نظرًا إلى ميل الناس إلى تقليل أوزانهم. وهذا قد يزيد مخاطر الوفاة صعودًا، إذا قال أشخاص بدناء ومعرضون لمخاطر عالية أن أوزانهم زائدة فقط.


توازن صحي

يعارض بعض خبراء البدانة وعلماء الإحصاء الحيوي الصحي لهجة تصريحات ويليت القاسية حول دراسة فليجال، فيقولون إن هناك ميّزة في دراسات ويليت وفليجال، وإن كلاهما ـ ببساطة ـ ينظر في البيانات بطرق مختلفة، وهناك دراسات كافية تدعم مفارقة البدانة بما يدعو إلى أَخْذِها جديًّا. يقول روبرت إيكل، أخصائي الغدد الصماء بجامعة كولورادو في دنفر: «يصعب الجدل في وجود البيانات». ويتابع: «إننا علماء نبدي اهتمامًا بالبيانات، ولا نحاول إغفال دلالاتها». 

إنهم يحاولون تفسير السبب وراء المفارقة. وتكمن إحدى الإشارات في تزايد الدراسات خلال العقد الماضي، التي تبيِّن أن زائدي الأوزان المرضى بأسقام خطيرة كأمراض القلب، وانتفاخ الرئة، والنوع الثاني للسكري لديهم أدنى معدلات الوفاة. والتفسير الشائع أن لدى زائدي الوزن احتياطيات طاقة أكبر لمحاربة المرض. إنهم كالمتنافسين في البرنامج التلفزيوني «النّاجُون» Survivors، حسب قول جريج فونارو، طبيب القلب بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، الذي يضيف: «الذين يبدأون حياتهم نحفاء.. لا يحالفهم النجاح غالبًا». 

قد تكون الاحتياطيات الأيضيّة مهمة أيضًا مع تقدُّم العمر. فـ«البقاء هو حالة توازن بين المخاطر»، حسب قول ستيفان أنكر، الباحث في طب القلب بكلية طبّ شاريتيه، برلين. فـ«عندما تكون شابًّا ومُعَافى، يمكن اعتبار البدانة، التي تسبِّب مشكلات بعد 15 أو 20 عامًا، أمرا ذا شأن»، لكن مع تقدُّم السن، قد ترجح كفة الميزان لصالح الوزن الزائد. 

قد تشارك العوامل الوراثية والأيضيّة بدور أيضًا. ففي العام الماضي، ذكرت مرسيدس كارنِثون، الباحثة في الطب الوقائي بجامعة نورث ويسترن بشيكاغو، إلينوي، أن الراشدين أصحاب الوزن الطبيعي المصابين بالنوع الثاني للسكري معرضون لضِعْف مخاطر الوفاة خلال فترة معينة، مقارنةً بنظرائهم البدناء أو زائدي الوزن11. تقول كارنِثون إن الدافع وراء هذا الاتجاه ربما جاء من مجموعة أفراد فرعية، أجسامهم نحيلة، لكنهم «بدناء أيضيًّا»: أي لديهم مستويات إنسولين ودهون ثلاثية عالية في الدم؛ مما يزيد مخاطر إصابتهم بالسكري، وأمراض القلب. 

يشير كل هذا إلى أن مؤشر كتلة الجسم مقياس أوّلي غير نوعي لتقييم صحة الأفراد. ويجادل باحثون بأن المهم حقًا هو توزيع الأنسجة الدهنية في الجسم، مع اعتبار تركيز الدهون الزائدة بمنطقة البطن هو الأخطر؛ بينما يرى آخرون أن لياقة القلب والأوعية الدموية هي مؤشر يتوقّع الوفيات، بغضّ النظر عن مؤشر كتلة الجسم أو الدهون بمنطقة البطن. يقول ستيفن هيمسفيلد،الباحث في البدانة، والمدير التنفيذي بمركز بننجتون للأبحاث البيولوجية في باتون روج، لويزيانا: «مؤشر كتلة الجسم مجرد خطوة أولى لأي شخص. وإذا تمكنتَ من إضافة محيط الخصر، واختبارات الدم، وغيرها من أسباب المخاطر إلى ذلك المؤشر؛ فستحصل على وصف أكمل على المستوى الفردي».

وإذا أصابت دراسات مفارقة البدانة؛ تصبح المسألة كيفية جَسْر الفروق بينها. الواضح أن الكثير من الوزن الزائد (في صورة البدانة) أمر ضار بالصحة، وسيكون معظم الشباب أفضل حالًا بتجنب زيادة الوزن، لكن هذا قد يتغيّر مع تقدُّم العمر والإصابة بالأمراض. 

يبدي بعض خبراء الصحة العامة خشيتهم من أنْ يَعتبِر الناسُ هذه الرسالة إقرارًا عامًّا بزيادة الوزن. ويخشى ويليت أيضًا من أن تقوِّض دراسات مفارقة البدانة ثقة العامّة في العلوم. يقول ويليت: «أحيانًا كثيرة تسمع الناس يقولون: نقرأ شيئًا في أحد الشهور، لنسمع عكسه بعد بضعة أشهر. يبدو أن العلماء لا يُحْسِنون عملهم». ويتابع بقوله: «نحن نرى الأمر يُستغلّ مرارًا وتكرارًا، بواسطة صناعة المشروبات الغازية في حالة البدانة، أو بواسطة صناعة النفط، في حالة احترار الأرض».

وحسب قول ويليت، ينبغي أن يكون مَنْع زيادة الوزن ـ في المقام الأول ـ الهدف الأساسي للصحة العامة. «بمجرد أن تصبح بدينًا، يشكّل فقدان الوزن تحديًا كبيرًا. وهذا هو أخطر عواقب القول بأنه لا مشكلة مع زيادة الوزن. نريد أن يكون لدى الناس الدافع لعدم الوصول إلى مرحلة الوزن الزائد»، لكن كاميار كلنتر–زادة، إخصائي أمراض الكلى بجامعة كاليفورنيا، إرفاين، يقول إنه من المهم عدم إخفاء دقائق أمور الوزن والصحة. ويعقِّب كلنتر–زادة بقوله: «ينبغي أن نقول الحقيقة كما هي». 

في الوقت نفسه، تقول فليجال إن شغلها الشاغل ليس ردّ فعل العامّة حيال النتائج التي توصلت إليها. وتقول: «أنا أعمل لحساب وكالة إحصاء فيدرالية. ومهمتنا ليست وضع السياسات، بل توفير معلومات دقيقة؛ لإرشاد صُنّاع السياسات وغيرهم من المهتمين بهذه الموضوعات». وتقول إن بياناتها «غير معنيّة بتوجيه رسالة»

  1. Flegal, K. M.Kit, B. K.Orpana, H. & Graubard, B. I. J. Am. Med. Assoc. 3097182 (2013).


  2. Willett, W. C.Hu, F. B. & Thun, M. J. Am. Med. Assoc. 30916811682 (2013).


  3. Andres, R.Elahi, D.Tobin, J. D.Muller, D.C. & Brant, L. Ann. Intern. Med. 10310301033(1985).


  4. Manson, J. E.Stampfer, M. J.Hennekens, C. H. & Willett, W. C. J. Am. Med. Assoc. 257,353358 (1987).


  5. Manson, J. E. et alN. Engl. J. Med. 333677685 (1995).


  6. Kuczmarski, R. J.Flegal, K. M.Campbell, S. M. & Johnson, C. L. J. Am. Med. Assoc. 272,205211 (1994).


  7. Flegal, K. M.Carroll, M. D.Ogden, C. L. & Johnson, C. L. J. Am. Med. Assoc. 28817231727(2002).


  8. Finucane, M. M. et alLancet 377557567 (2011).


  9. Flegal, K. M.Graubard, B. I.Williamson, D. F. & Gail, M. H. J. Am. Med. Assoc. 293,18611867 (2005).


  10. de Gonzalez, A. B. et alN. Engl. J. Med. 36322112219 (2010).


  11. Carnethon, M. R. et alJ. Am. Med. Assoc. 308581590 (2012).