تحقيق إخباري

الصحة الذهنية: الاضطرابات العقلية.. أبعـاد وأطيـاف

تشير البحوث إلى أن الأمراض العقلية تمتد متداخلةً كأطياف مرضية لها أبعاد، لكنْ ما زال أحدث دليل للتشخيص في هذا المجال قائمًا على تصنيفها، والفصل فيما بينها.

ديفيد آدم
  • Published online:


يعتبر ديفيد كوبفر مهرطق العصر. ولكونه طبيبًا نفسيًّا بجامعة بتسبرج، بنسلفانيا، قضى السنوات الست الماضية في إدارة مراجعة كتاب يُعتَبَر ـ بشكل شائع ـ «الكتاب المقدّس للطب النفسي». وكان مقررًا أن يصل هذا العمل ذروته في مايو الماضي عندما تقوم جمعية الطب النفسي الأمريكية بكشف النقاب عن الإصدار أو «التجسد» الخامس للكتاب المسمّى «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية» DSM، الذي يقدِّم قائمة دقيقة لأعراض يستخدمها الأطباء النفسيون حول العالم في تشخيص مرضاهم. ولهذا الدليل نفوذ بالغ، إلى درجة أن الاقتراح الوحيد لكوبفر ـ الذي لم يقابَل بعاصفة احتجاج خلال عملية المراجعة ـ كان تغيير عنوان الدليل من DSM-V إلى DSM-5.

ورغم التوافق على عنوان وصياغة الدليل مؤخرًا، إلا أن المناقشات التي ألقت بظلالها على مراجعته لم تستقر بعد. والحقيقة الصارخة أنه لا اتفاق بعد على أفضل السبل لتعريف وتشخيص الأمراض العقلية. فالدليل الجديد ـ كشأن طبعتيه السابقتين ـ سيضع الاضطرابات في فئات منفصلة متميزة، كاضطراب الاكتئاب الرئيس، والاضطراب ثنائي القطب، والفصام، واضطراب الوسواس القهري. هذه التصنيفات ـ التي سادت الطب النفسي منذ أوائل الثمانينات ـ تستند بشكل كبير إلى نظرية مرت عليها عقود وأعراض ذاتية (شخصية).

والمشكلة هي عدم استطاعة علماء الأحياء الوصول إلى أدلة جينية أو عصبية تدعم تفكيك الاضطرابات العقلية المركبة إلى فئات منفصلة، في حين شرع أطباء نفسيون في التفكير فعلًا خارج صناديق التصنيفات، لأنهم رأوا مرضى كثيرين يُظْهِرون أعراضًا لا تنسجم معها بصورة منظمة. أراد كوبفر وآخرون للإصدار الأخير من الدليل الابتعاد عن منهج التصنيفات باتجاه منهج دراسة ورسم «الأبعاد» dimensionality، حيث تتداخل الأمراض النفسية. ووفقًا لتلك النظرة، تنتج الاضطرابات من عوامل مشتركة لمخاطر الإصابة، تؤدي إلى شذوذ في الدوافع المتقاطعة، كالتحفيز وتوقع الإثابة القابل للقياس (من هنا كانت الأبعاد)، واستخدامها في وضع الأشخاص ضمن أحد أطياف الاضطرابات، لكنّ محاولة تقديم ذلك المنهج أخفقت، نتيجة اعتراض بعض الأطباء النفسيين وعلماء النفس، بحجة أن ذلك سابق لأوانه.

وجاءت الأبحاث لنجدة المنهج الجديد. ففي 2010، أطلق معهد الصحة العقلية الوطني(NIMH) في بيثيسدا، ميريلاند، مبادرةً سمّاها مشروع «معايير المجال البحثي»، بهدف تحسين فهم متغيرات الأبعاد ودوائر الدماغ العصبية المتعلقة بالاضطرابات العقلية. واعتبر بروس كُثبرت ـ عالِم النفس الإكلينيكي ورئيس المشروع ـ هذا المشروع محاولةً «للعودة إلى لوحة رسم» الأمراض العقلية. وعن تصنيفات الأمراض، يقول كُثبرت إن «علينا البدء بدلًا منها بالتفكير في كيفية كون هذه الاضطرابات تقلُّبات في عمليات طبيعية».

إنّ ذلك سيكون متأخرًا جدًا بالنسبة إلى الدليل التشخيصي الإحصائي. يقول كوبفر إنه يدرك الآن صعوبة تغيير المُعتقد الإكلينيكي، فـ«أثناء تحليق الطائرة في الجو، يجب علينا إجراء التغييرات خلال طيرانها».


تطور الدليل

المعلوم أن الكنيسة الكاثوليكية تغيِّر البابا مرات أكثر ممّا تقوم جمعية الطب النفسي الأمريكية بإصدار دليل جديد. فالطبعتان الأولى والثانية للدليل ـ الصادرتان في عامي 1952 و1968 ـ كانتا تعكسان مفهوم سيجموند فرويد حول الديناميات النفسية، القائل بأن: المرض العقلي نتاج الصراع فيما بين الدوافع الداخلية. فمثلًا، أوردت طبعة الدليل الأولى (DSM-I) أن «القلق ينتج عن تهديد من داخل الشخصية». وكانت الأعراض منفصلة عمومًا عن التشخيص.

اتخذت الأمور منحى تجريبيًّا بحلول 1980. وبتعرضها لصدمة اكتشاف أن مرضى بأعراضٍ متطابِقة تَلَقَّوا تشخيصًا مختلفًا وعلاجات مختلفة، استبعدت مجموعة مؤثرة من الأطباء النفسيين الأمريكيين فرويد واستبدلت به نموذجًا يُحتذى، الطبيب النفسي إيميل كريبَلِن من وسط أوروبا. واشتُهِر كريبَلِن بقوله إن الحالتين المرضيتين المعروفتين بـ«الفصام» والاضطراب «ثنائي القطب»، تعتبران متلازمتين منفصلتين، تظهر لكل منهما أعراض فريدة وأسباب فريدة أيضًا. وكانت طبعة الدليل الثالثة (DSM-III)، الصادرة في 1980، قد حولت هذا التفكير إلى ما يُعرف الآن بمنهج تصنيف الأمراض بجدران صلبة فاصلة بين الحالات. وعندما صدرت طبعة الدليل الراهنة(DSM-IV)  في 1994، أضافت وحذفت بعض التصنيفات ببساطة.

ومنذ ذلك الحين، احتشد جيل كامل من المكروبين في عيادات الأطباء النفسيين، ليتم تشخيصهم بأحد تشخيصات الدليل المعتمدة، ومن ضمنها اضطراب القلق، أو اضطرابات الأكل، واضطرابات الشخصية. وستظهر معظم تلك الحالات بصفحات الإصدار القادم للدليل (DSM-5)، الذي لن ترى محتوياته النور رسميًّا قبل انعقاد لقاء «جمعية الطب النفسي الأمريكية» السنوي في 18 مايو بمدينة سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، رغم أنه سر معلَن منذ إصدار الجمعية لمسودته على صفحتها الإلكترونية ودعوتها إلى التعليقات.

وبرغم تثبيت الجدران الفاصلة بين الحالات داخل الدليل المهني، كانت تتهاوى داخل العيادات. وكما يعرف الأطباء النفسيون جيدًا، يُظْهِر معظم المرضى خليطًا من الأعراض؛ فيتم تشخيصهم غالبًا باضطرابات متعددة، أو باعتلالات مشتركة. فحوالى خُمس الذين يستوفون معايير أحد الاضطرابات المعتمدة في الإصدار الرابع للدليل (DSM-IV) تنطبق عليهم ـ على الأقل ـ معايير اضطرابين آخرين.

يقول ستيف هايمَن ـ مدير مركز ستانلي لبحوث الطب النفسي، وعضو بمعهد برود في كمبريدج، ماساشوسيتس ـ إن هؤلاء المرضى «لم يقرأوا مقررات (التشخيص) الأكاديمية». ونظرًا إلى أن أعراضهم تتعاظم وتخبو بمرور الوقت، فهم يتلقون تشخيصات مختلفة، مما يزعجهم ويعطيهم أملا زائفًا. يضيف هايمن: «المشكلة أن الدليل تم تدشينه إلى مياه غير مبحوثة بشكل كاف، وتم قبوله بدون جدال».

ويرى الأطباء النفسيون مرضى كثيرين باعتلالات مشتركة؛ مما دفعهم إلى خلق فئات جديدة تغطي بعضها. ففصل كريبَلِن النظري التقليدي بين الفصام والاضطراب ثنائي القطب ـ مثلاً ـ طالما جُسِر بهجين براجماتي يسمى «الاضطراب الفصامي العاطفي»، الذي يصف ظهور أعراض الاضطرابين، وتم إقراره في الإصدار الرابع للدليل.

وبدورها، قدمت الأبحاث الأساسية توضيحًا بسيطًا. فبرغم عقود من العمل، فإن التوقيعات الوراثية والأيضية والخلوية لمعظم الاضطرابات العقلية تظل في عمومها لغزًا. والمفارقة الساخرة أن منهج التصنيف المتأصل يثبط بالفعل الأبحاث العلمية التي قد تصقل التشخيص جزئيًّا، بسبب تفضيل الهيئات الممولة للدراسات المنسجمة مع مجموعات التشخيص القياسية. يقول نك كرادّوك ـ من مركز المجلس البحثي الطبي لوراثيات وجينوميات الأمراض العصبية والنفسية بجامعة كارديف، المملكة المتحدة ـ إنه «حتى وقت قريب كنا لا نستطيع الحصول على تمويل لدراسة الذهان. فقد كان الباحثون يدرسون الاضطراب ثنائي القطب، أو الفصام، وكان من غير المتصور أن يُدرسا معًا».

من جانبه، يقول هايمن: «ينبغي السماح للباحثين بالتفكير خارج صوامعهم التقليدية»، فنحن «نحتاج إلى دفعهم نحو إعادة تحليل تلك الحالات من القاع إلى القمة».

وفي السنوات القليلة الماضية، تصدى بعض الباحثين للتحدي، ودعّمت نتائج دراسات الوراثة وتصوير الدماغ مفهومَ تداخل الاضطرابات الموجودة في الدليل. فقد أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ أن الذين لديهم اضطرابات القلق أو اضطرابات المزاج يتشاركون استجابات مفرطة النشاط ـ بمنطقة لوزة المخ ـ للمشاعر السلبية والنفور. والذين لديهم الفصام أو اضطراب بعد الصدمة، يظهرون نشاطًا غير معتاد بقشرة الفص الجبهي حينما يُطلب منهم تنفيذ مهام تتطلب انتباهًا مستدامًا1.

وفي أكبر دراسة تُجرى حتى الآن لتحديد الجذور الوراثية للاضطرابات العقلية، قامت مجموعة بحثية ـ قادها جوردان سمولر بمستشفى ماساتشوستس العام، بوسطن ـ بعملية مسح لمعلومات الجينوم لأكثر من 33 ألف شخص يعانون خمسة اضطرابات عقلية رئيسة، بحثًا عن التتابعات الجينية المرتبطة بأمراضهم2. وبنهاية فبراير، أورد الفريق أن بعض عوامل المخاطر الوراثية ـ خاصة بمواقع صبغية أربعة ـ ترتبط بكافة الاضطرابات الخمسة: التوحد، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والاضطراب ثنائي القطب، ومرض الاكتئاب الرئيس، والفصام. يقول هايمن: «ما نراه في (المرايا) الوراثية هو ما نراه في العيادات»؛ ولذلك.. «سنعمل على إعادة التفكير».


المنهج المنافس

في حين تقوم الأبحاث والممارسة الإكلينيكية بالمساعدة في تقويض منهج تصنيفات الدليل التشخيصي الإحصائي، كان منهج «الأبعاد» المنافس يكتسب دعمًا. فخلال العقد السابق، كان الأطباء النفسيون قد اقترحوا عددًا من تلك الأبعاد، لكنها غير مستخدمة في الممارسة، ويعود ذلك جزئيًّا إلى عدم إقرارها في الدليل.

 وقد أدَّى الاعتلال المشترك المتكرر بين الفصام واضطراب الوسواس القهري بالبعض إلى اقتراح طيف وسواسي فصامي، مع وضع المرضى على الطيف، تبعًا لكونهم يعزون الأفكار الدخيلة التي تعتريهم إلى مصادر خارجية أو داخلية. وفي 2010، اقترح كرادوك مع زميله مايكل أوين أكثر أطياف الأبعاد راديكالية حتى الآن3، حيث رتبا خمس فئات من الاضطرابات العقلية على محور واحد: «التخلف العقلي»، «التوحد»، «الفصام»، «الاضطراب الفصامي العاطفي»، «الاضطراب ثنائي القطب/الاضطراب أحادي القطب»، انظر: «أبعاد مضافة». ويضع الأطباء النفسيون الأشخاص على المقياس لدى تقييم شدة التأثر بسلسلة طباع تتعلق بتلك الحالات، كضعف الإدراك، أو ارتباك المزاج. يقول كرادوك: «يعتبر هذا المنهج مبسطًا للغاية، لكنه يبدو منسجمًا مع الأعراض التي يذكرها المرضى». وهناك أشخاص يُظْهِرون علامات التخلف العقلي والتوحد معًا أكثر من إظهار أعراض التخلف العقلي والاكتئاب.

REF. 3


وعندما بدأ كوبفر وفريقه العمل على إنتاج الإصدار الخامس للدليل DSM-5 في 2007 متفائلين بقدرتهم على إحداث التحول نحو منهج «الأبعاد» في الطب النفسي. ويستعيد كوبفر تلك الفترة قائلًا: «فكرت في أننا لو لم نستخدم العلوم الأحدث والأكثر أساسية للدفع بقوة قدر استطاعتنا؛ لوجدنا صعوبةً بالغة في أن نتخطى الوضع الراهن». وقد عقد فريق العمل سلسلة مؤتمرات لمناقشة كيفية تقديم المنهج. كان أحد الاقتراحات الراديكالية، والمثيرة للجدل خصوصًا، أن يتم إلغاء نصف الحالات العشر الموجودة والمتصلة باضطراب الشخصية، وتقديم سلسلة أبعاد متقاطعة؛ لقياس المرضى مقابلها، كدرجة القهرية.

قوبل ذلك الاقتراح وغيره بنقد لاذع. وقال النقاد إن المقاييس المقترحة لم تستند إلى دليل قوي، ولم يكن لدى الأطباء النفسيين خبرة باستخدامها في تشخيص المرضى. يضاف إلى ذلك أن أبعاد اضطراب الشخصية أخفقت لدى اختبارها على مرضى خضعوا لدراسة تجريبية حقلية لمعايير مسودة الدليل بين 2010 و2012: فقد حقق أطباء نفسيون كثيرون جرّبوها نتائج مختلفة. وقد كتب ألن فرانسيس ـ أستاذ الطب النفسي غير المتفرغ بجامعة ديوك في دورهام، نورث كارولينا ـ في مقال بمجلة الطب النفسي البريطانية BJP قائلًا4: «إن استحداث نظام أبعاد غير متقن في الإصدار الخامس للدليل (DSM-5) قبل الأوان قد يؤثر سلبيًّا ويسمم أجواء قبوله مستقبليًّا لدى الأطباء المعالجين». وقد عمل فرانسيس رئيسًا لفريق عمل الإصدار الخامس، وكان أحد أقوى نقاد مقترحات إدخال منهج «الأبعاد» في الدليل.

كذلك لم يلقَ المقترحُ شعبيةً لدى مجموعات المرضى والمنظمات الخيرية، فكثير منها كافح طويلًا وبقوة؛ لجعل مختلف الاضطرابات العقلية المتميزة علامات (توسيمات) مرئية. لم يريدوا رؤية «الفصام» أو «الاضطراب ثنائي القطب» موسومًا بشكل مختلف. وفي أحاديث الخاصة، يتمتم بعض علماء النفس بكلمات حول نفوذ شركات الأدوية وعلاقاتها بالأطباء النفسيين. فكلا الطرفين يعمل للاستفادة من تصنيفات الدليل الراهنة، لأن خطط التأمين الصحي بالولايات المتحدة تغطي العلاجات القائمة عليها. ولذلك.. لديهم أمل ضعيف لرؤية تلك التصنيفات تتلاشى.


تغيير المسار

في منتصف 2011، أقر فريق عمل الإصدار الخامس للدليل بالهزيمة. ففي مقال بـ«المجلة الأمريكية للطب النفسي»5، أقر كل من كوپفر، وداريل رجيير ـ نائب رئيس مجموعة عمل الإصدار الخامس، ومدير البحوث بجمعية الطب النفسي الأمريكية ـ بالإفراط في التفاؤل. فقد كانا «يتوقعان أن يؤثر تقدم سبل التشخيص والعلاج المضطرد في تشخيص وتقسيم الاضطرابات العقلية بأسرع مما حدث بالفعل». وتم إسقاط أبعاد الاضطرابات الشخصية (المثيرة للجدل) في تصويت مجلس أمناء جمعية الطب النفسي الأمريكية في اجتماعها التخطيطي النهائي في ديسمبر 2012.

وتزعم الجمعية أن الصورة النهائية للإصدار الخامس للدليل تعتبر تقدمًا مهمًّا، مقارنةً بالإصدار السابق، وأنها تمزج التشخيص بالتصنيف والأبعاد. فالتصنيفات المنفصلة السابقة لإساءة استخدام المواد والاعتماد عليها دُمجت في تشخيص واحد، يسمَّى «اضطراب استخدام المواد». كما جُمعت «متلازمة أسبرجر» إلى بضع حالات ذات صلة في فئة جديدة، هي «اضطراب طيف التوحد»، كما تم وضع «اضطراب الوسواس القهري» مع «اضطراب جذب الشعر القهري» واضطرابات مماثلة معًا في فئة «الاضطرابات الوسواسية القهرية وما يتصل بها». يقول ريجيير إنه يتعين على التغييرين الأخيرين أن يساعدا العلماء الباحثين في ارتباطات الحالات. ويقول أيضًا: «ربما لن يُحْدِث ذلك فرقًا في العلاج، لكنه سييسِّر البحث في نقاط الضعف المشتركة».

يعتبر مشروع معايير المجال البحثي الأكبرَ في تلك الجهود المبذولة. فقد وافق معهد الصحة العقلية الوطني في العام الماضي على تمويل 7 دراسات، قيمتها الإجمالية 5 ملايين دولار، ضمن المشروع. وذكر كُثبرت أن تلك المبادرة «ستمثل زيادة في نصيب البحث الانتقالي لدى المعهد في السنوات القادمة». فالهدف هو إيجاد متغيرات جديدة في «الأبعاد»، وتقدير قيمتها الإكلينيكية، وهي معلومات سيكون لها أثر في إصدارات الدليل المستقبلية.

أحد المشروعات التي يمولها المعهد يقوده جيرزي بودُركا بمعهد لورييت لأبحاث الدماغ في طلسا، أوكلاهوما، ويدرس «انعدام التلذذ» anhedonia، أي عدم القدرة على الاستمتاع بأمور.. كالأنشطة الرياضية والجنسية والاجتماعية. وتوجد تلك الحالات في أمراض عقلية، كالاكتئاب، والفصام.

ويدرس فريق بودُركا مفهوم أن الدوائر العصبية المختلة بالدماغ يطلق إنتاج سيتوكاينات التهابية تسبب عدم التلذذ بتثبيط الحافز واللذة. ويخطط العلماء لسبر تلك الوصلات باستخدام تحليل التعبير الجيني والمسح الدماغي. ونظريًّا، إذا أمكن التعرف على تلك الآليات أو غيرها، يمكن اختبار المرضى من حيث وجودها وعلاجهم، سواء شُخّصوا بحسب الدليل، أو لم يشخصوا.

يذكر كُثبرت أن أحد التحديات الكبيرة هو إقناع المسؤولين بهيئات تنظيم الأدوية بمفهوم أن تصنيفات الدليل ليست الوسيلة الوحيدة لإثبات كفاية الدواء. ويقول إن المحادثات المبكرة حول المبدأ كانت إيجابية. وهناك أمور سابقة على ذلك.. فـ«الألم لا يعتبر اضطرابًا، لكن هيئة الغذاء الدواء (FDA) ترخّص إنتاج الأدوية المضادة للألم.

قد تكون هناك دلالة للعودة إلى لوحة الرسم عند العلماء، لكنها أين ستأخذ الإصدار الخامس للدليل؟ بشأن دراسة «الأبعاد»، يجدها معظم الغرباء (عن المجال) تماثل الإصدار الرابع للدليل. فقد ذكر كل من كوبفر، ورجيير أن كثيرًا من العمل حول «الأبعاد» لم يصل إلى صورته النهائية تَضَمَّنَه قسم بالدليل، بقصد استدعاء مناقشة وبحث أكثر. ويضيف كوبفر قائلًا إن القصد من الإصدار الخامس للدليل (DSM-5) أن يكون «وثيقة حية» يمكن تحديثها مباشرة عبر شبكة الإنترنت بشكل أكثر تكرارًا مما كان سابقًا. وهذا سبب تحويل اللاحقة من الرقم اللاتيني V إلى العربي 5؛ فما صدر بشهر مايو هو إصدار الدليل DSM-5.0. وعندما تتعزز قاعدة الأدلة ـ ربما يكون ذلك نتيجة مباشرة لمشروع المعهد حول معايير المجال البحثي ـ سيتم تضمين منهج «الأبعاد» في الإصدار DSM-5.1، أو في الإصدار DSM-5.2.

ويتفق أهل الاختصاص على شيء واحد.. على أنّ نموذجهم الذي يُحتذى الآن لم يعد فرويد أو كريبَلِن، بل الثورة الجينية (الوراثية) الجارية في علم الأورام. وهنا، بدأ الباحثون والأطباء في تصنيف وعلاج السرطانات على أساس خريطة جينية مفصلة، بدلاً من جزء الجسم، حيث ينمو الورم. ويقول العاملون بمجال الطب النفسي إن علم الوراثة وتصويرالدماغ سيقومان بالدور نفسه في تشخيص الصحة العقلية، لكن ذلك سيستغرق وقتًا، وقد يتلقى جيل كامل تشخيصات معيبة قبل تطور العلم بشكل كافٍ يمكِّنه من تسليم منهج التصنيف إلى التاريخ الإكلينيكي.

يقول كرَدّوك: «أتمنى أن أصبح قادرًا على إعطاء مريض (محتمل) بالاضطراب ثنائي القطب تقييمًا إكلينيكيًّا سليمًا. سأجري له تحليلاً للدم، وأبحث عن المخاطر الوراثية، وسأرسله لإجراء مسح للدماغ، وسأطلب منه التفكير في شيء بغيض نوعًا؛ لتمرين جهازه العاطفي». وسوف يمكن استخدام النتائج لتتبُّع السبب الكامن، كإشارة كيميائية إشكالية في الدماغ. ويتابع بقوله: «سأتمكن وقتها من تقديم نصيحة متصلة بنمط الحياة والعلاج». ويتوقف قليلًا، ليقول: «في الواقع، لستُ أنا الذي سأفعل ذلك؛ لأني سأكون حينئذ قد اعتزلت».




  1. Dichter, G. S., Damiano, C. A. & Allen, J. A. J. Neurodev. Disord. 4, 19 (2012).

  2. Cross-Disorder Group of the Psychiatric Genomics Consortium Lancet http://dx.doi.org/10.1016/S0140-6736(12)62129-1 (2013).

  3. Craddock, N. & Owen, M. J. Br. J. Psychiatry 196, 9295 (2010).

  4. Frances, A. Br. J. Psychiatry 195, 391392 (2009)

  5. Kupfer, D. J. & Regier, D. A. Am. J. Psychiatry 168, 672674 (2011).