تأبين

روبرت إدواردز (1925 - 2013)

رائد الإخصاب في المُخْتَبَر.

روجر جوسدن
  • Published online:

قام علماءٌ كثيرون بتحقيق عدة اكتشافات حافظت على حياة الملايين، وكان روبرت إدواردز ـ الذي توفي في 10 إبريل الماضي ـ هو الشخص الذي ساعدهم على ذلك.

CORBIN O'GRADY STUDIO/SPL

وُلد روبرت إدواردز في عام 1925 بمدينة باتلي، إحدى مدن طواحين يوركشاير الغربيّة بالمملكة المتّحدة، ثمّ تلقّى تعليمه في مانشستر، حيث درس الزراعة وعلم الحيوان في جامعة ويلز ببانجور في المملكة المتّحدة بعد قرابة أربع سنوات قضاها في الخدمة العسكريّة. وفي عام 1951 تخرّج بدرجة «مقبول». ورغم تلك البداية غير المشجّعة على الإطلاق، فإنّ ما يتذكّره صديقه جون عن تلك الأيام هو أنّ إدواردز «كان طموحًا ومرنًا وواثقًا في تقييمه وحكمه على الأمور».

التحق إدواردز بجامعة إدنبرة في المملكة المتّحدة؛ للحصول على دبلومة في «علم وراثة الحيوان»، ولكن سرعان ما عَرض عليه أستاذه، كونراد وادينتون، منحةً للحصول على الدكتوراة، الّتي تبعتها فيما بعد الزمالة الدراسيّة في المجال نفسه. وفي جامعة إدنبرة كان التعاون بين إدواردز، وروث فاولر، خرّيجة الزمالة (حفيدة الطبيب البارز إيرنست رازرفورد، وزوجة إدواردز المستقبليّة) مُنَظِّرًا لكيفيّة التحكّم في التبويض لدى الفئران. وبعد مُضِيّ ستّة أعوام شهدت إصداره لكثير من الأوراق البحثيّة، نُشر العديد منها في دَوْرِيّة «نيتشر»؛ أصبح إدواردز شخصًا يستحق الاهتمام.

بعد الفترة التي قضاها إدواردز في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا، استعان به عالِم الفسيولوجيا آلان باركس ـ الذي كان يعمل وقتها في مجلس البحوث الطبيّة (MRC)، التابع للمعهد القومي للبحوث الطبيّة (NIMR) بميل هيل في لندن ليقوم هناك بتطوير اللقاحات؛ لاستخدامها كوسائل لمنع الحمل للنساء. بالإضافة إلى ذلك.. استغلّ إدواردز أوقات فراغه في العودة إلى دراسته للبويضات؛ هادفًا بالدرجة الأولى إلى تفهُّم الأساس الذي تقوم عليه حالات الشذوذ الصِّبْغِيّة (الكروموسوميّة)، فضلًا عمّا يدفع بالبويضات نحو النّضج، وهي خطوة أولى ضروريّة في الطريق نحو الإخصاب في المختَبَر (IVF).

وفي بداية الستينات من القرن الماضي، قام مدير جديد للمعهد القومي للبحوث الطبيّة بحَظْر إجراء بحوث الإخصاب المُخْتَبَري على الجنس البشري، وهو ما أصاب إدواردز بخيبة أمل؛ دفعته إلى اللحاق بباركس في عام 1963؛ لينضمّ هناك إلى معمل الفسيولوجيا في جامعة كمبريدج، حيث ظلّ يعمل هناك بقيّة عمره.

في كمبريدج، قام فريق إدواردز ـ الذي التحقتُ به كطالب دكتوراة في عام 1970 ـ بالتركيز على بدايات تطوّر الثدييّات. وتمكَّن إدواردز في عام 1965 من نَشْر ورقة بحثيّة في دَوْرِيّة «لانست»، خطط فيها لإطار برنامج مُذهِل لدراسة علم وراثة وتطوّر البويضات عبر تخصيبها خارج الجسم البشري. وللحصول على تلك البويضات.. استعان بالأطبّاء الذين يُمثّلون البوّابة الرئيسة للوصول إلى المرضى الذين لم يلبثوا أن ساورهم الشعور بالقلق حيال أهدافه الخرقاء.

وفي لقاء أسطوري، عثر إدواردز في اجتماع بالجمعيّة الملكيّة للطب في لندن على الشريك المثالي، وهو باتريك ستيبتو، الذي عمل آنذاك كأحد كبار أخصّائي أمراض النساء، والّذي كان قد انتهى لِتَوِّه من عملٍ رائد في مجال منظار البطن في أولدهام بالمملكة المتّحدة. وفي خِضَمّ الاستهزاء الذي انهال عليه من زملائه في مجال أمراض النّساء، رَأَى إدواردز في تلك التقنية الجراحيّة الوسيلةَ الأمثل التي طالما احتاج إليها للحصول على البويضات من المرضى؛ فقد هدف كلا الرجلين ـ اللذين تَمَيَّزا بمهنيّة أُثير حولها لغط كثير ـ إلى قهر العقم. وسرعان ما ازدهرت العلاقة بينهما، معزَّزةً بالجهد الذي بذلته جِين بوردي، المُمَرِّضة التي دَرَّبها إدواردز؛ لتُصبح فنيّة معامل.

وقد استطاع إدواردز وستيبتو مع أحد الطلبة نشرَ البرهان المُقْنِع على الإخصاب البشري خارج الجسم لأوّل مرّة في عام 1969. وهنا، لم يعد من الممكن اعتبار الآثار الإكلينيكية الّتي حقّقها السَّبْق الذي نظّر إليه إدواردز أمرًا عبثيًّا. كما ارتفع سقف الاهتمام الإعلامي، وهو ما صاحبه فَيْض من الانتقادات اللاذعة التي طرحها العلماء، والأطبّاء، والسياسيّون.

رفض مجلس البحوث الطبيّة طلبَ الحصول على مِنْحَةٍ، قدّمها كلٌّ من إدواردز، وستيبتو، وذلك لأسباب أرجعها ظاهريًّا إلى المخاوف حول السلامة، ولكن برنامجهما استمر بتمويل ضئيل، استطاعا بالكاد الحصول عليه من كلٍّ من أولدهام، وكمبريدج، كما ظلّت هناك أسئلة عديدة لم تجد إجابات؛ فهل ستكون هناك حاجة إلى أدوية الخصوبة؟ وهل ستكون الأجنّة الناتجة سليمةً؟ لقد عمل إدواردز وستيبتو لقرابة عقد من الزمان، دون ظهور حَمْلٍ حَيّ. وجاء عام 1978 ليشهد مولد لويز براون ـ أوّل طفلة أنابيب في العالم ـ وبعد مولدها تبخَّر العَدَاء؛ حيث ظهر أنّه من القسوة أنْ نقول إنه ما كان ينبغي أنْ يُولد طفل سليم عبر الإخصاب المُخْتَبَري، وهناك حاليًا ما يزيد على خمسة ملايين طفل من أطفال الأنابيب، أصبح الكثيرُ منهم آباء بالفعل.

في عام 1980، أسّس إدواردز وستيبتو عيادةً خاصّة للخصوبة في بورن هول في ضواحي كمبريدج؛ حيث سعى إدواردز لجعل الإخصاب المُخْتَبَري أمرًا مقبولًا، لكنّه أيضًا ـ كأبٍ لخمس بنات ـ كان عليه أن يُخاطب أناسًا مُصابين بالعقم، كان إدواردز نصيرهم في معارك أخلاقيّة كثيرة مع العلماء واللاهوتيين والسياسيّين، وحتّى مع الحاصلين على جائزة نوبل، الذين أصبح واحدًا منهم لاحقًا. لقد كانت أحلامه مبرّرةً، لكنّه دفع ثمن نجاحه بمواجهة اتّهامات شملت كلّ شيءٍ، بدءًا من الاتّهام بقتل الأجنّة، حتّى محاولة لفت أنظار وسائل الإعلام.

ربّما كانت بعض تصرفات أستاذنا العزيز مستفِزَّة في طرحه لأفكاره حول التجارب، باعتبارها أخبارًا صحفيّة، لكن آن ماك لارين وهي واحدة من العالِمات المخضرمات والعلماء المُخضرمين في علم الأجنّة، التي عاصرت إدواردز، أخبرتني ذات مرّة قائلةً: «من وسط عشرات الأفكار، يستطيع إدواردز أن يُلقِي الضوءَ على بعضها ببراعة منقطعة النظير، تجعلك تحبس أنفاسك». وقد منح تلاميذه حريّة الاستكشاف؛ فازدهرنا في بيئة عادِلة بين الجميع.

تقاعدَ إدواردز عام 1989، لكنّه ظلّ مُفعمًا بالطاقة والحيويّة؛ فاستمر مؤسِّسًا ومحرّرًا لعدة جرائد علميّة، فضلًا عن استمراره في الإشراف على موقع «الطب الحيوي الإنجابي» على الإنترنت، حتّى تجاوز عمره الثمانين عامًا. لقد عاش طويلًا، وكان من نصيبه أنْ يستمتع برؤية برنامجه ـ الذي أثار جدلًا كبيرًا ـ يدخل إلى التيّار الرئيس للطب؛ حيث أمكن باستخدام الإخصاب المُخْتَبَري التبرُّعَ والاحتفاظ بالبويضات والأجنّة، فضلًا عن القدرة على التشخيص الجِينِي للأجنّة، قبل زرعها في الرحم، وعلاج العقم لدى الرجال، واستحداث تكنولوجيا الخلايا الجذعيّة الجنينيّة البشريّة عبر تنظيره لها في الستينات من القرن الماضي. وهكذا.. فقد غيّرت التكنولوجيا المُساعِدةُ على الإنجاب من التعريف الدقيق لكلمة «الأُسْرَة».

ظهر إدواردز في العام الماضي على شاشة العرض بجوار رئيسة الوزراء البريطانيّة المُحافِظة الأشهر، مارجريت تاتشر، في كُلِّيَّته بجامعة كمبريدج (تشرشل). ومن اللافِت للانتباه أنّه وتاتشر وُلِدا في عام 1925، وماتا في عام 2013 في أيام متقاربة. ورغم التناقض السياسي بينهما، فقد حمل كلّ منهما تطلّعات لعالَم مختلف، جاهدَ كلٌّ منهما لتحقيقه. وفي عام 1990، أصدرت حكومة تاتشر تشريعًا؛ جعل من الإخصاب في المُخْتَبَر أمرًا مُتاحًا على نطاق واسع. واستغرق الأمر عشرين سنة أُخرى، ليحصل إدواردز على «جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب» عام 2010، قبل أن يتمّ تكريمه بالحصول على لقب «فارِس».