تحقيق إخباري

مصيدة فئران مساحتها 18 كيلومترًا مربعًا

بعد أن نجحت الإكوادور في اجتثاث الخنازير والماعز الغَازِيَة بمعظم جزر أرخبيل جالاباجوس، حان الآن دور الجرذان.

هنري نيكولز
  • Published online:

CAROLYN JENKINS/ALAMY


تبدو المروحيّة (الهيليكوبتر) كنقطة في الأفق، تتحرك ببطء على طول الخط المستقيم الخامد أعلى الجزيرة البركانية السوداء. يتدلى منها مخروط معدني ضخم: قادوس ضخم يتدفّق منه سيل متواصل من الحبيبات الزرقاء، ممطرًا المشهد العشوائي لجزيرة بِنْزُون Pinzón، إحدى جزر أرخبيل جالاباجوس. 

تتابع إرين هاجن هذا المنظر عبر المنظار. كانت واقفة على سطح سييرا نجرا، إحدى ثلاث سفن راسية بمحاذاة الجزيرة في صباح أحد أيام نوفمبر 2012. وعندما تصل المروحية إلى خط الساحل الصخري، تُغيّر مسارها عبر المحيط وتحلّق فوق القارب. وبتعليمات من هاجن، يعود فريق من حُمَاة البيئة إلى العمل. يقف رجلان في حالة تَأَهُّب لتزويد القادوس، بينما يتهيّأ ثلاثة آخرون لإعادة تحميله بأكثر من 400 كيلوجرام من طعوم الفئران السامة. خلال ثلاث دقائق، ينتهي التحميل؛ لتقلع المروحيّة مجددًا، عائدةً لتصب على بِنْزُون مزيدًا من الطعم السام. تقول هاجن، مديرة مشروع بمؤسسة «الحفاظ على الجزر» Island Conservation، وهي منظمة دولية غير حكومية، ذات خبرة بإبادة الأنواع الدخيلة: «إنها أشبه بمحطة تزويد». وتضيف «يضجّ المكان بأزيز حقيقي من الجميع». 

قبل خمس سنوات، كانت معظم الجزر الرئيسة والحيود الصخرية الأصغر حجمًا في أرخبيل جالاباجوس مرتعًا لآفات الفئران والجرذان الدَّخيلة. تتغذى القوارض على بيض وصغار طيور البحر، وطيور اليابسة، والزواحف، متسببةً في دفع عدة أنواع ـ منها سلحفاة بنزون الضخمة النادرة ـ نحو شفير الانقراض. في عام 2007، طوّرت خدمات متنزّه جالاباجوس القومي (GNP) ومؤسسة تشارلز داروين (CDF) مبادرة بعنوان «مشروع بنزون»، وهي خطة عمل عسكرية الطراز، بهدف إبادة القوارض الدّخيلة في ثلاث جزر، بدءًا بجزيرة سيْمور الشمالية (1.8 كيلومتر مربع)، ثم جزيرة رابيدا (5 كيلومترات مربعة)، وأخيراً بنزون (18 كيلومترًا مربعًا)، بالإضافة إلى 12 حيدًا صخريًّا صغيرًا، وجُزَيْرة (انظر: «سباق الجرذان»). 

ناهزت تكلفة هذه الجهود حوالي 3 ملايين دولار حتى الآن. ورغم أنّها ليست أضخم محاولة للقضاء على الفئران، إلّا أنَّها إحدى أبرزها وأكثرها تحدِّيًا.. فقبل أن يكون بمقدور حُماة البيئة والعلماء مهاجمة القوارض، كان عليهم أنْ يتيقّنوا بأنَّ السُّم لن يفتك ببعض الأنواع الفريدة والمهدَّدة بالانقراض، كالطائر المُحاكي، وطيور البرقش، وطيور مرعى الماء rails، والإجْوانا، والسلاحف التي اشتهرت بوصف تشارلز داروين لها. وبينما استهدفت معظم حملات إبادة الفئران جزرًا نائية وغير مأهولة، تُعتبر الجالاباجوس موطناً لحوالي 30 ألف نسمة، ومقصدًا سياحيًّا لنحو 180 ألف زائر سنويَّاً. مع نشاط حركة القوارب، تبقى مخاطر عودة غزو الفئران عالية جدًّا، حسب قول جيمس رسل، عالِم البيئة بجامعة أوكلاند في نيوزيلندا، الذي له اهتمام خاص بغزو القوارض. يقول رسل: «التَّحدي الحقيقي سيكون هو الأمان البيولوجي».

كبر الصورة

PETE OXFORD/MINDEN PICTURES/FLPA; ISLAND CONSERVATION

وبالنسبة إلى المنخرطين في حملات إبادة الفئران، يستحق الأمر الجهد والمخاطر. فهذه الحملات تَعِد بازدهار الأنواع الحيوية الفريدة مجدّدًا، وبناءً على جهود سابقة لإزالة الماعز والخنازير الوحشية من معظم مناطق الأرخبيل؛ مما جعل الإكوادور رائدة عالميًّا في اجتثاث الأنواع الدّخيلة. ويقول رسل: «جالاباجوس في الخط الأمامي عالميًّا، وتتطلع إلى تحقيق قفزة كبيرة قادمة في إدارة الآفات متعددة الأنواع». 

وبوصول داروين إلى جالاباجوس في عام 1835، كانت القوارض قد استقرت هناك منذ زمن بعيد. كانت الفئران والجرذان السوداء أولى القوارض وصولاً إلى جالاباجوس، وقد جلبها القراصنة أو صيادو الحيتان في القرن السابع عشر. ومنذ ثمانينات القرن الماضي، وَجَدَت جرذان النرويج طريقَها إلى هناك أيضًا1

ولا يشك خبراء جالاباجوس في أنَّ القوارض خرَّبت الحياة البرية المحليّة، رغم أنَّ تأثيرات هذه المخلوقات لم تُدْرَس منهجيًّا. يقول فيليبي كروز، أحد حُمَاة البيئة الدائمين، الذي نشأ في فلوريانا، إحدى الجزر الأربع المأهولة بالسكان في الأرخبيل: «لقد كرهت هذه المخلوقات المهاجرة القاتلة، لأني رأيت ما كانت تفعله بالمنطقة». وفي مطلع ثمانينات القرن الماضي، كَرَّس كروز تسعة أشهر من كل عام للتخييم في الأراضي المرتفعة بفلوريانا، وكان دَأْبُهُ نشرَ خليط من مبيد للقوارض؛ لمنعها من تدمير البيض والفراخ في أهم مستعمرة لطيور النوء ـ زمج الماء ـ بالأرخبيل، المدرَجة كإحدى الأنواع المهددة بالانقراض، بشكل حرج منذ عام 1994 (المرجع 2). 

يقول كروز إن تفانيه في هذا العمل آتى أكُله. «لقد باتت هناك طيور أكثر، ونباتات أكثر، وسحالي أكثر. كانت بمثابة جزيرة داخل جزيرة». لقد كانت أيضًا تجربة تحوُّلِيّة. ويضيف قائلًا: «يملأني هذا بالفخر والرضا، وشَكَّلَ حياتي على نحوٍ ما».


توسيع النطاق

قبل زمن طويل، كانت لدى كروز فرصة للقضاء على الجرذان السوداء على نطاق أوسع من جزيرة بنزون كلها، حيث كانت هذه الجرذان تدمر أنواع السلاحف المتوطِّنة بالجزيرة، بافتراس صغارها. وفي سنة 1988، حين كانت تعمل بمحطة بحوث تشارلز داروين بالجزيرة الوسطى، سانتا كروز، تتذكر ليندا كايوت، وتعمل حاليًا مستشارًا علميًّا لمحمية جالاباجوس Galapagos Conservancy بفيرفاكس، فرجينيا، قائلةً: «كان هناك جفاف شديد للغاية، وبدأنا نرى الجرذان النافقة في كل مكان». شهد كايوت وكروز فرصة مثالية لإنهاء ما بدأه الجفاف، وأقنعا مديري متنزه جالاباجوس القومي (GNP) ومؤسسة تشارلز داروين (CDF) بالسماح لفريق عملٍ بنَشْر طُعْم مُسمَّم بمبيد القوارض.

شُفيت تجمعات الجرذان بعد أشهر قليلة. وتصف كايوت هذه المحاولة بـ«الفشل الناجح». فقد أدرك الباحثون أن الجرذان الصغيرة ربما لا يكون الطُّعْم قد وصل إليها، وأنه كان عليهم نَشْر الطُّعْم المسمَّم مرتين. تقول كايوت «كنا قاب قوسين أو أدنى»، لكننا «تعلمنا الكثير عن كيفية إدارة عملية ميدانية ضخمة». 

 مهّدت هذه التجربةُ الطريقَ لجولة ضد ثدييات غازية أكبر حجمًا ـ خاصة الخنازير والماعز ـ إذ قضى رعيها المتواصل على معظم النباتات، وسببت عواقب مدمّرة للحيوانات العاشبة المحليّة. نجح مشروع إيزابيلا ـ وهو بمثابة مبادرة ذات مراحل، بدأت في 1997، وبلغت تكلفتها حوالي10.5 مليون دولار ـ في إبادة الخنازير الغازِيَة من جزيرة سانتياجو الضخمة3، واجتثاث 140 ألف رأس ماعز من 5,000 كيلومتر مربع أو أكثر بامتداد جزر عديدة. وحسب قول كروز ومنخرطين آخرين في المشروع، فهذه «أضخم جهود بُذلت عالميًّا لاسترداد جزيرة حتى اليوم»4. وحسب قول كروز، منحت هذه الجهود حُمَاة بيئة جالاباجوس الثقة اللازمة لتوسيع نطاق تفكيرهم. لقد عقدوا العزم على شنِّ هجوم جديد على الجرذان. 

في عام 2007، أدار متنزه جالاباجوس القومي ومؤسسة تشارلز داروين ورشة عمل؛ للتوصل إلى أفضل مقاربة لمعضلة الجرذان؛ فاستقطبت الورشة الخبرات من حول العالم، خاصَّة من نيوزيلندا، التي تمتلك خبرة خمسين عامًا في إبادة الأنواع الغازِيَة، بدءًا بالأرانب، حتى حيوانات الولَّب (شبيه الكنغر). كما حققت نيوزيلندا رقمًا قياسيًّا في حملات إبادة الجرذان؛ حيث أُعْلِنت جزيرة كامبل ـ التي تبلغ مساحتها 113 كيلومترًا مربعًا ـ خالية من الجرذان لمدة عقد كامل. (انظر:  http://eradicationsdb.fos.auckland.ac.nz.) يقول جون باركس، وهو باحث متعاون مع «لاندكير ريسيرش» Landcare Research، منظمة أبحاث بيئيّة مقرها لينكولن في نيوزيلندا، ومُشارك في ورشة العمل: «لقد أصبح هذا (أي اجتثاث الأنواع الغازِيَة) صناعةً في نيوزيلندا». ويضيف قائلًا: «هناك أبحاث عديدة تُبيّن أن فوائد إزالة هذه الأنواع الدخيلة من الجزر تتخطى التكلفة قصيرة الأمد لاقتناء التقنيّات اللازمة لمكافحتها». 

ويقول كارل كامبل، كبير مديري برامج «الحفاظ على الجزر» Island Conservation: «أثمرت هذه الورشة «مشروع بنزون»، الذي يهدف ـ بتدرُّج العمل من الجزر الصغيرة إلى الأكبر مساحةً ـ إلى القيام باجتثاث مضطرد أوسع نطاقًا وأكثر تعقيدًا». وبعد تصديق حكومة الإكوادور على الخطة مباشرة، جهَّزت منظمة متنزه جالاباجوس القومي ومؤسسة تشارلز داروين لبدء العمل في جزيرة سيْمور الشمالية مع دخول «الحفاظ على الجزر» المشروع في عام 2008. 

وفي وقت لاحق من تلك السنة، مع ظهور بوادر نجاح في سيْمور الشمالية، توجهت مؤسسة «الحفاظ على الجزر» إلى مختبرات بيل Bell Laboratories، وهي شركة بمدينة ماديسون ويسكونسن، مختصّة في مكافحة القوارض بمقاييس صناعية. وكان التساؤل إنْ كان بوسع هذه الشركة التَّبرُّع بمقدار كافٍ من الطعوم ـ نحو 45 طنًّا ـ لتغطي كافّة مناطق الجزر والجُزيْرات المتبقية، والمحدَّدة بخريطة طريق مشروع بنزون، أم لا؟ اجتذب الطابعُ الخيري للمشروع الشركةَ؛ فوافقت. 

كان عدم اليقين الأبرز يدور حول تأثير أحد المركبات الفعّالة بالطُعم المسموم ـ مادة بروديفاكوم brodifacoum المانعة للتخثُّر ـ على الأنواع الحيوية غير المُستهدَفة. ففي الطيور والثّدييات، تمنع هذه المادة عملية ترميم الشعيرات التي تتمزق طبيعيًّا، مما يؤدي إلى الإصابة بنزيف داخلي، بل ونفوقها لدى ارتفاع الجرعات. وما لم يكن معروفاً، هو كيفية استجابة حيوانات جالاباجوس «لافتة الطرافة» ـ كما وصفها داروين ـ عند تعرُّضها لهذه الطعوم. يقول كامبل: «كان علينا البدء باستعادتها من الصفر»، أي تقدير المخاطر المحيطة بكافّة الفقاريات والأنواع الحيوية المُهدَّدة على هذه الجزر التي ستُنشر عليها الطعوم. 

ومن الأنواع الأكثر إثارة للقلق.. طيور الجالاباجوس المُحاكية، وطيور البرقش، التي قد تتلهّف لالتقاط الطعوم. لذا.. شرعتْ آنا لوتشيا كاريون بونيلا ـ طالبة الدراسات العليا بجامعة سان فرانسيسكو في كيتو ـ في عام 2009 بتحديد أيّ الألوان أقل جذبًا لهذه الطيور الفريدة5. وعندما وجدت أن الإجابة هي الأزرق؛ صبغت مختبرات بيل طعوم الجرذان باللون الأزرق. وجاءت النتائج واعدة لتَجارب على طعوم غير سامّة: فقد أعرضت أنواع مهمة متوطّنة بمناقيرها عن الكتل الزرقاء اللامعة، ولم تقترب منها. كما أظهرت الاختبارات اللاحقة أن الطعوم السامة نجحت في قتل فئران المنازل الدخيلة، المنتشرة في جزيرة بلازا الشمالية المرتفعة. وفي تعديل إضافي آخر، تمّ صبغ الطعم هنا ـ وبمعظم الجزر اللاحقة ـ بصبغة فلوريسنت؛ لمساعدة الباحثين في تعقّب حركة الطعم خلال البيئة بواسطة وَسْمها بآثار دالَّة في السكك، والأعشاش، والحيوانات ذاتها ورَوَثها. يقول كامبل: «باستخدام مصباح إضاءة فوق البنفسجية، بإمكانك معرفة أين ذهب هذا الطعم». وهذا يلمِّح إلى أنّ بعض طيور البرقش، وسحالي لاڤا قد قضمت شيئًا من الطعم، دون أن يقتلها. 

ورغم أنَّ اختبارات التَّذوق تشير إلى أنَّ سلاحف جالاباجوس المشهورة عالميًّا والزواحف الأخرى لن تلتهم الطُّعم، فلا مجال للمخاطرة. تقول بيني فيشر، من منظمة «لاندكير ريسيرتش»: «نحتاج إلى معطيات صلبة حول ما يمكن توقعه إذا أكلت هذه السلاحفُ الطُّعْم». في 2010، أطعمت فيشر حبوب الطُعم لسلاحف أسيرة ذات أصل هجين ـ يعتبرها حُمَاة البيئة أقل قيمة من الحيوانات البريَّة الأصيلة ـ لسَحْب عيِّنات من الدم خلال عدة أسابيع، وقامت بقياس وقت تخثرها، كمؤشر لتأثيرات سامّة. تقول فيشر: «كانت تجربة منهكة للأعصاب»، لكن لأسبابٍ لم تتضح بعد، بقي وقت التَّخثر ثابتًا، مما يُرجِّح عدم مواجهة السلاحف لمخاطر تسمُّم حقيقيّة. 

تطلَّبت حماية أنواع أخرى مقاييسَ أكثر صرامةً. ففراخ صقور الجالاباجوس بقمة التسلسل الغذائي المحلي ـ التي يتراوح نظامها الغذائي بين صغار الإجوانا، وأسود البحر حديثي الولادة ـ كانت عرضة لمخاطر أكبر للتسمم غير المقصود. لذا.. قرر فريق العمل الإمساك بكافّة فراخ الصقور المحليّة، حتى بعد جولة الطُّعم الأولى بستة أسابيع. وفي يناير 2011، عندما قامت المروحيّة بنشر الطُّعم فوق رابيدا Rábida وبضع جُزَيْرات، اعتنت جوليا بوندر ـ من جامعة مينيسوتا ـ بعشرين صقرًا بأقفاص مؤقّتة في جزيرة سانتياجو القريبة. وبعد إجراء استقصاء شامل في نوفمبر 2012، أُعْلِن متنزه جالاباجوس القومي رابيدا خاليًا من القوارض الدّخيلة. 

والآن، بعد احتجاز تجمُّع صغير للسلاحف كضمان مؤقت، حان الوقت لإعداد حملة بنزون. يحتاج سائق المروحيّة إلى 3 أيام في وجود سماء صافية؛ لنشر الطُّعم فوق المناطق بالدقة اللازمة، وعليه قيادة الطائرة بامتداد خطوط طيران محددة، يفصل بينها 35 مترًا فقط. تقول هاجن: «إبقاء تلك الخطوط مستقيمة هو ما يؤدي إلى إنجاح أو إفشال المشروع». وتتابع: «عندئذ نضمن إحراز تغطية كاملة». وعند انطلاق العملية، قامت هاجِن وفريق العمل بتحميل وإنزال الطُّعْم على مهبط طائرات حربي مهجور، كان تابعًا للولايات المتحدة بجزيرة بالترا Baltra. ثم بمنتصف نوفمبر 2012، وبتحسن حالة الطقس، انطلقت العملية جديًّا.


بوادر النجاح

عندما خطت هاجن بقدميها على بنزون، بعد النشر الثاني للطعم في ديسمبر، بدت الجزيرة طبيعية أكثر. تقول هاجن: «عادةً بعد تعرُّض الحيوانات لمبيد القوارض، تلجأ إلى مناطق آمنة، إذ لا تشعر بأنها في حالة جيدة»، أي أنَّ الدليل الوحيد لحدوث تسمُّم جماعي، هو انبعاث روائح الجِيَف المتعفّنة، وربما هياكل الفئران العظميّة. وعادةً يستغرق الأمر سنتين من الرصد ـ باستخدام مصائد للحيوانات الحيّة، وبطاقات عضات «bite cards» تُنشَر بالمناطق المستهدفة، وبالبحث عن آثار أقدام ورَوَث الفئران ـ قبل إعلان نجاح جهود اجتثاث القوارض. 

وبافتراض زوال الفئران، سيقوم فريق العمل برصد كيفية استجابة البيئة لمدة 5 إلى 10 سنوات. بومساعدة المسوح الميدانية، سيتم توثيق أحوال الأنواع الرئيسة، وستجمع المجسّات الصوتية البيانات الدالة على وفرة وتنوع حياة الطيور عبر زقزقتها. يقول نِك هولمز، المدير العلمي بمؤسسة الحفاظ على الجزر: «سيكون المقياسُ الأمثل لكل نوع مهدَّد بالانقراض نموَّ تعدادها، وقد يكون المقياس أيضًا اكتفاءها الذاتي». 

وسيكون أحد المؤشرات على الأرخبيل كله هو حلزونات الأرض من جنس بوليمولوس. ورغم أنّها ليست بشهرة طيور البرقش التي ذكرها داروين، إلّا أنَّ هذه الحلزونات الصغيرة ذات الأًصداف الصّنوبريّة مخروطية الشكل تقدم توضيحًا حاسمًا لقوة الانتخاب الطبيعي، إذ إنّ هناك حوالي 70 نوعًا موثقًا منها، ربما ينحدر جميعها من سَلَف واحد مستوطن مشترك6، لكن لأنّ الفئران تتغذى عليها، مما يعلل أن 50 نوعًا منها مهدد بالانقراض، وتمثل قواقعها المعطوبة طريقةً صالحة لحساب شراسة الفئران. تقول كريستين بيرنت، من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، التي سوف تساعد في السنوات القادمة في رصد حلزونات بنزون، كعلامات على النهوض: «تزوّدنا اللافقاريات عمومًا بفكرة أسرع عن الاستجابة عقب برنامج الاجتثاث».

والمؤكّد في مثل هذه العملية المعقّدة أنَّ ليس كل شيء يسير وفق الخطة.. فرغم أن بوندر وزملاءها نجحوا في الاحتفاظ بستين من صقور الجالاباجوس في الأقفاص طوال فترة حملة بنزون، لم تسر أحوال الطيور جيدًا بعد إطلاقها. وحسب قول بوندر، «هناك 16 حالة نفوق مؤكّدة». وتعتقد الباحثة أنّ الطيور تغذت بزواحف صغيرة، ربما أكلت طُعمًا سامًّا. وفي المستقبل، ربما يكون من الأفضل الاحتفاظ بالصقور في الأقفاص فترة أطول. وحتى لو نجحت جهود إخلاء القوارض تمامًا، ينبغي الاحتراس الدائم؛ لمنع معاودة غزوها للجزيرة. في يناير 2011، أجرى متنزه جالاباجوس القومي والحفاظ على الجزر تقديرًا لاحتمالات معاودة غزو الفئران لدى نَشْر الطُّعْم بجزيرتي بارتولومي، وسومبريرو تشينو، اللتين تبعدان مسافة قدرها 500 متر ـ وهي مسافة بمقدور الفئران سباحتها ـ عن جزيرة سانتياجو التي ما زالت موبوءة بالفئران. في نوفمبر 2012، وجدوا دليلاً على وجود فئران بالجزيرتين اللتين تمّت مُعالجتهما. (ولحسن الحظ، تبعد رابيدا وبنزون مسافة تتجاوز قدرة الفئران على وصولها سباحةً من الجزر المجاورة). 

وتنبغي أيضًا مراقبة سفن السائحين وقوارب المواصلات، بحثًا عن فئران مختبئة بها. وهناك دائمًا مخاطر التخريب البشري، الذي وقع عدة مرات بعد إتمام مشروع إيزابيلا. ففي عام 2009 مثلًا، أنزل ساخطون 6 رؤوس ماعز على جزيرة سانتياجو، التي كانت آنذاك خالية من الماعز لنحو ثلاث سنوات. وحددت منظمة متنزه جالاباجوس القومي تكلفة رصد الجزيرة وإخلاء هذه الحيوانات بمقدار 32.393 دولار، أي بمتوسط يتجاوز 5 آلاف دولار لكل حيوان4

ورغم هذه الانتكاسات، تدفع وزارة البيئة بالإكوادور برنامجها لاسترداد جالاباجوس إيكولوجيًّا قُدُمًا. فقد خصصت الحكومة لعام 2014 عدة ملايين من الدولارات؛ لمحاولة إبادة الفئران من جزيرة فلوريانا، التي تبلغ مساحتها 173 كيلومترًا مربعًا، حيث تزيد حقيقة كونها مأهولة بالسكان من التحديات. يقول باركس: «إلقاء السم حول البشر يضيف طبقة أخرى من التعقيد»، لكن إحراز النجاح في جزيرة بحجم فلوريانا سيكون مثالاً يُحتذى لبقية العالم. وسوف ييسِّر ذلك تحقيق طموحٍ طال أمده لدى حُمَاة البيئة لإعادة الطيور المحاكية والسلاحف للجزيرة. ولا يجب أنْ ننسى أنَّ هذا كفيل بإعادة الاسترخاء لطيور النوء بأرخبيل جالاباجوس. 

سيكون هذا بمثابة تحقيق حلم حياة كروز. يقول: «عندما أتنقل بين الجزر وأشاهد سربًا من طيور النوء المحلّقة، ينبغي أن أكون صادقًا تمامًا». «إنّ قلبي يخفق أسرع».

  1. Harper, G. A. & Carrion, V. in Island Invasives: Eradication and Management (eds Veitch, C. R., Clout, M. N. & Towns, D. R.) 6366 (IUCN, 2011).
  2. Cruz, J. B. & Cruz, F. Biol. Conserv. 42303311 (1987).
  3. Cruz, F. et alBiol. Conserv. 121473478 (2005).


  4. Carrion, V. et alPLoS ONE 6, e18835 (2011).


  5. Carrión Bonilla, A. L. Preferencias de color de alimento en Pinzónes de Darwin y cucuves de Galápagos: Implicaciones para disminuir la muerte accidental por consumo de veneno. Thesis, Univ. San Francisco de Quito (2009).
  6. Parent, C. E. Diversification on islands: Bulimulid land snails of Galapagos. Thesis, Simon Fraser University (2008).